بلدة ناضلت، صمدت، تحدت … وما زالت  

 هي بلدة التاريخ، والجغرافيا، والطبيعة، والبيولوجيا، والحِرف، 

هي بلدة الآثاراليونانية والعثمانية والرومانية والصليبية والشهابيّة.

هي قلعة راشيا التي بناها الأمير حيدر الشهابي أمير حاصبيا وراشيا عام 1370 م مقرا صيفيا له.

هي جبل الشيخ، المشترك بموقعه بين لبنان فلسطين وسوريا، وبأهميته بين كل الديانات. 

هي الممر والاستراحة، وملتقى التجار والقوافل القادمين من دمشق الى فلسطين ومصر 

هكذا كانت منذ ان وجدت، وما زالت حاملة هذا المشعل، بجهود ابنائها القيمين عليها، لتبقى واحة لقاء لابناء الوطن والجيران والبعيدين.

راشيا تعني بالسريانية “راس آيا” أي اله المطر والعواصف عند البابليين. ولهذه التسمية علاقة أكيدة بتاريخ جبل حرمون على ما جاء في النبذة التاريخية عن البلدة.

والوادي نسبة الى وادي التيم الذي غنت له فيروز “يا بدر وادي التيم”، لما أنعم الخالق على هذه المحافظة والبلدة من جمال الطبيعة.

راشيا الوادي هي المركز الاداري لقضاء راشيا. تبعد 50 كلم عن بيروت وتعلو ما بين 850 و 1650 مترا عن سطح البحر.

اَهلها فخورون بانتمائهم، يسعون دائما لتقديم الأفضل لبلدتهم، يعملون ضمن خطة عمل واضحة ومدروسة لإنماء راشيا الوادي.

” نحن اول بلدية في قضاء راشيا اهتمت بالامور السياحية والسياحة الداخلية، وخاصة ان لبنان لم يعد يعتمد على السياحة الخارجية والخليجية. وتشهد راشيا حركة سياحية داخلية ناشطة تتزايد سنويا”-  يقول السيد إيهاب مهنا عضو في لجنة البلدية ورئيس لجنة الشباب الرياضة والنشاطات الشبابية. ويضيف: “انهت البلدية السنة الماضية البنى التحتية من كهرباء وماء وصرف صحي. وانصبّت على العمل وبمؤازرة اهل البلدة والناشطين الى إقامة نشاطات ثقافية، فنية، بيئية، وذلك على مدار السنة”.

تعريف السائح على المواقع والمعالم التاريخية والأثرية في راشيا همهم وهدفهم.

فالتاريخ الحضاري لبلدة راشيا الوادي مرتبط بتاريخ حرمون وهو أعلى جبال السلسلة الشرقية، يجمع حــدود ثلاث دول، مما جعل منطقة وادي التيم قديما معبرا بين القدس ودمشق.

جبل الشيخ او تلة المنارة “بيت الالهة”

السيد مهنا الذي رافق الاعلاميين خلال جولتهم في البلدة، نوَّه بميزتين أساسيتين تتمتع بهما البلدة: الطبيعة الخام النقية البعيدة عّن “هجوم الباطون” والقيمة التاريخية المنسية تماما لراشيا الوادي.

“انت موجود في منطقة مجرّد النظر اليها تشعر برهبة مميزة، جبل الشيخ او تلة المنارة كما سُمّيت عمرها آلاف السنين. هذا الجبل له قيمة تاريخية دينية وبيئية تعطيه هذه الهالة المهيبة”. عندما أصعد الى هذا المكان أشعر بروح مقدسة وطاقة إيجابية”.

نصوص ومخطوطات تثبت ان هذا الجبل المقدس هو ذاته جنّة عدن. النصوص السومرية تقول ان الها نزل من هذا الجبل وعلّم آدم وحواء الزراعة.

حرمون هو الجبل العالي جداً الذي كان يتردد اليه السيّد يسوع المسيح.  وذكرت الأناجيل زياراته لبانياس قيصرية فيليبس قرب حرمون، والمكان الذي تجلى فيه يسوع لتلاميذه.

الكاتب باولو كويلّو المشهور عالميا، كتب عن جبل الشيخ انه الجبل الخامس “The Fifth Mountain”،

الإليازا اليونانية التي لهوميروس يذكر فيها رحلات غلغامش في جبل حرمون، ومغاور حرمون المتوغلة تحت الارض.

هذا الجبل يستقطب سنويا آلافا من السياح والمؤمنين، للصلاة والاستمتاع بأجمل منظر يمكن ان تراه العين.

عيد التجلي هو وقفة للمسيحيين كما للدروز. تقام الاحتفالات الدينية والقداديس. وقد وضع حجر الاساس لكنيسة التجلي للروم الأورثوذكس في جبل الشيخ، على علو ٢٤٠٠ م سنة ٢٠٠٨ ولكن، لم يستكمل هذا المشروع لأسباب مختلفة.

                                               سكان البلدة، تعدد الطوائف وتاريخ الكنائس

الناشط والمدرب البيئي والمصور الفوتوغرافي ومن منظمي اليوم الاعلامي بعنوان: “راشيا قلب الوطن” السيد وليد سيف الدين، اطلع الفريق الاعلامي خلال جولته في راشيا الوادي عن مميزات البلدة تاريخها وكنائسها.

ما علمناه ان عدد سكان البلدة حسب السجلات هو١٨،٠٠٠ نسمة بين مغترب ومقيم. اما عدد سكان البلدة فلا يتعدى الـ١٠٠٠٠ نسمة وهم متساوون في العدد بين مسيحيين ودروز.

