عين إبل ليست مجرد بلدة رائعة من بلدات الجنوب الخلاّب، إنها بلدة الشهادة والشهداء “بلدة المئة شهيد” التي تروي فصلا من تاريخ لبنان، وحكاية صمود وتمسّك بالأرض والوطن والجذور. وعشية ذكرى “المئوية الاولى لإعلان دولة لبنان الكبير”، تتجه الأنظار إلى هذه البلدة التي دفع أبناؤها أرواحهم ثمنا للبقاء والوجود والإنتماء إلى لبنان…

 

تقع بلدة عين إبل الحدودية على ارتفاع ما بين 720 و 850 متراً عن سطح البحر، وفوق مجموعة الهضاب والسفوح في قلب ما كان يعرف ببلاد بشارة، منفتحة على أفق شبه دائري بالغ الإتساع، تحيط بها من الشمال والشمال الغربي بلدات: بنت جبيل، عيناتا، كونين والطيري، ومن الجنوب والجنوب الشرقي، بلدات: عيتا الشعب ورميش وبعض قرى الجليل الأوسط، ومن الشرق قريتا: يارون ومارون الراس، ومن الغرب بلدتا: حانين ودبل.

 

يمكن الوصول إلى عين ابل من مداخل عدة:

فمن الشمال الشرقي: عبر البقاع الغربي، حاصبيا، مرجعيون، ميس الجبل وبنت جبيل.

ومن الجنوب الغربي: عبر الناقورة، علما الشعب، عيتا الشعب، رميش أو دبل.

ومن الشمال الغربي: عبر برج رحال، صريفا، خربة سلم، تبنين، بيت ياحون وصف الهوى.

ومن الغرب: عبر صور، جويا أو صور، قانا وصولاً إلى صف الهوى أو الطيري.

يذهب المؤرخون إلى أن لبلدة عين إبل تاريخين احدهما سحيق يرقى إلى العهد الكنعاني، ويمتد حتى العهود الصليبية ومن بعدها المملوكية، والآخر حديث يبدأ مع العهد المعني ويمتد حتى أيامنا هذه.

 

وبين عين ابل “الكنعانية” وعين ابل “المعنية”، صلات شتى تتجلى في العيون والبرك والمواسم والموروث المتناقل من العادات والتقاليد، وقد اتحدت كلها في مسمى واحد هو عين ابل الحالية، الأمينة لكل المواثيق اللبنانية الوطنية منها والقومية.

وفي بلدة عين ابل مجلس بلدي أنشئ عام 1953 منتخب ومكون من 15 عضوا، وهي مقسمة إلى ثلاثة احياء، وفيها أربعة مخاتير.

مئة شهيد

رئيس البلدية الحالي عماد للّوس تحدّث ل”أورا” عن شؤون وشجون البلدة، عائدا إلى الظروف الكارثية التي رافقت مجزرة المئة شهيد التي كانت الثمن الكبير الذي دفعته البلدة من أجل بقائها ضمن “دولة لبنان الكبير”. فالمجزرة التي اتخذت الطابع الطائفي ليست كذلك بالفعل، فأسبابها ليست طائفية بل وطنية، كما يؤكد للّوس، لأنّ غالبية النخب السياسية في جبل عامل   إبّان إعلان دولة لبنان الكبير كانت تفضّل الإنضمام إلى دول أخرى، فيما تمسّك أبناء عين إبل ببقائهم ضمن دولة لبنان الكبير، من خلال رسالة رفعها إلى الدولة وجهاء البلدة يؤكدون فيها تمسكهم بهذا الأمر، فكانت النتيجة أن تعرّضت البلدة وأبناؤها لهجوم شنته بتاريخ يوم الاربعاء الواقع فيه الخامس من ايار 1920 عصابات شعبية وقيادات من بقايا الحكم العثماني ، راح ضحيته حوالي 100 شهيد من أبناء البلدة معظمهم من الشيوخ والنساء والاطفال . هذه المجزرة ما زالت حاضرة في الأذهان ومن خلال نصب تذكاري لهؤلاء الشهداء في ساحة كنيسة السيدة وزجاجة تحمل رسالة تاريخية تضم أسماء ابرز الشهداء والشهيدات  وهي ما زالت محفوظة في أرشيف الكنيسة. يؤكّد للّوس أنّ إحياء ذكرى الشهداء يتمّ في احتفالات سنوية بتاريخ 5 أيار، وهي حق للشهداء وواجب على أهل البلدة تكريما لذكراهم أسوة بجميع شهداء لبنان.

