معضلة الوجود في الصحافة اللبنانية المطبوعة أو الورقية، هي استتباع لما سار عليه وجود هذا النوع من الصحافة في العالم المتقدم. فورة الرقميات الاعلامية وانخفاض مقروئية الصحافة المطبوعة، فانهيار مبيعاتها واقفالها رغم تاريخها المتألق على عشرات السنين.

كيف التعامل مع هذه المعضلة تجنبا لمفاعيلها القاتلة؟ لا جواب حاسما ومطلقا. انما ثمة ست افكار معتصرة من التجارب المضنية القائمة، وما رافقها من دراسات على مساحات العالم.

أولا: إعادة تحديد معنى “الصحافة” في حركة ثقافية إبداعية جديدة، تبحث في مدى ضرورة ارتباطها بالورق والطباعة. انها البداية التي تحرر ما علق في ذهن رعاة المؤسسات الصحافية القائمة مما هو عالق من مبررات الهلع، والاستسلام للقنوط والسقوط والموت.

ثانيا: إعادة النظر بطاقم العمل في ثلاثة:

١- قبول الجماعة الرئيسية المالكة بنسب ادنى من المرتبات العالية جدا والارباح المرصودة حتى تاريخه.

٢- تحجيم اعداد الطاقم العامل كما حصل في المؤسسات الصحافية الأميركية، حيث دفعت الازمة الى الغاء نصف عدد الوظائف التي كان عليها عام ٢٠٠٨ ، في حين ارتفع عدد الوظائف التحريرية في الاعلام الرقمي الى ضعفه، بحسب دراسة “مركز بيو للابحاث”، وهو تدبير متناسب مع انهيار الحاجة الى مراسلين ومحررين كبار في حقول الاخبار المتنوعة، وصعود نجم الاخبار العاجلة ومتمماتها، التي تغطي احداث اليوم كاملة ولا يبقى من مزيد لمواد الصحيفة المطبوعة في اليوم التالي.

٣- بعد الانتقال الالزامى الى الفضاء السيبيري عبر النسخة الموازية للنسخة المطبوعة، تنظيم عملية تحول الطاقم الى استخدام الآليات الرقمية في الوصول الى مصادر المعلومات، وتدوينها ومعالجتها وأسلبتها، لتتوافق مع ما هو مرتفع الى النسخة الرقمية .

ثالثا: معالجة انهيار المداخيل من الاعلانات والمبيعات والاشتراكات، بتدعيم النوعية في النسخ الرقمية الحالية، وصولا الى نسبة عالية من المشاهدة المدفوعة والاعلانات. فالصحافة الرقمية عالم جديد قائم بذاته شكلا ومضمونا، وله ناسه المتخصصون بصناعته، والنجاح في إدراكه يؤمن نجاحا في استجلاب الاعداد الكبيرة من المتابعين والمعلنين.

ولا بد من النظر في موارد أخرى استثنائية داعمة، قامت بها كبريات الصحف العالمية، وتنويع مصادر الدخل، فمجموعة “تايم” الأميركية مثلا، قدمت لقراء صحافتها حسومات في المطاعم او في مشتريات لروايات الحيوانات الاليفة… وغير ذلك.

رابعا: الامتناع عن تمتين الانفصال الكلي والنهائي بين النسخة المطبوعة من الصحيفة والنسخة الرقمية لصالح موت الاولى وبقاء الثانية، لان المسار التاريخي لحضور الصحافة المطبوعة يبين انها قد تتراجع لكنها لا تختفي، بل تعود الى الازدهار كما كان الحال مع بدايات الصحافة الاذاعية والتلفزيونية التي نعت الصحافة المطبوعة في اوائل القرن العشرين، فاذا بها تنقلب على اسباب النعي وتعلن انتصارها بجعل القرن العشرين عصرها الذهبي. ثم ان الدراسات الحديثة تبين ان الجمهور عام ٢٠١٧ يحن الى تفضيل الصحيفة المطبوعة على غيرها، إذا اعطي الفرصة للخيار الحر. ففي دراسة منشورة لمؤسسة” بوبليسيس” الفرنسية عام ٢٠١٧ ان ٨٠ بالمائة من الفرنسيين يفضلون قراءة المجلة المطبوعة على ما هو منشور في الصحافة الرقمية.

خامسا: في حال الصحف المطبوعة وبخاصة اليومية منها الحالية، المرتاحة الى وضعها بفضل المساندة الحكومية المعلومة او المستترة، او بالاستناد الى جمهور لم يسلم امره الى الظاهرة الرقمية بعد، لا بد من الاستيقاظ السريع والاستعداد للاتي المحتوم، بالنظر الجاد الى النقاط الاربع السابق ذكرها.

سادسا: ان الصحيفة المطبوعة الباقية على قيد الحياة مدعوة إلى التغاضي عن بعض الفنون التحريرية التي برعت فيها الصحافة والمواقع الرقمية خلال اليوم الواحد، كالأخبار الحالية والمباشر، من نقل وربورتاج،  وتزخيم حضور فنون اخرى من تحليلات اخبارية ومقالات رأي وفيتشر وبورتريه وتحقيقات مبدعة، مما يجعل القارئ يرتاح الى متابعتها بهدوء وتمعن.

انها أفكار أولية قد تصلح مدخلا الى معالجة المعضلة التي تضرب حياة الصحافة اللبنانية، واي صحافة عربية.

د.جان كرم

العدد العاشر