وردة الإعلام الإذاعي التي لا يزال أريجها يفوح عبر الأثير بعد أكثر من أربعة عقود من النجاح المتألق ومن التميّز الأصيل. صاحبة خامة صوتية تتسلل الى الآذان والعقول والقلوب والضمير والوجدان، حاملة الكثير من الأحاسيس والألوان والظلال…

وردة الزامل المولودة روز فرح، شخصية إعلامية مخضرمة، اكتسبت احترام الجميع، لتقديمها نموذج الإعلامية المحترفة المهنية، التي ثابرت وعملت بشكل دؤوب متحدية أجواء الحرب وظروفها، وما أعقبها من مراحل صعبة. وهي بطبيعتها الجريئة الصريحة المتواضعة الذكية والمثقفة، أضحت مدرسة في الحوار المبني على الإصغاء واحترام الضيف في زمن قلّت فيه ثقافة الإصغاء والتواصل والاحترام. اكتسبت وردة على مرّ العقود جمهوراً واسعاً من المستمعين في لبنان والخارج، ينتظرونها في نهاية كل أسبوع، تتوجّه إليهم من “صالون السبت” ومن “مجالس بالأمانات” وهما من أطول البرامج الإذاعية عمراً، وقد حملتهما وردة معها من “صوت لبنان” الى إذاعة “الشرق”.

 

الإذاعة بالصدفة

تقول وردة انها ولدت عندما بدأت عملها الإعلامي في إذاعة صوت لبنان في العام 1976. وليست نادمة على أي يوم قضته في هذه الاذاعة. ولكنها اضطرت الى مغادرتها عندما انقسمت الى صوتين، ولعدم قدرتها على الاختيار بينهما. في الأساس دخلت عالم الإعلام بالصدفة، هي التي تحمل شهادة في إدارة الأعمال. فقد التقت ذات يوم صديق العائلة السيد إيلي كريّم يرافقه السيد إيلي صليبي واقترحا عليها الانضمام معهما إلى صوت لبنان التي كانت في بداياتها. فقبلت وعملت أولاً في قسم الاعلانات ثم بدأت تساعد إيلي صليبي في تحضير الأغاني والاتصالات لبرنامجه، وصليبي هو الذي أطلق عليها اسم وردة، في ترجمة لاسمها الحقيقي روز. بعد ذلك، انتقلت وبالصدفة أيضاً الى تقديم برنامج “كوكتيل” الذي كان قد توقّف فجأة بسبب خلافات بين مقدّميه. وهكذا انطلقت وردة.

من إعلام الحرب إلى إعلام السلم

لطالما ارتبط اسم وردة صوت لبنان بإعلام الحرب، حين كان صوتها يرافق المواطنين تحت القذائف إن في الشارع وإن في الملجأ، حاملاً شؤونهم وشجونهم وهواجسهم للمسؤولين، وأضحت برامجها أشبه ببوصلة تنبّه المواطنين عن المخاطر الأمنية آنذاك، وبمثابة ضوء أخضر او أحمر يوميّ صباحيّ يوجّه التلامذة والطلاب الى مدارسهم وجامعاتهم، وأشبه برسائل بريدية إلى السياسيين حول مطالب الناس وحياتهم على أرض الواقع المرير. وكانت وردة في تلك الحقبة الصوت الأكثر استماعاً اليه من قبل جميع اللبنانيين، وقد تلقّت هي وأفراد عائلتها تهديدات عدّة بسبب عملها المهني ومواقفها الجريئة.

واليوم وردة لا تزال وردة، تختصر فريق عمل في شخصها، تحضّر وتعدّ  بنفسها (وبخط يدها) تفاصيل كل حلقة من برنامجها. وهي لم تحافظ على حماسة البدايات فحسب، بل ينتابها عند تقديمها كل حلقة شعور من الاضطراب والقلق (ويقال انه أحد أسرار النجاح) مردّه سعيها الدائم لأداء الأفضل.

صحيح أن وردة تملك شبكة واسعة من الاصدقاء والمعارف، لكنها تصرّ على أن “لا أصدقاء سياسيين لديها بل ضيوف سياسيون”، وأن هناك حدوداً بين الصداقة والاستضافة في البرنامج. أما اصدقاؤها فتشير وردة الى أنهم من النخب الأكاديمية ومن الصحافيين أكثر من السياسيين.

وفي ما يتعلّق بأوضاع القطاع الإعلامي حالياً، تعبّر وردة عن حزنها الشديد على ما آلت اليه الصحافة المكتوبة بسبب أزمتها المالية والاقتصادية، وتقول: “خسرنا “السفير” وخوفي اليوم من ان تُقفل جرائد عريقة أخرى. ما بتصوّر فيني أوعا وما لاقي ولا جريدة…”.

