إنّ حق السكن الكريم للإنسان مكرّس من جميع الشرع والإتفاقيات الدولية والعربية، ولكنّ هذا الحق يتمّ خرقه “عمليا” في عدد من الدول من بينها لبنان. فقد بات السكن بالشراء بدلا عن الإيجار “ضرورة” بعد أن كان خيارا، وذلك في غياب ضمانات واضحة لحقوق كل من المالك والمستأجر، بسبب غياب قانون واضح للإيجارات. وفي المقابل، فإنّ هذه “الضرورة”، تبدو اليوم صعبة التحقيق، بسبب الإرتفاع الخيالي لأسعار الشقق، أو على الأقل، بسبب التباين الفاضح بين المداخيل الفردية واقساط القروض السكنية التي تقدمها المؤسسة اللبنانية للإسكان وبنك الإسكان بالتعاون مع البنوك الخاصة، وذلك رغم جميع التسهيلات المقدمة. صحيح أنّ قروض الإسكان تبقى الحل الأنسب وشبه الوحيد لتأمين السكن، وبخاصة لدى الشباب، ولكن الصحيح أيضا، أنّ ارتفاع الأسعار يبقى دائما بالمرصاد، “يأكل” الجزء الأكبر من المدخول على مدى عشرين عاما كمعدل وسطي … فما هو وضع أسعار الشقق والقطاع العقاري بشكل عام في لبنان في الفترة الأخيرة، وما هو وضع القروض السكنية؟

 

جميع النهضات العمرانية في العالم، كانت تاريخيا مؤشراً لسلامة الاوضاع الاقتصادية وحتى السياسية والامنية. وفي لبنان وعلى مدى الحقبات كان هذا القطاع مرناً يعرف الصعود والانحدار معا ً الى جانب حالة الترّقب والانتظار، علما أنّه يشكل    14 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ولا يمكن ترقّب وضع القطاع العقاري في لبنان على المدى القريب دون القاء نظرة سريعة على الاعوام الفائتة والمقبلة، باعتبار انه يعيش في ركود  شبه ثابت منذ أذار 2011 تاريخ صدور تقرير الإدارة الأميركية حول تبييض الأموال في العالم، والذي لحظ  امكانية ان يمر عبر  لبنان قسم من هذه الأموال. وزاد الوضع سوءاً مع تفاقم الأزمة السورية وتداعياتها على الشارع اللبناني، مما ضرب القطاع الإقتصادي، وبالتالي قدرة اللبناني المُقيم على تمويل العمليات العقارية. كما أنّ المقاطعة الخليجية وتدنّي قيمة الأموال المُرسلة من المغتربين اللبنانيّين إلى ذويهم، لعبت دوراً سلبياً على القطاع رغم التسويق المضللّ لبعض الناشطين فيه، الذين يصورونه كسد منيع، غير القابل للانزلاق.
واليوم لايمكن الاطمئنان الى  أنّ الطلب سيعود كما كان عليه في الاعوام 2008 حتى 2011 في ضوء سلسلة معطيات. ويشار هنا الى ان نتائج مؤشر “بنك بيبلوس” قد لحظت أن الطلب العقاري بدأ بالارتفاع في العام 2008 وتسارعت وتيرة الطلب في العامين 2009 و2010، مما أدى الى ارتفاع المؤشر بنسبة 80% في هذه الفترة. وقد انخفض المؤشر بنسبة 40.2% في العام 2011.
وفي غضون ذلك، سجّل الطلب العقاري للوحدات السكنية في لبنان أعلى مستوى له بين أيار 2008 وآب 2010، وهي فترة تميزت بتحسن الظروف السياسية والأمنية في البلاد، لكن أيضاً بالتوقعات غير الواقعية التي أدت إلى مضاربات في القطاع. وفي الواقع، فان  الطلب على الوحدات السكنية  قد بدأ بالانحسار، عندما ارتفعت الأسعار إلى مستويات تتخطى إمكانيات معظم سكان لبنان، وعندما عادت التوترات السياسية في العام 2011 وارتفعت حدّتها في السنوات اللاحقة، وعندما تباطأ النمو الاقتصادي ووصل إلى مستويات منخفضة جداً، وحين تراجعت ثقة المستهلك في لبنان”.
ومن  أيلول 2010  الى تموز 2012، بدأ التباطؤ في الطلب في السوق العقاري بسبب ارتفاع أسعار العقارات اساساً، والتوتر السياسي، واندلاع الأزمة السورية وتدهور الأوضاع الاقتصادية لاحقا.
هذا لان الاوضاع الاقتصادية قد شهدت تحوّلات دراماتيكية، إذ إنّ اللبناني ذا الدخل المتوسط لم يعد بامكانه  شراء مسكن ثانٍ قبل اقله 10سنوات. وإذا ما كان هناك من طلب سيكون من الطبقة الميسورة والتي عادة ما يكون عددها محدوداً.
ومن الواضح ان معظم اعمال البناء التي جرت في السنوات الاخيرة كانت تعتمد بنسبة كبيرة على مداخيل خارجية من المغتربين اللبنانيين ومن الأجانب.
كما لوحظ بشكل واضح، عدم التناغم بين العرض والطلب: فعمظم الشركات يوّجه عروضاته إلى الطبقة الغنية والقسم الأعلى من الطبقة المتوسطة.

