هاجر منذ نصف قرن ليصبح “ساعي بريد” عند الله

سليم الشدياق لا يمكن استثمار الطاقة الإغترابية

من دون استعادة الثقة بالدولة اللبنانية

افتقر الى المال، واغتنى بعطية موهبة الحساب، فكرّس نفسه “ساعي بريد” عند الله، يسلّم الناس ما يعطيه إيّاه.

من أفقر عائلة في بلدته، الى صاحب اكبر معمل لتركيب الزجاج.

هو سليم يوسف الشدياق المعروف بسليم طنوس. لا المال، ولا المراكز، ولا والسلطة، غيّرت بوصلة انسانيته. بقي هو هو، ابن بشري والأرز. هاجر منذ نصف قرن الى اوستراليا، بعد ان أقفلت الأبواب في وجهه، لكنه لم يهجر قيمه ومبادئه وحبه لبلده.

الوضع العائلي

عن البدايات يقول: “ولدت في مدينة بشري وسكنت مع اهلي في ضيعة نوح بجانب زغرتا المعروفة اليوم بدير نبوح. تركت المدرسة وانا في الصف التكميلي مرغما بسبب الوضع المادي. كنا أفقر العائلات في الضيعة. كنت أسير يوميا مسافة ساعة ذهابا الى المدرسة وساعة أخرى إيابا، لأننا لم نكن نملك ربع ليرة أجرة سيارة… بدأت العمل مع مهندس في مشروع للدولة في منطقة عاليه. ولأنني كنت املك عطية من الله وهي موهبة الحساب، أعجب المهندس بعملي ورأى فيّ مشروع مهندس ناجح. قال لي يوما، بموهبتك تستطيع ان تكمل دراستك وتحصل على شهادة في الهندسة”. ويضيف: “ما زلت اذكر عندما طلبت منه مبلغ ٣٠٠ ليرة لدفع قسط كلية الهندسة كسلفة يحسمها من معاشي، ولكنه رفض. عندها راسلت اختي الى اوستراليا وطلبت منها المباشرة بمعاملات الهجرة، وهكذا كان. سافرت بعد ٣ أشهر، أوائل شباط سنة ١٩٦٩”.

قراره بالسفر أتى نتيجة الوضع الاقتصادي السيّء الذي تعيشه العائلة، حتى أنّه لم يكن يملك ثمن تذكرة السفر. تزوج من قريبته قبل ليلة من سفره: ” تزوجت وانا في طريقي الى المطار” يقولها ممازحا على الطريقة البشرّاويّة، ولحقت به زوجته بعد ٧ أشهر. وهناك بدآ سويا برحلة والكد والتعب والتأسيس: “أول تحدّ واجهني في بلاد الإنكليز كان اللغة، اما بالنسبة للعمل فعملت في معمل لقص وتركيب الزجاج لمدة سنتين. تعلمت المصلحة، وكنت اعمل بعد الدوام، اسأل معارفي اذا كانوا بحاجة الى باب او شباك. شراء الزجاج عليهم، يدفعون لي اجرة القص، اما التركيب فمجاني”.

بعد سنتين أسّس محلاً بجانب منزله، استلمت زوجته ادارته، وليتفرغ هو وقريبه للعمل في ورش التسليم.

استطاع خلال عمله الذي دام سنتين إيفاء ثمن تذكرتي السفر وشراء غرفة نوم.

“زوجتي تيريز، رحمها الله، كانت خير سند، تعلمت المصلحة، وكانت تقص الزجاج في المحل، تهتم بالأولاد بعد الظهر، وتبقيهم معها بعد عودتهم من المدرسة، الى حين عودتي من الورشة مساء.”

