إعلاميّ مخضرم، يجري الحبر في عروقه مجرى الدّم، عاشق للقلم وللحقيقة، صريح الى أبعد الحدود، يعتبر مهنة البحث عن المتاعب رسالة لتعميم المعرفة والتّوعية، وعينا ساهرة للنّقد والرّقابة والمحاسبة. يجعل من صلته اليوميّة بصاحبة الجلالة السّلطة الرّابعة، وسيلة لخدمة الوطن والمجتمع والإنسان. كاتب وأديب وصحافيّ، عاصر عمالقة الأدب والصّحافة.

إنّه نقيب المحرّرين الياس عون، الّذي يحرص على رعاية النّقابة رعاية الأب الصّالح، حاملا شؤون وشجون المهنة في زمن رديء، وفي منعطف تاريخيّ دقيق وخطير، يمرّ به الوطن والمنطقة…

بعد أن أصبح نقيبا للمحرّرين، بادر الياس عون الى فتح باب الانتساب الى الجدول النّقابيّ، الّذي كان «مقفلا»، ولسنوات طويلة أمام غالبيّة المحرّرين، وهذا ما أدّى الى انتساب أكثر من أربعماية صحافيّ وإعلامي يعملون في وسائل إعلاميّة مختلفة. ويعتبر النّقيب «أنّ هذا العمل هو أحد أهمّ إنجازاته».

ولكن، وعلى الرّغم من إصراره، لم يتمكّن النّقيب عون من شطب عضويّة حوالي أربعماية منتسب الى النّقابة لا يتعاطون المهنة «لا من قريب ولا من بعيد»، لأنّ هذا القرار يرتبط بمجلس النّقابة «الّذي يرفض تصحيح الخلل ويريد بقاء الأمور على حالها».

بدعة الانتساب الى الضّمان الاجتماعيّ

يقول النّقييب: «إنّ شرط تسجيل المحرّر في الضّمان الاجتماعيّ ليس إلاّ قرارا ارتجاليّا عمل به في الماضي، ولا يستند الى أيّ نصّ قانونيّ ولا وجود له في قانون المطبوعات. أكثر من ذلك إنّه «بدعة» اخترعت كي لا يدخل البعض الى النّقابة». ويسأل النّقيب: «ما ذنب المحرّر إذا كان ربّ العمل لا يطبّق قانون العمل ويسجّل الموظّفين في الضّمان الاجتماعيّ؟» ويطمئن النّقيب المحرّرين الّذين لا يحملون بطاقة الضّمان الاجتماعيّ بأنّ ذلك لا يمنعهم من الانتساب الى النّقابة. وانطلاقا من ذلك، يؤكّد «أنّ باب الانتساب مفتوح أمام جميع العاملين في قطاع الإعلام للّذين يستوفون الشّروط القانونيّة، وبخاصّة الّذين يحملون الإجازة في الإعلام».

التّقديمات والالتزامات

«على ما يقدّر اللّه»

يضيف النّقيب: «قبل الحرب، كانت الأوضاع في النّقابة أفضل، وكان للمنتسبين امتيازات مادّيّة: تخفيض قيمة فاتورة الهاتف50%، الإعفاء من بعض الرّسوم، تقديمات صندوق التّقاعد… كلّ هذه الأمور لم تعد في متناول الإعلاميّين… ولكن هناك بعض التّقديمات الأخرى، منها:

– الاستفادة من خفض 50% من قيمة تذكرة السّفر-الدّرجة الأولى على متن طيران الشّرق الأوسط.

– مجّانيّة ال»بارك ميتر» park meter في بعض المناطق.