وفي مقابل كل هذا، تبدوغالبية العاملين في هذا القطاع مطمئنة، لا بل متأكدة من أنّ الشراء اليوم أفضل من الغد، وفي أسوأ الحالات متأكدة من ان الانتظار هو الحلّ والشقق الفارغة المعروضة للبيع ستجد المستثمر، ولو بعد حين.  ولكن أصحاب الإختصاص لهم آراء أخرى:

العقارات 3 أقسام

رئيس نقابة الوسطاء والإستشاريين العقاريين في لبنان مسعد فارس  لا يوافق على اعتبارالوضع العقاري اليوم في انحدار، ولا في موقع الترقب. وذلك لأنّ الوضع العقاري برأيه يقسّم الى ثلاثة أقسام:

-اولاً: الشقق التي تبلغ أسعارها ما دون ال500 ألف دولار أميركي، وهي في وضع جيد ويسجّل  طلب عليها.

-ثانياً: الشقق التي تبلغ أسعارها ما بين ال 500 ألف دولار أميركي الى المليونين دولار أميركي، وهي في وضع ترّقب وبانتظار الزبائن.

-ثالثاً: الشقق التي تبلغ أسعارها ما فوق المليوني دولار أميركي، وهي التي تواجه مشكلة الطلب، حيث باتت عملية ايجاد زبون لها اومستثمر أمراً صعباً في المرحلة الراهنة، وذلك بسبب واقع البلد السياسي ووضع المنطقة الأمني.

ولا ينفي فارس ان اسعار بعض العقارات تفوق مدخول معظم اللبنانيين، ولكن التنظيم السليم هو الحلّ.
فأي شخص يتقاضى ألف دولار كراتب شهري، لن يستطيع شراء منزل بـ500 الف دولار أميركي، لا في لبنان ولا في أي بلد آخر، وبناء عليه فإن الشاري يجب أن يدرس مدخوله ويشتري منزلا يناسبه، علما أنّ هناك عقارات للبيع تناسب جميع الميزانيات. وفي حال قام الفرد أو الزوجان بدراسة علمية لوضعهما، فسوف يجدان منازل خارج بيروت ب150 و200 الف دولار، الأمر الذي يقوم به كثير من الافراد مع التسهيلات التي يقدمها مصرف لبنان والاسكان، فيستطيع هؤلاء ب200 الف دولار شراء منزل صغير. والمعيار العالمي يبدأ بقاعدة أساسية، وهي شراء منزل صغير للعائلة الصغيرة، على أن يكبر المنزل عندما تكبر العائلة ويزيد المدخول. ليس من السهل شراء منزل في لبنان، وكذلك، ليس سهلاً شراء منزل في أي بلد آخر. من هذا المنطلق، يجب على الدولة مساعدة ذوي الدخل المحدود، وايجاد حل لأصحاب الايجارات القديمة، وجعل هذا الموضوع من أولوياتها.

