لازمت السمة الزراعية لبنان على مر القرون والعصور، وذلك بحكم كونه جمهورية قرى وليس جمهورية مدن. والقرية، كما نعرف هي المساحة المهيأة للزراعة، سواء منها المساحات الصغيرة المحيطة بالمنازل ويطلق عليها إسم الحواكير أو الجدارات، أو المساحات الكبيرة المتمثلة بالحقول والبساتين.

ودرج أبناء القرى، رجالاً ونساءً، على زراعة تلك الحواكير بكل أنواع الخضار وبعض الأشجار المثمرة لإستهلاك العائلة، أما زراعة الحقول والبساتين فيراد منها توفير مصدر دخل عبر تسويق الإنتاج، داخلياً وحتى خارجياً.

وإذا كان سهل البقاع قد عرف بإهراءات روما زمن الرومان، فإن كل قرية في لبنان عاشت حكاية مع دودة القز وشجرة التوت وخيط الحرير في عابر الأيام وحتى الأمس القريب.

وقبل أن يمارس لبنان بنفسه إنتاج الحرير، كان هذا الخيط النبيل يأتيه من الصين عن طريق الحرير عبر بلاد الفرس والعراق، وذلك منذ القرن الثالث قبل الميلاد كما ورد في كراس صادر عن مكتب الحرير في العام 1974. وكان هذا الخيط يصبغ في المدن الفينيقية ويعاد تصديره الى سائر مدن حوض البحر الأبيض المتوسط.

أما تربية دودة القز، الذي ينتج الحرير، فقد عرفها لبنان منذ عهد الإمبراطور جوستنيانوس فس القرن السابع الميلادي، ثم تطورت صناعة الحرير في ظل حكم الأمير فخر الدين (1580 – 1634) في الجبال اللبنانية. ولم تقتصر هذه الصناعة على الجبال فحسب، بل شملت الساحل أيضاً.

والحقيقة أن لبنان كان محطة من محطات طريق الحرير التي إخترقت المنطقة العربية ووصلت الى ما بين الهند والصين شرقاً وبين روما غرباً، حين كان حرير الشرق مطلوباً ومرغوباً من طبقة النبلاء، ولا سيما النساء اللواتي كن يدفعن غالياً ثمن هذا الحرير قبل أن تنتقل هذه الصناعة إلى الغرب الذي يعد بأنه تعلم من الشرقيين “تربية دود الحرير ونسج الأقمشة الحريرية وصنعها”، كما ورد في كتاب “لبنان: مباحث علمية وإجتماعية” لألبير نقاش، وطبيعي، يضيف، “أين يتعلم لبنان هذه الصناعة قبل الغرب لوقوعه في موقع استراتيجي من أطول طريق تجارية في تاريخ العالم، كانت تنعم بحماية الدول الكبرى القديمة في البحر المتوسط، والبحر الأحمر، والمحيط الهندي، علاوة على وجود فيالق مشاتها و ……. الممالك الحليفة كمملكة الغسانية في الشام ومملكة ………………

زراعة التوت

وكان من الطبيعي أن تترافق تلك الصناعة مع ظهور الكرخانات وازدهار زراعة التوت التي لم تكن تنفصل عن صناعة الحرير وتربية الدود. وقد إزدهرت هذه الزراعة منذ القدم ساحلا” و جبلا” حتى ان اكئر اشجار مقاطعة ساحل بيروت كان من شجر التوت، كما كان اكبر اشجار بيت شباب ، و لم يخلُ ساحل او قرية من هذه الشجرة التي وفرت افضل باب لرزق اللبنانيين لفترات طويلة من الزمن، و من هنا تحولها في بعض الاوقات هدفا للحملات العسكرية الداخلية، كما حصل بين سعيد بك جنبلاط و شركائه الحماديين وفق ما يرويهحسين غضبان ابو شقرا و يوسف خطار ابو شقرا في كتاب ” الحركات في لبنان الى عهد المتصرفية”

غير ان هذه الزراعة بدأت تتراجع في السواحل الخصبة حيث يسهل ري الارض و استبدال التوت بالليمون على انواعه و الخضار على اختلافها ايضا: و هناك سواحل سهلية على طول الخارطة اللبنانية، بدا من سهل صور الى سهل الصرفند فسهل صيدا، فسهل الدامور، فسهل طرابلس ، و سهل عكارالذي بلغت المساحة المزروعة في قضائه بشجر التوت نحوعشر مساحة في العالم 1925 . أما في الجبال اختلف الامر نظرا لضعف التربة و قلة الخصب، لكن ذلك لم يمنع البعض من الاعتقاد بضرورة تناقص زراعة التوت تدريجيا نظرا لسهولة استبدالها ببعض المغروسات التي تعود على اصحاب الاملاك بربح اوفر على ما جاء في كتاب البير نقاش.

البدائل

لم يبقى لبنان أسير شجرة التوت و دودة القز خصوصا بعدما بدأ الحرير اللبناني يعاني من منافسة شديدة، بل سعي الى تنويع ضرورياته ودوماً بفعل المبادرات الفردية و ليس المبادرات الرسمية، فكان ان توسع في زراعة الكرمة التي لا تحتاج للمياه و هي من الزراعات الصناعية التي بدات تتكاثر في كل الاتحاد اذ يصنع معها العرق و النبيذ و الزبيب و الدبس .

