سافر لزيارة أقربائه في الخارج وامتدت إقامته حتى لحظة لقائنا به مع وزوجته والسبب……اندلاع الحرب في لبنان سنة ١٩٧٤.

هذا ما حصل مع عادل زلاقط منذ ٤٦ سنة، سياحة الى الولايات المتحدة الاميركية وتفقد الأقرباء، ومن بعدها “إقامة جبرية” دائمة… الى أجل غير مسمّى.

تسارعت الأحداث في الوطن، تغيرت الظروف، ووجد السائح عادل نفسه ، مغترباً، وامام واقع فُرض عليه.

فكرّ حينها، ان الوضع الذي استجدّ في لبنان لن يستمر، والوقت الذي ينتظر فيه العودة الى دياره يجب ان يستثمره، فقرّر البحث عن عمل .

بين بوسطن وأريزونا ١٠ سنوات من العمل المتواصل

“اتيت الى بوسطن سنة ١٩٧٣ ‘وعلقت” سألني قريبي عن تحصيلي العلمي لكي يجد لي عملاً، فقلت له رسم صناعي ومخرطة، بالاضافة الى مهنة تصفيف الشعر التي اكتسبتها منذ صغري لكي أؤمّن مصروفي خلال فترة الصيف. فنصحني بالعمل في مهنة تصفيف الشعر لأنها مربحة ، بدأت اعمل مع قريبتي،  والله رزقني، وبقيت مدة ١٠ سنوات في بوسطن، بعدها انتقلت الى ولاية اريزونا وما زلت فيها.” استقراره في الغربة لم يمنعه من زيارة بلده كلما الاحوال الأمنية سمحت له. وعندما صمّم على الارتباط، اختار ندى الكك جارته في منزل أهله الشتوي في الأشرفية . تزوجا في لبنان وسافرا بعدها الى اريزونا.

أسرة مجلة “اورا” زارتهما في منزلهما الكائن في مدينة Scottsdale، وأجرت معهما هذه المقابلة حيث تعرفت على عائلة لبنانية، يعمل الاب وألام  في السهر على تربية الأولاد فيها تربية مسيحية، عمادها الحب والاحترام المتبادل بين افرد العائلة، والتضحية من اجل تأمين مستقبل الأولاد.

“تزوجنا سنة ١٩٨٤ ورزقنا باربعة ابناء:  جويل ٣٢ سنة ، فراد ٣١ ، داني ٢٨، وكريستوفر ٢٦سنة.

ابنتنا جويل والتي عارضتنا يوم فكرنا باللانتقال والعيش في لبنان، هي اليوم في لبنان، وقد أخذت هذا القرار بعد ان أنهت تخصصها”.

بطبيعتها المرحة ومشاعرها الإيجابية استقبلتنا ندى التي لم تندم يوما على ترك اَهلها ووطنها بالرغم من انها الابنة الوحيدة والمدللة في العائلة.

 

مركز الرعاية النهارية Day Care

ندى، رفيقة الدرب، لدى وصولها الى الولايات المتحدة الاميركية، بدأت بالعمل في صالون تزين الشعر الذي يملكه زوجها،

“طلب مني زوجي ان اجيب على المكالمات لإعطاء المواعيد، لم أتشجع في البداية لانني لم أكن متمكنة من اللغة الانكليزية، لكن عادل، وعلى الطريقة اللبنانية قال لي “دبّري حالك” تضحك وتضيف “دبّرت حالي” وتقدّمت في اللغة، فأوكل إليَّ بعدها مهمّة ادارة الصالون، وبقيت حتى بعد ان رزقني الله جويل الولد البكر.

عندما رزقت بفراد Fred استقلّيت من وظيفتي، تقولها ممازحة، وقررت ان اتفرّغ لتربية أولادي. ولأنني منذ صغري احب تربية الاطفال، حوّلت منزلنا الى مركز الرعاية النهارية Day Care . في البداية ، بدأت استقبل طفلين، فثلاثة، ومن بعدها حصلت على شهادة في ادارة مركز الرعاية النهارية. كنت اهتم بالمنزل والأطفال واولادي نهاراً، واذهب الى Scottsdale Community College ليلاّ، وحصلت على شهادة تمييز في هذا الاختصاص”.

“تربية الاطفال والعناية بهم اصبحت جزءًا من حياتي” تضيف ندى “ولا اعلم كيف ستكون حالتي يوم أستقيل نهائيا عن هذه الخدمة”.

