إحساس مرهف دخل ميدان الموسيقى “عن سابق تصوّر وتصميم”، يلعب على أوتار القلب قبل أوتار العود. هو والنغمة صنوان لا يفترقان، يستلهمها من كلّ شيء ومن لا شيء. جملته الموسيقية تولد في وقتها، وهذا الوقت لا يعرفه أحد ولا يوقفه شيء، “لأنّ الولادة لا تؤجّل”.

ولادة الأفكار لديه مخاض مستمرّ، وولادات متتالية يعيشها وحيدا، مع كلّ ما يترافق مع المخاض من آلام ومعاناة. ولكنّه الألم الجميل، الذي ينتظر دائما الفرح الآتي بعد قليل، كلمة، لحنا، وإبداعا. إنّه المؤلف الموسيقي شربل روحانا…

ولد شربل روحانا في عمشيت عام 1965 وأيقن في سنوات طفولته الأولى أنه لن يكون إلاّ موسيقيّا، هو ابن عائلة فنية من 11 ولدا هو فيها العاشر. حصل على دبلوم في آلة العود من جامعة الروح القدس عام 1986، وماجستير في العلوم الموسيقية من الجامعة عينها عام 1987  .أستاذ آلة العود في المعهد الوطني العالي للموسيقىالكونسرفتوار، وفي معهد العلوم الموسيقية بجامعة الروح القدس. كما إنه معد منهج آلة العود المعتمد حالياً في المعهد الوطني العالي للموسيقى وفي جامعة الروح القدس، والذي تصدر منع تباعا طبعات منقّحة، صدر آخرها أخيرا، وربما يتمّ توقيعها في ألمانيا خلال شهر أيّار الجاري. من أعماله: “تشويش”، “دوزان”، “شغل بيت”، “خطيرة”، “والعكس صحيح”، “كي لا ننسى”، “مزاج علني”، “مدى”، “سلامات”، “ذكرى” وغيرها… حائز على عدة جوائز، منها، جائزة موسيقى العام 2000 من قبل نادي الليونز اللبناني، والجائزة الأولى في التأليف الموسيقي ضمن مسابقة هيراياما-اليابان، عن نشيد السلام في العام 1990. شارك في تأسيس أوركسترا الطلاّب في المعهد الوطني العالي للموسيقى لغايات كثيرة، أهمّها تعليم الطلاّب كيفيّة الإسماع والإصغاء إلى بعضهم البعض، واحترام النظام واحترام الآخر، وتعزيز أواصر الصداقة في ما بينهم، وتعريفهم على تراثهم الموسيقي والحضارات الموسيقية العالمية بتوزيعات مختلفة. فالموسيقى بالنسبة إليه ليست مجرد اختصاص، بل أسلوب حياة، وهذا ما يسعى إلى تعليمه لطلابه. وأسلوب الحياة هذا، لا يحدّه دوام عمل “لأنّ الولادة لا تؤجّل”ولا قوانين وظيفية، وكلّ اختصاص خارج المهنة والوظيفة، هو اختصاص “موجع”، هو لحظات وجع مستمرّة، ولكنها جميلة لأنها ممزوجة دائما بالشغف. “الموسيقى كالحب”، يقول، “جميلة وموجعة وغدّارة”.

الغدر في حب الموسيقى يكمن في تلك اللحظات التي يعيشها الموسيقي محلّقا على متن الخيال، سواء خلال التأليف أو العزف، والتي لا بدّ أن تليها العودة إلى الواقع، وتلك العودة هي بدورها لا تتقيّد بزمان أو بمكان، والويل لمن لا يجيد الترجّل بهدوء عن صهوة الخيال إلى الواقع، لأنّ سقطته تكون موجعة جدا… “نعمة ونقمة” هي الموسيقى، “داء ودواء”…

 

لا يعرف شربل روحانا ماذا أضاف إلى الموسيقى، ولكنه يجيّر السؤال إلى الزمن الآتي، يوم يحكم التاريخ على أعماله، ويقول كلمته فيها. كلّ ما يعرفه، أنه يعمل بإخلاص وشغف، ويرى دائما أنّ كل جديد ربما هو الأجمل. والأجمل من العمل نفسه هو “طريق العمل”، أي لحظات التحضير أو الكتابة، فأجمل من العرس هو التحضير للعرس، وأجمل من الفرح، هو الوعد، أي انتظار الفرح الآتي بعد قليل، والبدايات هي دائما أجمل من النهايات.

