“سأغنّي.. سألحِّن.. سأفعل كلّ شيء سأصبح مشهوراً ومحطّ إعجابٍ عند الجميع”..

‏بهذه الكلمات المتمرّدة أجاب ذلك الشاب اليافع يوماً أباه حين قال له بشيء من الإستهزاء: “أتريد أن تُغنّي وتُلحِّن وفي الوجود عملاقٌ إسمه محمد عبد الوهاب؟؟!!”

‏كان يعلم ذلك الشاب يومها، أن رحلة التحدّي قد بدأت، وأنّ التحدّي يليق بأصحاب النفوس المتمرّدة.

‏أرادوه في قمقمٍ كان مُعدّاً له، فخرج منه مارداً ضاقت به فضاءات الطرب وبحور النغم..

‏تسلّح بإبداعه وموهبته وصوته الذي كان متمكّناً منه كفارسٍ يُجيد امتطاء مهره دون تعب..

‏كان الطريق صعباً ومؤلماً لكن بفرح، كلّ خطوةٍ فيه كانت أغنية ، وكلّ مرحلةٍ فيه كانت محطّة نجاح..

‏امتشق صوته واعتلى صهوة المسارح فكان الصانع لأحلامنا، والمُعبّر بآهاته عن مكنونات قلوب العاشقين. مُغرِّداً معانقاً فرح الطيور.

‏كان يحمل جمهوره على بساط الريح المطرّز بإبداعٍ لم يسبقه إليه أحد وينقلنا من حيث نحن إلى  دنياه هو ، ثمّ يعيدنا والدهشة تملأ كلّ فراغاتنا الروحيّة..

‏وحين يحكي دون غناء، كان متمرّساً بإستعادة تلك الدهشة عينها ليملأ بها فراغاتنا الفكريّة ببساطةٍ وعفويّة لامست حَدّ الجنون. فأصبح شغلنا الشاغل صوتاً ولحناً وحضوراً لا يشبهه أي حضور، هو النجم الذي حافظ على نجوميّته أكثر من نصف قرنٍ بصورةٍ متواصلة، هو الدائم الحضور والعطاء والتألّق دون مللٍ أو كلل.. استطاع فكّ ألغاز الجمال اللحني والتصويريّ العالي الدقّة، وتمكّن من امتلاك رموز الأداء الطربي المتميّز حتى امتلك مفاتيح أسرارها مَداخلاً مخارجاً..

‏واستطاع أن يحفر اسمه “ملحم بركات” إلى جانب العمالقة في الفن العربيّ وحقّق ما قاله يوماً لأبيه أنه سيصبح مشهوراً ومحطّ إعجابٍ عند الجميع..

‏”ملحم بركات”.. هذا النصف قرنٍ من العطاء والنجاح..

‏هذا الذي أمطرناً حُبّاً وعشقاً وطرباً وإبداعاً..

‏ترك إبداعه يسكننا.. ورحل..

‏رحل.. والمفاتيح في جيبه..

                                                       نزار فرنسيس