ذكرى المئويّة

أمّا الإحتفالات بالذكرى المئوية المصادفة عام 2020 وتجاوبا مع توصية غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي للاحتفال بهذه المئوية ، فلن تكون في أيار، ولكنها ستكون من خلال احتفالية تمتدّ على مدى شهر كامل في آب (شهر المهرجانات في عين إبل) مع دعوة عامة الى جميع اصدقاء عين ابل وكلّ متحدّر من عين إبل في لبنان والخارج للمشاركة في هذه المناسبة التاريخية . وقد اختارت البلدية هذا النوع من الإحتفالات “انطلاقا من أنّ التاريخ صار وراءنا، بدليل أنّ فعاليات بلدات الجوار وأهلها أصبحوا يشاركون بلدة عين إبل في مهرجاناتها” وفي زياح عيد السيدة التقليدي السنوي ، كما يؤكد للّوس، “وانطلاقا بالتالي من أنّ المستقبل هو الأهمّ من خلال العمل على عودة أهل عين إبل نازحين ومغتربين إلى بلدتهم وبلدهم  والتعرّف عليه وعلى تاريخه وحاضره.” ويضيف “أنّ لجنة متابعة لهذا الموضوع سيتمّ تشكيلها كي تعمل على تأمين مكان إقامة النازحين والمغتربين وكل اللوجستيات المطلوبة لمشاركتهم في هذه الإحتفالية.”

 

عين إبل ليست فقط بلدة الشهداء، ولكنها أيضا بلدة الخيرات الزراعية وبخاصة زراعة الزيتون، وفي هذا الإطار يقول رئيس البلديّة “إنّ الزيتون هو من أهمّ الزراعات في البلدة، لأن باقي الزراعات كالدخان والتفاح أصبحت قليلة. تحتوي اراضي عين إبل وفق احصاء اجرته البلدية عام 1975 حوالي 50 ألف شجرة زيتون موزّعة على مالكي الأراضي الزراعية، ويكاد لا يخلو بيت من شجرة زيتون. الموسم هذا العام كان وفيرا، ولكن لهذه الوفرة سيف ذو حدين لأنها تطرح إشكالية انخفاض أسعار الزيت مع ارتفاع الإنتاج وعدم توفر أسواق التصريف. ولكن هذا هو واقع الفلاح بشكل عام…” ويضيف للّوس:”عملنا في هذا الإطار للإستحصال على مساعدات من وزارة الزراعة للمزارعين، كالأسمدة ومواد أخرى. كما أننا بصدد إنشاء شركة مساهمة للاستثمار في الزراعة بالإشتراك مع مكتب تنمية الريف في الرابطة المارونية وجامعة الروح القدس-الكسليك. والشركة التي أصبحت في أواخر مراحلها التأسيسية ستبدأ عملها في مشروعين كبيرين: مشروع زراعة حوالي 70 دونما من أشجار الكرمة، والمشروع الثاني هو اسثمار كرم زيتون تابع لمطرانية صور المارونية وهو الأكبر في المنطقة، لاستصلاحه وزراعته بناء على أسس علمية مما يعود بالفائدة على الزراعة والبلدة بشكل عام.”