المعالم الدينية تدل على وجود سكان من ١٤ طائفة في راشيا. ففي عهد المتصرفيتين كانت راشيا تابعة لإقليم الشام وكانت طوائفها مختلطة من مسيحية ويهودية وآشورية وكلدانية وسنية وشيعية، وطوائف اخرى، وبحكم التجارة والعلاقات الاجتماعية، انتقل العديد منهم الى راشيا وسكنوا فيها.”

الطوائف الأساسية التي سكنت في راشيا هي الموحدون الدروز والروم الاورثوذكس وهما الأكثرية، السريان الكاثوليك والسريان الاورثوذكس، الارمن الكاثوليك، الارمن الاورثوذكس والانجيليون باعداد قليلة. الطائفة الآشورية، اليهود، السنّة، الشيعة وطوائف إسلامية باعداد قليلة، وهناك معالم دينية تدل على وجودهم”.

أضاف سيف الدين “الموحدون الدروز قدموا من شبه الجزيرة العربية الى مصر ثم لبنان سنة ١٥٠٠ وعاشوا على شواطىء صور وصيدا. ومن ثمّ انتقلوا الى الشام ومرة اخرى إلى شبه الجزيرة العربية، عادوا بعدها واستقروا في لبنان وفي بلدة راشيا. استملكوا الاراضي ومارسوا الإقطاعية آنذاك كعائلة العريان والتقي والبسطاء”.

الطائفة الآشورية أتت خلال الحكم التركي ولم يبق الا اسمين منها الجد والجدة، وما زالا على قيد الحياة اما باقي أفراد العائلة فقد نقلوا نفوسها الى بلاد اخرى والارجح الأوروبية وليس هناك اي تواصل معهم.

اليهود نقلوا نفوسهم وغير موجودين حكما في لوائح الشطب، الطائفة الإنجيلية لها وجود ولكن بعدد قليل.

ممارسة الشعائرالدينية واجب لدى كل الطوئف والأديان، يوجد في راشيا اربعة مراجع روحية أي اربع خلوات للصلاة.

اما الكنائس، فتاريخها يشهد على قدم وجود المسيحيين في هذه البلدة: كنيسة مار الياس لطائفة الروم الارثوذكس دمرت كليا على يد الأتراك، بسبب دعم الطائفة الارثوذكسية آنذاك للحكومة الفرنسية. كنيسة مار موسى الحبشي السريانية، تحتوي على أيقونة مار موسى الحبشي الأصلية التي هرّبت من سوريا بسبب الحروب وحفظت في كنيسة راشيا. كنيسة السيدة للروم الكاثوليك، بنيت سنة ١٨٨٣ وبعد تسع سنوات وجدوا فيها ايقونة سيدة التجلي، وتبين من خلال الأبحاث ان هذه الأيقونة مرتبطة بحقيقة جبل الشيخ او جبل التجلي.

ومن الاخبار التي تليت على مسامعنا انه عندما قرر ابناء البلدة بناء السوق سنة ١٩٢٧ اعتمد جدار كنيسة السيدة أساساً لبناء هذا السوق.

طائفة الروم الأرثوذكس الجالية الأكبر في راشيا، بعد ان استقرت فيها، شيدت كنيسة السيدة بهندسة معمارية حديثة مراعية لكل الظروف والطقوس الدينية وبنيت في عهد الانتداب الفرنسي سنة ١٩٢٥ .

كنيسة مار نقولا للروم الأورثوذكس ايضا شيد بجانبها المقر الصيفي لمطرانية صيدا وصور وراشيا ومرجعيون والجوار للروم الأرثوذكس.

                               سماها البطريرك صفير: رمز العيش المشترك

يضيف وليد سيف الدين ان “راشيا هي بلدة نموذجية في العيش المشترك، حافظت على الوحدة بين مختلف الطوائف والأديان خلال الحرب الأهلية، الدرزي والارثوذكسي والأرمني والسرياني عاشوا معا و”بدون ضربة كف”. أطلق على هذه البلدة غبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير والنائب وليد جنبلاط تسمية “رمز العيش المشترك”. ونحاول ان نكرّس هذه التسمية ونعمّمها، لتصبح رمزاً وطنياً والجميع يشهد لهذه الحقيقة”. ويضيف سيف الدين بكل قناعة وحماس: “ما نقوم به وخاصة في عيد التجلي من احتفالات دينية وتراثية وفنية، هو تكريس حقيقة التعايش التي انفردنا بها”.

وترسيخاً لهذا التعايش تم رفع الستار عن منحوتة تجسد العيش المشترك في راشيا من تنفيذ ابن البلدة النحات يونس القضماني. جرى هذا الاحتفال على مدرج قلعة راشيا، خلال تكريم شخصيات فنية، ادبية، واعلامية في بلدة راشيا من تنظيم البلدية.

المكرمون شكروا رئيس البلدية السيد بسام دلال وعقيلته السيدة ضياء على لفتتهم الكريمة، وعبروا عن فخرهم بوجودهم في المكان الذي شهد ولادة استقلال لبنان، علّ هذا الزمن ينبت رجالاً اقوياء، يتحدون ويسجنون ويستشهدون في سبيل الوطن والوطنية.

“راشيا قلب الوطن”، هذا الشعار الذي أطلقته اللجنة المنظمة لليوم الاعلامي في راشيا في ٢١ ايار 2017، ينطبق على هذه البلدة التي تنبض بالحياة، مشايخها، كهنتها، بلديتها، مخاتيرها، لجانها، جمعياتها، الجميع على استعداد لخدمة هذه البلدة. فلا خوف اذاً على وطن، أهله يبذلون الغالي والرخيص، للحفاظ على التاريخ والإرث.


م. م