لحظات الوعد تلك أو لحظات “الخلق” أي وضع الأفكار على الورق، يستلهمها من كلّ شيء، فلا طقوس معيّنة للإبتكار إلاّ الوحدة، الوحدة الداخلية التي تكون فيها وحيدا، وأن كنت محاطا بالناس، لحظات مؤلمة ولكنها ضرورية. ولحظة الإلهام هي لحظة “مكثّفة”، مشحونة، بعيدة عن لحظات السخف اليومية، تتجلّى فيها الأفكار وتركض وحدها على الورق أو تكرج على الأوتار، جملة موسيقية لم يلفظها أحد من قبل…

لا يحكم شربل روحانا على فنّ اليوم أو فنّ “عصر السرعة”، فلكلّ شخص قناعاته،يقول، أما هو فقناعاته تقول إنّ الموسيقى الشبابية ليست بالضرورة موسيقى “على الموضة”، ولكنّ أي موسيقى أصيلة مبدعة، تستطيع أن تمسّ الشباب وتؤثّر فيهم، ولكن الأمر يعود طبعا إلى الذّوق الذي تنمّيه التربية، وبخاصة التربية الموسيقية القائمة على تعدد اللغات من الجاز إلى الشرقي والكلاسيكي وموسيقى الشعوب وغيرها…

تعرّف شربل روحانا من خلال الموسيقى على ثقافات الشعوب، زار بلدانا كثيرة، ولكنّه لم يثبت إلاّ في لبنان، لماذا؟ لا يعرف، فهذا سؤال لم تستطع سنواته التجاوزت الخمسين أن تجيب عليه، تلقّى عروضا كثيرة للإستقرار في الخارج، ولكنّه، ومن دون أن يدرك السبب، وجد نفسه لا يكتب إلاّ في لبنان، كما وجد أحد الكتّاب الكوبيين نفسه غير قادر على الكتابة “إلاّ في كوبا” يوم عرضت عليه الجنسية السويسرية في عزّ اضطهادات الدولة الكوبيّة له. “انا لست إنسانا مغّنجا” يقول، كتاباتي هي تجاربي الحياتية، ونتيجة معاناتي العامة والخاصّة وما أكثرها. ربما هو القدر الذي أبى له إلا أن يكون موسيقيّا هو نفسه القدر الذي أبى عليه إلا أن يكون في لبنان. وأمام القدر الخيارات محدودة: تستطيع أن تغيّر “الدوزان” ولكنّك لا تستطيع أن تغيّر الآلة…!

أهدافه أكثر من أحلامه، ولكنه يحلم بعيش فترة هدوء قصيرة، يكون فيها “مش عتلان همّ شي”، يقرأ كتبا على شاطئ البحر ويتسلّى، ولكنّه لا يعرف كم من الوقت يستطيع أن يعيش هكذا، ولكن لا بأس بفترة قصيرة على هذا النحو، يستطيع فيها أن يعيش مزاجه كما هون وأن يخلع عنه “المزاج العلني” الذي لا بدّ للمرء أن يعتنقه في حياته العاديّة. فهذا ” المزاج” تعكّره يوميّا، وبخاصة في لبنان، دهاليز السياسة والمجتمع، ورغم أنّه لا يتعاطى السياسة، إلاّ أنّه يتابع مضطرّا، ويخاف من “المزاج الشرس” لغالبية الناس، مما يحتّم على اللبناني أن يكون بمزاجين: إمّا شرسا مثلهم، وإمّا مسالما إلى درجة الجبن أحيانا. ولذلك يحتاج “المسالمون” إلى لحظات هروب يعيشون خلالها على مزاجهم الحقيقي الخاص.

الله يراه “حلما”، ربما يتحقق بالموت، يرى طيفه في الإبداعات الفنية والإنجازات التاريخية، يشعر بوجوده عندما يقف مشدوها أمام إنجاز فني له أو لغيره متسائلا هل هذا من صنع إنسان…؟ “أنا أعرف النوطات الموسيقية”، يقول، ولكن هل الجملة الموسيقية الجميلة هي من عندي أم من مكان آخر…؟” يرتاح لفكرة وجود من يرعانا في هذا الكون، ولكنه لا يرتاح لمن “يتحدثون باسم الله ويقتلون باسم الله…” ولهم يقول: “ارتاحوا، الله أب وهو يعرف تماما كيف يرعى أولاده…”.

ل.س.م