– بعض المساهمات المادّيّة من صندوق النّقابة، ومن ضمن الإمكانيّات المتوفّرة: حاجة، مرض، وفاة…

ويشير النّقيب الى أنّ النّقابة تسعى للحصول على امتيازات أخرى، لكنّ الحكومة لا تتجاوب مع هذه المطالب، باعتبار انّ لديها أمورا أهمّ، ويقول: «للأسف، الدّولة لا تساعد، مع العلم أنّ قانون المطبوعات ينصّ على أن تستوفي النّقابة نسبة 5% من قيمة الغرامات الّتي تحكم بها محكمة المطبوعات، ولكن حتّى هذا البند الواضح لا يطبّق… كذلك ينصّ قانون المطبوعات على أنّه يقع على الإدارة الرّسميّة عبء تقديم التّأمينات الصّحّيّة ومساهمات صندوق التّقاعد، وهذا أيضا لا يطبّق».

أوضاع مادّيّة سيّئة

ويرى النّقيب عون «أنّ الأوضاع المادّيّة للصّحف سيّئة، والأسوأ هو أوضاع الصّحافيّين، وذلك بسبب تراجع الإقبال على الصّحافة المكتوبة، وانحسار التّوزيع امام «المدّ الكبير للإعلام الإلكترونيّ ووسائل التّواصل الاجتماعيّ، وسيطرة هذه الوسائل على النّسبة الأكبر من مداخيل الإعلانات». ويشير النّقيب الى «أنّ هناك «فلتانا حقيقيّا» في قطاع الإعلام الإلكترونيّ، وهناك شبه استحالة لضبطه، والمشكلة ليست محلّيّة بل عالميّة، ولذلك يبقى الاتّكال على ضمير الكاتب وعلى الرّقابة الذّاتيّة الّتي يمارسها هذا الكاتب على نفسه، والأهمّ أن يتحمّل أصحاب هذه الوسائل المسؤوليّة».

الصّحافة المكتوبة مستمرّة… والامتيازات

ويقول: «صحيح أنّ الصّحافة الإلكترونيّة أثّرت سلبا على الصّحافة المكتوبة، ولكنّني ضدّ الّذين يقولون أنّ الإعلام المكتوب سينقرض، هذا الإعلام لا غنى عنه، لأنّه يعكس العلاقة المميّزة الّتي تربط الكاتب بقلمه».

ويعترف النّقيب عون «أنّ هناك حوالي مئة وعشر امتيازات لمطبوعات سياسيّة، لا يصدر منها حاليّا إلاّ حوالي خمس عشرة مطبوعة»، (لا امتيازات في المطبوعات غير السّياسيّة)، وهنا تجدر الإشارة الى أنّ قانون المطبوعات ينصّ على إلغاء الامتياز في حال عدم صدور المطبوعة لمدّة أقصاها ستّة أشهر. ولكنّ القانون لا يطبّق. ويعتبر أنّ الصّحافة المكتوبة، تمرّ في «أصعب ظروفها»، والوظائف الإعلاميّة تشحّ، وأمام كلّ ذلك، تقف الحكومة مكتوفة الأيدي، حتّى أنّ وزارة الإعلام تمنع عن القيام بدورها.

نقابة المحرّرين

«إنّ النّقابة تسعى جاهدة لوضع قانون إعلاميّ عصريّ، يواكب تطوّرات المهنة من النّواحي كافّة، ويضمن انتساب الصّحافيّ الى النّقابة» يقول عون، ويتابع: «لكن مع الأسف، لم تتوصّل لجنتا الإعلام والإدارة والعدل النّيابيّتان الى أيّ نتيجة في هذا الاتّجاه، فالبلد «مشلول» على جميع الأصعدة وكلّ شيء «فلتان»، ولا يعتبر الإعلام من الأولويّات». ويضيف: «لقد طالبنا الحكومة مرارا وتكرارا بمساعدة القطاع، وقدّمنا مقترحات عديدة في هذا الإطار، لتوفير التّسهيلات المادّيّة كإلغاء الرّسوم على تصدير المطبوعات، أو تعيين ملحق صحافيّ منتسب الى النّقابة في كلّ سفارة لبنانيّة… ولكن لا حياة لمن تنادي…»

إقفال كلّيّة الإعلام

ويرى النّقيب عون أنّ كلّيّة الإعلام في الجامعة اللّبنانيّة تخرّج عاطلين عن العمل، ولهذا «طالبنا بإقفالها لمدّة خمس سنوات. فالمعاناة واقعة فعلا، والنّقابة عاجزة عن تأمين فرص العمل وبدل التّأمين والتّقاعد… وهنا لا بدّ من توجيه الطّلاّب لأهمّيّة اختيار الاختصاص الّذي يتناسب مع سوق العمل».