الاتكال على الله

لا يتوقف شدياق عن شكر الله على وقوفه الى جانبه، وفي أحلك الظروف لا يكف عن شكره على عطاياه ومحبته. ينسب كل ما يملك الى خالقه: “انا موظف عند الله في (DHL) (البريد)، هو يعطيني، وأنا بدوري أوصل الحاجة الى المكان الذي يريده هو، من دون ان تعرف اليد اليسرى ما تقوم به اليمنى. الإنسان لا يقدر ان يتخلى عن وجود الله في حياته.” ويتابع: “كيف لا اشكره وانا اليوم املك أحد أكبر معامل لقص وتركيب الزجاج والخزانات في اوستراليا؟ وكيف لا اشكره على عائلتي الصغيرة التي أبت الاّ ان تسكن بالقرب من منزلي حتى بعد الزواج…؟”

اطلب السماح من روح زوجتي

مرض زوجته ووفاتها تركا اثرا عميقا في حياته، أحبّت تريز زوجها وسارت معه جنبا الى جنب في السَّرَّاء والضرّاء، “لم أعتب على الله” يقول والدموع في عينيه، فبالنسبة إليه “الموت حق، وان غابت، فهي ما زالت موجودة بالروح معي ومع اولادنا. عشت مع زوجتي ٤٨ سنة. أفتقدها كثيرا واطلب منها السماح، ففي الحياة لا أحد معصوم عن الخطأ…”

الكنيسة والمدرسة

“عندما اتيت الى سيدني، كان هناك كنيسة واحدة هي كنيسة مار مارون في المدينة”، يخبرنا الشدياق، “كنا نذهب كل يوم أحد للمشاركة في القداس ونلتقي بابناء الجالية، وهذه العادة ما زلنا محافظين عليها. والفضل يعود إلى المسؤؤلين الروحيين الذين يخدمون شعبهم اليوم في أكثر من ١١ كنيسة مارونية.”

يرى الشدياق ان الكنيسة والمدارس التابعة لها، لها الفضل في جمع اللبنانيين، وبخاصة الشبيبة، من خلال نشاطات ثقافية واجتماعية وتنظيم رحلات الى لبنان للتعرف الى الوطن الأمّ. كما يولي الشدياق الأهمية الكبرى لهذه اللقاءات التي تثمر عنها زيجات تنجح وتستمر، وهذا ما حصل مع أولاده الثلاثة.

“أفضل الجاليات”

الغربة جمعت اللبنانيين تحت راية “الجالية”، تكاتفوا، تضامنوا، دعموا، ساعدوا، تشاركوا في الافراح والاتراح. هذه حال المغترب بغض النظر عن هويته وبلده.

سليم الشدياق يفتخر بالجالية اللبنانية والمارونية بالتحديد في اوستراليا ويصفها بـ “افضل الجاليات”.  ويرى ان الفضل يعود إلى الكنيسة الحاضرة بين شعبها، “لا أتأخر أبدا عن تلبية حاجة الكنيسة، هذا الالتزام تعلمته من والديّ وأبناء بلدتي بشري”.

الطاقة الاغترابية

التقينا السيد سليم الشدياق خلال انعقاد مؤتمر الطاقة الاغترابية الذي جرى في اوستراليا، مشاركته كانت بصفته كرجل اعمال، مسؤول سياسي سابق ومرجع للجالية.

“عندنا هم كبير، عندنا طاقة اغترابية قوية يجب ان تستثمر، ولن تستثمر ما لم نر ايجابيات على صعيد الثقة في الدولة. نحن كمغتربين مموّلين، لن نقوم باي خطوة ما لم تكن هناك خطة واضحة وأناس يعملون بشفافية، لأن الأمور كارثية.” ويورد مثالا على ذلك ويقول: “لقد تبنّينا_على سبيل المثال لا الحصر- تكاليف تخصص طالبة لبنانية في هندسة الطيران في جامعة البلمند، لنفاجأ أنها تعمل الآن في متجر لبيع الخضار! هل هذا مقبول…؟”

يتأثر عندما يتحدث عن الحالة التي وصل اليها لبنان، ولكن يعود الأمل بوطنه عندما يتذكر نعم الله على لبنان: “الله ناعم علينا بالقديسين، هم نعمة… ولبنان يبقى لبنان”.

 

ومن هذه النعم أن نبقى نتذكّر الكلمات التي كرّرها ابن السبعين سليم الشدياق على مسامعنا:

“اللي بيبعد عن ربنا ما عاد انسان”

“الانسان ما بيقدر يتخلى عن وجود الله معو”

“بفتخر أني ما بحمل المال لأنو ما بيعنيني”

العدد العاشر

ماغي مخلوف