يذكّرك صوتُها بـأدراج بعلبك بعد ليلٍ طويل، فتشرق الشمس من سكون الأعمدة والهياكل.

الصوتُ الذي يأتيك من كل مكان، فتحار أين تستقبله فيك.

الصوتُ الذي تنسى معه أنك أنت، كي لا تفوتكَ لحظةٌ مما هو.

الصوتُ الذي ظلَّ ينضح شعراً حتى باتت سيدتُه “شاعرة الصوت”.

إنه، في عصرنا، عنوانٌ آخر للوطن.

للأوطان، عادةً، اسم واحد، أو ربما تعريفات متعددة.

نحن؟ نختصر. نقول: “لبنان”، فيجيب السامع: “يعني وطن فيروز”!

منذ إطلالتها الأولى، قبل نصف قرن ونيف، جاءت “مُتَــوَّجَة”، كما يقول منصور الرحباني. ويضيف: “إضافة إلى جمال صوتها وموهبتها الخارقة، هي ظاهرةٌ لا تتكرَّر: صوتُها مميَّز، إطلاقةُ صوتِها مميَّزة، وكلُّ ما جاء في هذا الصوت من خوارق، وما خلف هذا الصوت من صقلٍ وتجارب خضع لها، جعل منه رمزاً من رموز هذا العصر، تأثَّر به الناس وحتى الشعراءُ في لبنان والعالم العربي، لأنه لم يكن مجرد صوت وحسب”.

منذ المطالع هتف سعيد عقل: “هذه سفيرتُنا إلى النجوم”.

وقال نزار قباني: “قصيدتي، بصوتها، اكتست حلَّة أخرى من الشعر”.

هي الصبيَّةُ الخجولُ التي سمعها حليم الرومي ذات يوم في الإذاعة اللبنانية، واستدعاها ذاتَ يومٍ آخر إلى مكتبه، وكان فيه شابٌ ناحلٌ ساهمُ العينين، وقال لها: “يا بنتي، أُعرِّفُكِ بالعازف والملحِّن عاصي الرحباني. تدرَّبي معه وسيعطيكِ من ألحانه”. فهل كانت يومها تحدُس إلى أين هذا العبقريُّ الفذُّ سيوصل صوتَها الفذ وموهبتَها الخارقة؟

وتتزوّج نهاد حداد (فيروز) من عاصي الرحباني. ويقول منصور: “جاءت فيروز ذات الحضور الآسر والصوت المفْرد، فانضمَّت إلينا. أصبحنا ثلاثة. وراح صوتُها يخترقُ الحواجزَ العاطفية، ويرسِّبُ في لاوعْيِ سامعه الأفكار التي يحملُها”.

يقول أنسي الحاج: “بعض الأصواتِ سفينة. بعضُها شاطئ. بعضها منارة. وصوتُ فيروز هو السفينةُ والشاطئُ والمنارة. هو الشِّعرُ والموسيقى والصوت، و…”الأكثر” من الشعر والموسيقى والصوت”.

وإنه، بلى، أبعدُ أبعد: إنه الصوتُ الذي تشربُهُ روحُك قبل أن يَتَقَطَّرَ في سمعك.

إنه الصوت الذي صار اليوم… عنواناً آخر للوطن.

***

عاصي ومنصور…

لم يعودا اسماً لأخَـوَين. صارا ظاهرة.

ولعلَّهما منذ ظهرا، قبل نيف ونصف قرن، بدءَا ظاهرةً مميزةً راحت ترسِّخ جذعها الطالع من جذور الأصيل القديم، موشَّحَةً بقالبٍ أنيقٍ أخذ من العصر الحسَّ والذوق، ومن الفن نظرة إلى الإنسان غيرَ محدودة.

منذ المطالع في أنطلياس حيث وُلِدا (عاصي ١٩٢٣، ومنصور ١٩٢٥)، كانا “لوناً آخَرَ” في الفن، تطوَّرَ حتى بات مدرسةً في التأليف والتلحين تأثَّر بها الشعراءُ والملحنون في لبنان والعالم العربي.

وتفرَّدَت لهما نكهةٌ خاصة، ناضحةُ الملامح، من الفولكلور اللبناني والتراث العربي والإسلامي والماروني والبيزنطي والأرمني، صدر إرثاً شرقياً متجذِّراً في الحضارات. وأعادا إحياء الموشحات الأندلسية، والقصيدة الغنائية، فدخلت إلى قلوب الشيب والشباب.

كانت شخصيتُهما الفنية مميَّزة، فجاء كل ما أبدعاه مميَّزاً وجديداً.

وضعَا هارمونيا خاصةً، وتوزيعاً آلياً للأرباع الصوتية التي كانت غير قابلة للتوزيع، فأضافا إلى فنهما مذاقاً جميلاً سائغَ الاقتبال والسماع.

وحين أسَّسا المسرح الغنائي (وهو غير الأوبرا والأوبريت، بل نوعٌ جديد مبتكر)، طرّزاه بغرابةٍ وشاعريةٍ، ووظَّفاه في خدمة الإنسان المعاصر هموماً وشجوناً وسعياً إلى الفرح والسعادة، في وطنٍ مثالي رسماه مرصوداً على الحق والخير والجمال.

ولم يَــتْــعَـبَا من دفقٍ وعطاء: أغنياتٍ، لوحاتٍ تمثيليةً وغنائية، موسيقىً متفردةً، مسرحياتٍ غنائيةً، مئاتِ الحفلات في لبنان والعالم، عشراتِ الحلقات التلفزيونية، أفلاماً سينمائية…، وفي جميعها ترسيخٌ لمدرسة رحبانيةٍ غزت الشرق قلوباً وتراثاً وذاكرةً جماعية.

ومنذ ١٩٥٥، عامَ زواج عاصي من نهاد حداد، حلّت على الأخوين نعمةُ الصوت الفريد الآسر، صوتِ فيروز الذي توَّج الثالوث الرحباني (عاصي/منصور/فيروز) طوالَ نصف قرنٍ من الزمن اللبناني الجمالي، مختلفٍ عما قبله، وقد يكون مختلفاً عما سيجيء.

إنه “الزمن الرحباني”، نحتَه الأخَوان عاصي ومنصور ظاهرةً غيرَ عادية، وجاء صوتُ فيروزَ غيرُ العاديِّ هو الآخر ظاهرةً في ذاته حملَت الزمن الرحباني إلى آخر الدنيا.

غاب عاصي، وغاب منصُور. لكنهما ما زالا حاضرَين ساطعَين في صوت فيروز التي، أطال الله عمرَها الرائع، باقيةٌ أيقونتَنا الخالدة لعصور خصيبةٍ آتية.

                                                                      من كتاب “في رحاب الأَخَوَين رحباني”

مجلة اورا العدد 11