وينفي النّقيب أيّ وصاية تمارسها نقابة الصّحافة على نقابة المحرّرين، نتيجة سيطرة ربّ العمل على العامل، ويوضح «أنّ العلاقة بين النّقابتين مبنيّة على الاحترام والتّعاون الجدّيّ»، مشيراً الى وجود «اتّحاد الصّحافة اللّبنانيّة» الّذي يرأسه نقيب الصّحافة، ويتولّى فيه نقيب المحرّرين موقع أمين السّرّ.

كارول صعب

من هو الياس عون؟

هو من مواليد جزّين العام 1935، وصغير عائلة تضمّ 13 ولدا. حائز على إجازة في الإعلام من جامعة ستراسبورغ في فرنسا. تسلّق سلّم المهنة درجة درجة، بدءا من جريدة «الحديث المصوّر» لصاحبها الياس حرفوش، الّذي كانت تربطه به صلة قرابة.

عمل في أكثر من وسيلة إعلاميّة وأنشأ العام 1961 «وكالة الأنباء المحلّيّة» الّتي كانت توزّع على الصّحف ببدل اشتراك. كذلك عمل في صحيفتي «L’orient» و«الجريدة»، بصفة مندوب صحافيّ لدى القضاء. بعدها عمل في جريدة «الصّفاء» (وكان رئيس تحريرها الإعلاميّ والشّاعر رشدي معلوف والد الأديب أمين معلوف).

وبعدما توقّفت «وكالة الأنباء المحلّيّة» و«الصّفاء» عن الصّدور بسبب الأحداث اللّبنانيّة الّتي بدأت العام 1975، انضمّ الياس عون العام 1988 الى «دار ألف ليلة وليلة»، حيث سلّمه صاحبها النّقيب الرّاحل ملحم كرم إدارتها العامّة، وكانت هذه الدّار تنشر أربع مطبوعات هي: «البيرق» و«الحوادث» والـ«Revue du Liban»

والـ«Monday Morning».

انتسب الى نقابة المحرّرين العام 1967، وتولّى فيها مسؤوليّات عدّة، بينها منصب نقيب الصّحف غير السّياسيّة، كما تولّى أمانة الصّندوق في نقابة الصّحافة اللّبنانيّة. وفي 29 أيّار 2012، انتخب نقيبا للمحرّرين، وذلك بعد عامين على وفاة نقيب المحرّرين ملحم كرم الّذي استمرّ عهده منذ العام 1966.

أهمّ مبادئه: الوفاق التّام مع المحيطين به.

أقوال يستشهد بها: «إتّق شرّ من أحسنت إليه»، و«إرحم من في الأرض يرحمك من في السّماء».

شعاره: «كان لنا استقلال علينا استعادته».

لاءاته: «لا للطّائفيّة ولا للتّعصّب، ولا للتّفرقة والشّرذمة والفتن».

نظرته الى الأديان: «لنكن طائفة واحدة وأمّة واحدة، فكلّنا أبناء إله واحد».

الوليدة الجديدة مجلّة «ORA»

يتمنّى النّقيب عون على جميع أصحاب النّفوذ والمقامات وذوي الضّمائر الحيّة، مواكبة العمل الدّؤوب الّذي يقوم به الأب طوني خضره من أجل قضيّة واحدة هي الإنسان اللّبنانيّ، ومن أجل تطبيق العدالة الاجتماعيّة والتّوازن بين مختلف مكوّنات المجتمع. وإذ يثمّن عمل المؤسّسات الّتي تنضوي تحت لواء «أورا»، يؤكّد النّقيب أنّ الوسيلة الإعلاميّة تبقى هي الأنجع لإيصال الصّوت، وللضّغط بغية إعادة الحقوق الى أصحابها، لتحقيق مبادئ العيش المشترك.