وعن حال شاشاتنا اللبنانية، ترى وردة انها بحاجة الى الانضباط واحترام الأخلاقيات الإعلامية. “لا أعرف ماذا تبثّ في الأوقات الحرجة، أهو كارنافال أم بازار، أم بث مباشر للدم والقتل!؟”. واللافت أيضاً في التلفزيونات مؤخراً قيام بعضها باستبدال الصحافيين المخضرمين بوجوه مبتدئة شابة”. لماذا؟ هل لأن شعرهم شاب؟ الشكل ليس كل شيء.  فلنتمثّل بالبلاد المتطورة، حيث لا يتمّ  الاستغناء عن رؤساء التحرير والمراسلين والمذيعين لمجرّد أنهم كبروا في السنّ. من هنا أدعو الى إعادة الإحترام للإعلاميين المخضرمين وإيلائهم قيمتهم، فهم ذاكرة الوطن ومرافقو أحداثه، يستطيعون المقارنة بين لبنان الأمس واليوم.”

وعن دور المرأة في الاعلام تقول وردة انه لا يختلف عن دور الرجل. فكلاهما متساويان، وعلى المرأة ان تكون صاحبة كفاءة للنجاح مثلها مثل الرجل. ليس المطلوب منها أن تكون ملكة جمال او عارضة أزياء تعرض آخر ابتكارات الثياب والمجوهرات وتضع  الكثير من الماكياج و”الاكستنشن” على شعرها. عليها ان تحترم وجود المشاهدين الفقراء، وعلى المراسلات احترام حشمة الأماكن الرسمية التي يزرنها.

وعن مواقع التواصل الاجتماعي وما تتناقله من أخبار من مصادر غير موثوقة ولأهداف وغايات قد تكون مشبوهة، فتؤكد وردة عدم ثقتها بها، وترى أنها مصدر قلق (طبعاً مع احترامها لبعض المواقع الإعلامية الإخبارية اون لاين). لذلك فهي لم تفتح أي حساب لها على أي من مواقع التواصل، وتكتفي باستعمال الإيميل والواتساب فقط.

اما عن النقابات الإعلامية، فوردة لا تنتمي الى أي نقابة، إذ أن النقابات “تحوّلت إلى مواقع تنافسية سياسية وحزبية، على صورة البلد وسياسييه الذين يتقاسمونه كقالب كاتو.”

تحليل في السياسة

ردّاً على سؤال حول الاستحقاق الحكومي تقول وردة: “علينا انتظار الخلفيات. كلٌ يحلل الخلفيات على قياسه وطريقته. هناك محاولات لأخذ البلد الى غير المكان الذي هو فيه، خارج الدستور والقوانين والمؤسسات. فإذا ما نجحت تلك المحاولات، فإن الحكومة ستتألف على صورة الفريق الرابح. هناك رهان وهناك كباش مدعوم من قوى إقليمية خارجية لها مصالح داخلية، وتلبّيها بعض القوى الداخلية. إنما لبنان لن يسقط وممنوع عليه أن يسقط. لكن مطلوب منه ألّا يرتقي الى أعلى درجات الاستقرار وألّا يهبط الى درجة اللااستقرار وزعزعة الأمن فيه. عليه أن يظلّ في حال إرتجاج. وفي النهاية لن يربح أي فريق، بل ستحصل تسوية. ومن تسوية إلى تسوية، تحيا التسويات.”

… وفي وضع المسيحيين

لمن يسألها عن دينها تجيب وردة بأنها لبنانية. غير أنها ولدت مسيحية ونشأت على تعاليم الكنيسة وفي داخلها إيمان مسيحي عميق تمارسه مع احترام الديانات الأخرى. للأسف هناك من يريد أخذ الكنيسة حصرياً له حسب طموحاته السياسية، لكن  الكنيسة النموذج تبقى في قلب كل مسيحي مؤمن. تسألها: هل من خوف على مسيحيي لبنان؟ تجيب وردة: أبداً. سنبقى. يكفينا أن رجلاً كبيراً اسمه رفيق الحريري وهو مسلم سنّي، قال في الطائف: نصف بنصف مع المناصفة وقّفنا العدّ ولو بقي مسيحي واحد في لبنان… ما حدا أكبر من وطنو، لبنان أكبر منّا كلنا ومن طوايفنا وميولنا”. ثم تسألها: لماذا لا ينتفض الشعب على واقعه وظروفه المتردّية؟ تقول وردة:” لأنه اللبنانيين منقسمون، يحبون مصالحهم الخاصة ويركضون وراء الزعيم ويتحوّلون الى أزلام ومحاسيب، بدلاً من ان يكونوا أصحاب كفاءة لتغيير البلد وتحسينه. قالوا نريد انتخاب مجلس نيابي جديد، لكن 51% منهم قاطعوا الانتخابات ولازموا منازلهم عوضاً عن التوجّه الى صناديق الاقتراع. فمن أي شعب يمكن ان ننتظر التغيير؟”