الأوضاع السياسية والأمنية
من جهته، يتوقع كبير الاقتصاديين ورئيس دائرة البحث والتحليل الاقتصادي في مجموعة “بنك بيبلوس” نسيب غبريل ألا يكون مؤشر القطاع العقاري في المدى القريب  مختلفاً عما كان عليه في العام 2015 وذلك لعدة اسباب:
1- استمرار تراجع ثقة المستهلك اللبناني المقيم وغير المقيم . وان كان انتخاب رئيس للجمهورية قد يساعد المستهلك  على الاقدام على خطوات استثمارية جديدة تمتد الى 15 و20 سنة في حال تم اللجوء الى القروض لشراء العقارات.
2- استمرار ارتفاع اسعار العقارات وتمسّك البعض من المطّورين العقاريين بالسعر المرتفع، باعتبار ان انتخاب رئيس للجمهورية وتحقيق الاستقرار السياسي سيرفع الاسعار مجدداً بعد تزايد الطلب حسب قراءتهم الخاصة،علما ً ان هذه الاسعار لا تتناسب والقدرة الشرائية للمستهلك اللبناني.
ويرى ان بعض اصحاب المشاريع العقارية قد عمد الى تخفيض اسعار الشقق المعروضة للبيع، بنسبة تراوحت ما بين 20 و25%، وذلك طبقاً لوضع المطوّر العقاري والموقع، فيما ان البعض الآخر لم يدخل باب التفاوض حول الاسعار، لقناعته ان الطلب سيعود الى الواجهة.
3-  انخفاض مداخيل اللبنانيين المغتربين الذين كانوا يوظفون استثماراتهم في القطاع العقاري، وذلك بفعل هبوط اسعار النفط العالمية، خصوصا ً في بعض بلدان الخليج ونيجيريا، حيث يوجد  العديد من اللبنانيين الذين اما فقدوا وظائفهم واما خضعوا لحسومات على رواتبهم. اذاً الوضع لن يعود الى ما كان عليه قبل 2015، كما ان المطوّر العقاري المتمسّك بالسعر العالي لن يساعد في تحريك السوق.
ويؤكد غبريل ان اسعار العقارات المعروضة اليوم لاتناسب القدرة الشرائية سواء للبناني المقيم او المغترب، وبخاصة ان الاقتصاد اللبناني يعاني من التباطؤ منذ 5 سنوات. وفي غياب الاستقرار السياسي، يبقي الجميع في حال ترّقب وانتظار.
ووفق مؤشر بنك بيبلوس، فان المستهلك اللبناني عنده شك في وعود السياسيين، وقد لوحظ تراجع ثقته بنسبة 60% في العام 2015. وفي حال حصل الاستقرار السياسي فهذا لن يحسّن من مدخول اللبناني رغم ان ردة الفعل الايجابية ستحرّك السوق الاقتصادي .

هواة ومحترفون
ويقسم غبريل اوضاع المطوّرين العقاريين الى فئتين: فئة الهواة الذين دخلوا السوق بين 2009 و2010 وهؤلاء يتمسكون بثبات الاسعار المرتفعة بعيداً عن اي دراسة علمية، وفئة المطوّرين المحترفين التي ادركت واقع السوق الحالي وحاجاته، لاسيما ان البعض منها اتجه نحو بناء الشقق الصغيرة التي لاتزيد مساحتها عن الـ 100 متر مربع وخارج بيروت. وفي هذه الفئة، من نجح في تحقيق هامش من الارباح.
ويرى أنّ السوق العقاري هو “كمصعد، فيه الصعود كما النزول” وهو كغيره من القطاعات معرّض للنزول بعد الصعود السريع الذي حققه، بعيداً عن النظريات التي تطلق بين الحين والآخر. ولكن في المقابل، لا يمكن القول ان القطاع العقاري متجه نحو الانهيار. واذا كانت فورة القطاع بين 2005 و2010 قد ادّت الى  دخول هواة من المطّورين الى السوق، فان وضع هؤلاء ليس سليماً  في غياب مؤشر واضح للاسعار.
وعما يمكن ان يحرّك السوق العقاري اليوم يشير غبريل الى سلسلة امور اهمها:
1-  تناسب الاسعار مع القدرة الشرائية للبناني، على ان يواكب هذا التدبير الاستقرار السياسي والامني الى جانب تأمين المدخول المضمون للمواطن المقيم وغير المقيم.