و الى جانب الكرمة توسعت زراعة الزيتون و التبغ و التنباك و قصب السكر و الموز، فضلا عن النباتات العطرية و النباتات الطبية و النباتات المستعملة للصباغة و الدباغة.

وربما لكون لبنان جمهورية قرى و مجتمع مزارعين درجتعلى ألسنة المواطنين عبارة “فلاح مكفي سلطان مخفي” و من هنا لم تستطع الظروف الصعبة و القاهرة من بني القروي عن زراعة ارضه و التكييف مع كل جديد في هذه الزراعات. و خير دليل على ذلك عودة القطاع الزراعي للتحرك بعد صدمة الازمة الاقتصادية العالمية الناشئة عن الحرب العالمية و بحسب الارقام الصادرة عن الجامعة اللبنانية تطور انتاج الفاكهة من نحو 20 الف طن في العام 1939 الى ضعف هذا الرقم في اواخر الحرب، و ذلك بسبب توسع المساحات المروية في الساحل. اما زراعة الحبوب التي كانت تشكل مصدر عيش خمس لبنانيين بسبب الدعم اصبحت تغطي بين 25% و 30% من حاجات اللبنانيين في اواخر الحرب. و كانت زراعة الزيتون تغطي 15 الف هكتار فيها 2.5 مليون شجرة تغطي حاجات السوق المحلية بالزيت و الزيتون و زيت الصابون و تنتج هذه المساحات فائضا للتصدير يقدر ب 3 الاف طن

و اما زراعة التوت و انتاج الحرير فقد استفاقت من كبوتها بسبب طلبات وزارة التموين البريطانية التي حصلت على احتكار شراء الشرانق في لبنان لاستخراج الحرير لانتاج المظلات الحربية و ما زالت بعض أشجار التوت ماثلة للعيان في أكثر من ناحية من دون أن تفيد بشيء سوى ببعض العلف للأغنام.

ونلاحظ أن إنتاج التبغ نما بعد العام 1943 فيما تراجع إنتاج التنباك حتى العام 1945. تبقى الزراعات الأخرى كزراعة الخضار والبطاطا والبصل وغيرها التي غطت نحو 10 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية الغنية والمروية.

غير أن العقود القليلة الماضية ولا سيما منها سنوات الحرب وما بعدها ” أثمرت” صدمة تلو الصدمة للمزارع في الساحل والداخل على السواء، نتيجة غياب الإرشاد الرسمي. وسؤ الروزنامات الزراعية، وإجحاف الإتفاقات الإقتصادية مع الأقربين والأبعدين. وإنسداد بوابات التصريف، الأمر الذي دفع بالمزارعين إلى رمي محاصيلهم على الطرقات. بعد العجز عن تغطية النفقات وتسديد قروض المصارف. وقد أدّى كل ذلك إلى صرخات متتالية في البقاع وعكار والجنوب. وكل ما فعلته بعض الحكومات هو تعليل نفوس المزارعين ب ” الزراعات البديلة ” التي لم ينبت فيها شيء حتى أنّ قسماً من الدولة رفع شعار تشؤيع الممنوعات تحت حجة الأغراض الطبية.

ومما زاد طين الزراعة بلّة إرتفاع سعر الأرض في سنوات ما بعد الحرب. حتى باتت حبة التراب أغلى وأدسم من حبة الفواكه أو شتلة الخضار، ما دفع بالقروي إلى ترك المعول ليفتح حساباً في المصرف نتيجة بيعه أرضه لتعزيز غابات الباطون، وتعوّد على التفوّه بعبارةٍ ” شرايتو ولا تربايتو” وتأكيده موال وديع الصافي الذي يقول: ” تراب الأرز أغلى من الذهب “.

ونتيجة تراجع الزراعة وكساد المحاصيل وجد ” إبن الضيعة” نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إمّا النزوح إلى المدينة مع ما يتكبده من أكلاف مرهقة وإنسلاخ عن أهله وبيئته، وإمّا الهجرة إلى الخارج سعياً وراء رزق كريم مع ما في ذلك من مشقّة شخصيّة ومتاعب عائلية، خصوصاً إذا ما استعصى هذا الرزق الكريم على طالبيه.

ومما يؤسف له أن بعض المسؤولين أو جلّهم تعمدوا إهمال الزراعية فدمّروا هذا القطاع عمداً لحساب الخدمات والسياحية التي لم يكن نصيبها بالأفضل بفعل الظروف المحليّة والإقليميّة المشحونة. وكما فعلوا مع الزراعة فعلوا مع الصناعة ليبنوا إمبراطورياتهم المالية على الحسابات المصرفية والعقارات.

فهل يعود اللبناني إلى أرضه ويزرع فيها جهده وعرقه ويأكل منها كفايته أم تبقى تلك الأرض ملفات في أيدي السماسرة بحثاً عن شارين مهمين أو طامعين أو مستثمرين في أحسن الحوال.

مارون حداد