 

الكنيسة هي العائلة الكبرى، والصورة مصغرة عن لبنان

ندى وعادل ثنائي قرّر ان يمضي قدماً في هذه الحياة في بلاد الاغتراب يداً بيد، بالاتكال على الله، وبدعم من الجالية اللبنانية، وبخاصة ابناء الرعية في كنيسة مار يوسف للموارنة، الواقعة في مدينة فينيكس، وهي الكنيسة التي جرت فيها أعجوبة شفاء السيدة الأميركية دافني كوتيرز من فقدان النظر بشفاعة القديس شربل. ويومها تقول ندى: “صليت بأنانية وطلبت كل النعم لأولادي”، من دون أن تدرك أنّ ما تراه أنانية ليس إلاّ قلب الأم الذي لا يطلب لنفسه بل لأولاده…

“عندما انتقلت الى ولاية اريزونا منذ ٣٦ سنة، كنا معدودين على الاصابع كجالية من لبنان والشرق”، يخبرنا السيد زلاقط، “كنا كلبنانيين نشارك الكنيسة الكاثوليكية الاميركية طقوسها. الى ان قررنا ان ننشىء جماعة community هدفها مساندة ودعم بَعضُنَا البعض، وشراء كنيسة، ليصبح لدينا كيان ومرجع للطائفة المسيحية وبخاصة المارونية”.

بالرغم من انشغال ندى وعادل، كانت الكنيسة وما زالت الأساس في حياتهم، فهي بيتهم الثاني، حيث تجتمع العائلة الكبيرة كل نهار أحد وفي اي نشاط ومناسبة دينية او وطنية او اجتماعية…

ندى تشكر الله في كل لحظة على وجود الجالية التي تعتبرها بمثابة اهلها ووطنها: “نحن كجالية نربّي اولادنا تربية مسيحية مستقاة من تعاليم كنيستنا ومن تراثنا وعاداتنا وتقاليدنا، والمهرجان السنوي الذي تحييه الكنيسة ما هو الا صورة للمجتمع اللبناني بكل وجوهه”.

 

محبة بلا حدود

ندى وعادل يعتبران بأنهما يتبعان الطريقة التقليدية the old fashion way في التربية، كما سمّاها عادل بعكس الطريقة الاميركية: “نحن ما زلنا مسؤولين عنهم، حتى خلال دراستهم الجامعية وانتقالهم للسكن بالقرب من الجامعة في ولاية اخرى، كما حصل مع فراد الذي سافر للتخصص في مجال الطب، وبعد التخصص يعودون الى بيتهم الوالدي.  فالعائلة هي نعمة من الرب ونريد انا وندى المحافظة عليها”.

 

مشروع العودة الى ربوع الوطن

السؤال الموحّدالذي نطرحه على المنتشرين هل هناك مشروع عودة الى ربوع الوطن؟ لا نتفاجأ بالجواب: “النيّة موجودة ولكن الأوضاع في لبنان لا تسمح”.

مع عادل وندى، النية موجودة من ٣٨ سنة، وقد حاولا مراراً تكراراً القيام بهذه الخطوة، ولكن الأوضاع ما زالت غير ملائمة، وعن هذه النيّة يقول عادل: “بالرغم من كل الظروف، لم اقطع الأمل بالعودة، لديّ بيت ومحل ومستودع للاستثمار في بيروت . اعود عندما تعود الدولة أسوة بالدول الاخرى المتحضرة”.

وتنتهي المقابلة بقصة طريفة أخبرتنا إياها ندى لدى وصولها الى الولايات المتحدة: “كما تعلمون ان ولاية اريزونا تقع على حدود المكسيك، وبطبيعة الحال هناك تواجد للشعب المكسيكي، كنت عندما اعرّف عن نفسي، كان البعض يبتسم اويضحك، مما كان يغيظني وكأنهم يستهزئون بإسمي، وعندما سألتهم عن السبب، أخبروني ان كلمة ندى بالإسبانية معناها “لا شيء”… بعدها، اصبحت كلما اعرف عن نفسي أفسّر بأن اسمي باللغة العربية له معنى جميل، وبأنّ أجمل شيئ هو ان نرى الندى على الأعشاب والزهور عند الصباح …”.

ماغي مخلوف

مجلة اورا – العدد 11