أيها الشباب: إلبسوا سترات العلم اللبناني وطالبوا بحقوقكم

تنصح وردة الشابات والشبان اللبنانيين ألّا يوقفوا طموحهم امام أبواب السفارات في انتظار تأشيرات الهجرة. صحيح أنهم مظلومون جداً وأن من بين 36 ألف متخرج سنويا من الجامعات، يجد ثلاثة آلاف خريج فقط وظيفة ما. وفي هذا الاطار تحيي وردة رئيس لابورا الأب طوني خضرة على جهوده، “فهو يتابع الشباب، يقتحم المؤسسات الرسمية ليجد لهم عملاً فيها، يقتحم البطالة في قلب الإدارات، إنه رجل يركض ويناضل، ويقيم أيضاً معارض فرص العمل… ” وتضيف وردة انها تدعو الشباب الى ارتداء سترات العلم اللبناني والنزول الى الشوارع للمطالبة بحقوقهم بطرق سلمية، ولرفع الصوت عاليا لتخلّي المسؤولين عن الأزلام والمحاسيب، تمهيداً لإعطاء الفرص للخرّيجين الأكفّاء.

الوطن الذي تحلم به وردة هو لبنان الذي تتحدّث عنه في برنامجها، لبنان الكفاءات والعقول الراجحة، ومن تبقّى فيه من حكماء. تؤكد وردة: ” ليس كل أهل البلد فاسدين ومفسدين ولا كل قياداته سارقين. يريد البعض تشويه صورة لبنان واللبنانيين، لكن لا يجب ان نلصق بالجميع تهم الفساد. فالمشكلة الحقيقية تكمن في أن المراقبة والمحاسبة معطّلتان في هذا البلد.”

(في اطار عند يسار الصفحة)  سين وجين

  • س- ما القيم التي نشأت عليها والتي يهمك نقلها الى اولادك؟
  • ج- التواضع والقناعة.
  • س- كيف تصفين شخصيتك؟
  • ج- انا انسانة عادية ودرويشة. أهتم بعملي وبعائلتي ولا يهمني تحقيق النجومية على مواقع التواصل الاجتماعي.
  • س- وكيف يراك المحيطون بك؟
  • ج- يعلمون أني مؤمنة وأن الصلاة تحميني لذلك يقولون:” ما تدقّوا فيها لأن السيدة العذراء صديقتها.”
  • س- من هم الاشخاص الذين لديهم فضل عليك في عملك؟
  • ج- ايلي كريّم وايلي صليبي اللذان فتحا أمامي طريق الإذاعة التي أعشقها حتى اليوم.

 

  • س- ما أبشع المحطات التي أثرت على حياتك؟

 

  • ج- أبشع حدث كان وفاة والدي وحينها فقدت صوتي مدة اربعة أشهر، ثمّ وفاة والدتي التي اختفى معها صوتي لثلاثة أشهر وأعاده لي العلّامة محمد حسين فضل الله من خلال مقابلة أجريتها معه.
  • س- ما أجمل أحداث عمرك؟
  • ج- الأمومة وإنجاب ولديّ رمزي وزينة.
  • س- ما أبرز درس تعلّمته في حياتك؟
  • ج- وجود عدم الوفاء عند بعض الاشخاص الذين يطعنون في الظهر من وقف يوماً الى جانبهم.
  • س- ما أكثر ما يفرحك؟
  • ج- أن أستمر بتحضير الأفضل من خلال برنامجيّ الإذاعيين.
  • س- وما أكثر ما يحزنك؟
  • ج- وضع البلد الصعب وأننا لا نزال نفتش عن دولة.
  • س- علام تندمين؟
  • ج- على أنني لم أعمل في الإعلام باكراً أكثر، لأن مشاكل روز المواطنة عبّرت عنها وردة الإعلامية.
  • س- ما أكثر ما يعجبك في عملك؟
  • ج- حرية الكلمة التي أتمتّع بها في ظل النقد الذاتي الذي أمارسه.
  • س- ماذا عن كتبك؟
  • ج- “هذا صوتي” هو باكورة كتبي ويروي مسيرة وردة الإعلامية منذ بداياتها وأبرز محطاتها. كتابي الثاني “بكل أمانة” يقدّم أبرز ما قالته الشخصيات التي حاورتها قبل وخلال وبعد اتفاق الطائف، ويضمّ الكتاب المقابلات المسجّلة على اسطوانات CD . اما كتابي الثالث فهو قيد الطبع وعنوانه” حقا سمعت” ويتناول خفايا وأسرار تقلّبات السياسيين قبل المقابلات وخلالها وبعدها.
  • س- إلام تطمحين؟
  • ج- أطمح بان أتوقف عن العمل وأنا وردة.

 

كارول أبونصار صعب  

مجلة اورا – العدد 11