 

وبالإضافة إلى هذه الشركة المساهمة، تعمل البلدية على مشروع ريّ لمنطقة زراعية واسعة، من خلال إصلاح نبع ماء قديم ( العين الفوقا ) وبركة اثرية في البلدة تحمل اسم: “العين التحتا”، لتأمين بركة وخطوط ريّ تروي ألف دونم من الأراضي الزراعية، كما يشرح للّوس، ويضيف، “أنّ هذا المشروع هو في طور التنفيذ بالتعاون مع صندوق التنمية الإقتصادية والإجتماعية وبتمويل من المجموعة الأوروبية. وهذا المشروع يراد منه تشجيع الزراعات المرويّة مثل الصعتر والسمّاق والخضار المرويّة على أنواعها، وبخاصة أنّ مياه الريّ سيتمّ تأمينها مجانا للمزارعين.”

 

ومن المشاريع الإنمائية الأخرى الموجودة فعليا في البلدة، “تأمين الكهرباء على مدار الساعة، من خلال 3  مولدات تابعة للبلدية وشبكة خطوط حديثة. كما تعتمد عين إبل في تأمين مياه الشفة على بئر ارتوازية خاصة بالبلدة تشرف عليها البلدية، والتي لولاها لعطشت عين إبل لأن مياه الدولة قليلة جدا.. وبالإضافة إلى البئر الحالية  يوجد في البلدة بئر إرتوازية أخرى ولكنها معطّلة، تعمل البلدية على إصلاحها بناء على وعد من مصلحة جنوب الليطاني.”

 

وفي قضيّة النفايات، تعمل البلدية كما يشرح للّوس، “على مشروع فرز النفايات وتسبيخها، بالتعاون مع كلّ من الكتيبة الإيطالية والإيرلندية والفنلندية في اليونيفيل، ومع منظّمة “Mercy corps” وهو مشروع دخل أخيرا مراحله التنفيذيّة.”

السياحة الدينيّة

ويؤكّد للّوس “أنّ البلدية تعمل بشكل أساسي على إبراز الوجه السياحي للبلدة، وبخاصة في ما يتعلّق بالسياحة الدينية، وصولا إلى وضعها على الخارطة العالمية للسياحة الدينية، وفي هذا الإطار وبالإضافة إلى المهرجانات الصيفية السنوية- التي تمتد بين أواخر تموز وأواخر آب، والتي تستقطب بين 4 و5 آلاف شخص يشجّعهم على المجيء وجود فندق “تلّة السنديان” ( Oak Hills)المصنّف 4 نجوم- تعمل البلدية، على مشروع إقامة مزار ضخم للسيدة العذراء “أمّ النور” على أعلى تلّة في عين إبل هي تلّة  “ضهر العاصي “، والمزار هو عبارة عن برج بارتفاع 54 مترا يعلوه تمثال “أمّ النور” بارتفاع 14 مترا، ليكون بذلك من بين اعلى المزارات  في لبنان. وقد وضع غبطة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي العام الماضي حجر الأساس لهذا المزار الذي بدأ العمل فيه، ليضم عند اتمامه قاعة تتسع ل500 شخص، الى كنيسة، وبرج وسلالم (333 درجة) ومصعد، وتمثال. ومن أعلى البرج يمكن للزائر مشاهدة الأراضي المقدسة بالعين المجرّدة. وبالإضافة إلى كونه من بين الأعلى في لبنان، تكمن أهمية هذا المزار المشيّد على اسم السيدة العذراء أمّ النور، في أنه يقع في منطقة متعددة الطوائف . هذا المشروع يشجّع طبعا أهالي عين إبل كما كل اللبنانيين والسيّاح على زيارة هذه البلدة.”

السكان وفرص العمل

إنّ نسبة النزوح المرتفعة  عن عين إبل ووجود 1500 شخص من أصل 13 ألف من المقيمين فيها في الشتاء، ليس مردّه فقط إلى غياب فرص العمل والعوامل الجغرافية وغيرها، بل إنّ ملفّ فئة المبعدين قسرا عنها منذ العام 2000 يشكّل أحد أهم العوائق أمام عودة أهالي البلدة إليها. وعن هذا الموضوع يقول رئيس البلديّة “إنّ العودة المشرّفة والمحقة  لأهلنا المبعدين قسرا لم تتحقق بعد للأسف رغم كلّ وعود الجهات الرسمية ومحاولاتنا وعلى جميع الصعد، ورغم أنّ رئاسة الجمهوريّة قد تحركت مؤخرا مشكورة في ما يتعلق بهذا الملف، إلاّ أنّ أيّ نتيجة لم تتحقق بعد.” ويأمل للّوس بأنّ “تحلّ الدولة هذا الملف في أسرع وقت، لأنّ المبعدين هم مواطنون معظمهم من الاطفال والنساء والشيوخ أبعدوا قسرا عن بلداتهم، ومن الظلم ان تبقى وصمة التعاون مع إسرائيل تنغّص عليهم حياتهم وتمنعهم من العودة إلى أهلهم وقراهم ووطنهم. وكلّما تأخرّت المعالجات، كلّما تقلّصت إمكانيّات الحلول، ولذلك فإنّ تحرّك الدّولة مطلوب الآن وفي أقرب وقت.”

 

ومن أسباب غياب أهل عين إبل عنها وبخاصة منهم فئة الشباب، هو محدودية فرص العمل، ولكن للّوس متفائل في هذا الإطار ، لجهة  احتمالات عودة قسم لا بأس به من أهل البلدة إلى الإقامة فيها.

بيع الأراضي

وفي ملفّ تداخل أراضي عين إبل مع أراضي الجوار، يشير إلى عدم وجود مشاكل كثيرة في هذا الإطار باستثناء مشاع واحد متنازع عليه حاليّا، ولكنّه يؤكّد أنّ المشكلة الأكبر تكمن في بيع الأراضي، “إذ أنّ البعض يعمد إلى بيع أرضه كما في باقي البلدات التي تعاني من الأزمة عينها. ونعمل جاهدين على إقناع أهلنا بألا يبيعوا أرضهم، مهما كانت الظروف الا بعد عرضها على الميسورين من اهل البلدة .”

 

وفي هذا الإطار يطالب للّوس الدولة بزيادة مخصصات البلدية “لتمكينها من اجل اقامة المشاريع القادرة على تشكيل  فرص عمل في البلدة، لكي يبقى أهلها فيها وتعود إلى مجدها السابق اقتصاديا واجتماعيا .  عين إبل كانت تشكّل تاريخيا مرجعية معنوية واجتماعية لسكان الجوار وبخاصة في أثناء المنازعات والأزمات، نظرا لوجود نخبة من أبنائها المتنورين والحكماء المقيمين فيها.” وعن أسباب صمود البلدة وأهلها رغم الأزمات، يؤكّد للّوس “أنّ عين إبل ليست مجرّد بلدة، إنها حصيلة تاريخ عريق في الوطنية والثقافة قائم بذاته بفضل ما توفر لأبنائها مع مرور الزمن من ظروف التعليم والثقافة التي عرفوها باكرا في ظل ألأمارة المعنية  التي  شجعت التعليم الى جانب  الزراعة فكان  أحد أبناء عين ابل واول كاهن عليها من بين خريجي المعهد الماروني في روما (الخوري عبدالمسيح الياس الطويل 1630) ، وهو المعهد عينه الذي درس فيه لاحقا ( 1923) إبن بار من أبنائها  أصبح سنة 1975 البطريرك الماروني الخامس والسبعين ثم كاردينالا.  كان لعين ابل مدرستها اليسوعية  منذ سنة 1855منذ ذلك التاريخ كانت ولا تزال تخرج الافواج تلو الافواج من أبنائها وأبناء المنطقة على محبة لبنان وقيمه الرائدة في تنمية العيش المشترك . أن وقوع بلدة عين أبل في محيط متنوّع الطوائف قد شكّل لأهلها مع الزمن حافزا على البقاء وأتاح لها ظروفا لتقديم شهادة  المسامحة والتعايش… أهل عين إبل يسكنهم الشعور بالمسؤولية نحو هذا الإنتماء، ولذلك يرددون-مقيمين ونازحين ومهاجرين- اسمها كما يرددون صلاتهم. عين إبل تسكن في أهلها أكثر ممّا يسكن أهلها فيها…”

لارا سعد مراد

العدد الثامن والتاسع