2- اعادة النظر بكلفة تسجيل الشقق المرتفعة نسبياً بسبب الفوائد.  وهنا دور وزارة المال باعتماد آلية مريحة لتقسيط هذه  الكلفة.

3- اقرار البرامج الاقتصادية التي تلحظ زيادة عدد السكان والدخل الفردي، علما ً ان مصرف لبنان لا يوّفر الجهود في هذا المجال، حيث يساعد المصارف المقرضة على  تقديم السلات التحفيزية .

القروض السكنية 

في ظل كل ما تقدّم، يبدو أنّ القطاع العقاري في لبنان يعاني، فعمليات البيع، وإن بقيت موجودة، فإنها تتأرجح صعودا ونزولا للأسباب المذكورة أعلاه، ولكن القروض السكنية سجلت في الفترة الأخيرة تصاعدا مستمرا. وذلك بسبب ضعف القدرة الشرائية لدى غالبية اللبنانيين. هذا ما يشرحه رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للاسكان روني لحود، لافتا الى ان اسعار الشقق الصغيرة والمتوسطة لم تتراجع، بل زاد عدد الطلبات على القروض السكنية في النصف الاول من 2016، بنسبة 450 طلباً حيث تم توقيع 450 اتفاقية قرض جديدة، لشقق تم تسجيلها لمصلحة المقترضين.

وبلغت قيمة القروض التي تم ضخها في السوق العقارية 420 مليار ليرة منذ بداية العام وحتى اليوم، اي بزيادة 72 مليار ليرة عن الفترة نفسها قبل عام اي اول خمسة اشهر ونصف من العام 2015.

وعما إذا كانت اسعار الشقق قد هبطت أو تتجه نزولاً ،يؤكد لحود، المصارف لا تستثمر في قطاع وهي تعلم انه يتجه نزولا، ولم تكن لتدفع 420 مليار ليرة في سوق تتجه الى الهبوط، وطمأن اللبنانيين الى ان المعدل الوسطي للقرض السكني سجل زيادة في السنوات الثلاث الماضية، حيث بلغت قيمته 181 مليون ليرة لبنانية في العام 2014، ثم زاد المعدل الى 186 مليون ل . ل في اول خمسة اشهر ونصف من العام 2015.
ويشير لحود الى ان هذه الزيادة تشير الى ان الشقق لم تهبط اسعارها، حيث ان الاسعار لو هبطت، لكان المعدل الوسطي للقرض انخفض بدوره.
إنّ قروض المؤسسة العامة للاسكان، تشكل ما نسبته 60 في المئة من القروض العقارية والسكنية الممنوحة من المصارف، وهي مدعومة من مصرف لبنان. وهذه القروض تشمل 4 حالات:

-شراء منزل جاهز.

-بناء منزل.

-ترميم منزل تملكه سابقا أو بالإرث.

-توسيع مسكن.

وحسب لحود فإن التعثر بالسداد نسبته منخفضة جداً، لم تزد عن واحد في المئة في العام 2015 وصدرت احكام بـ 59 دعوى قضائية وبيعت الشقق بالمزاد العلني، وهذا يشمل القروض الممنوحة من المؤسسة ومن باقي الجهات المانحة، حيث ان كل القروض تصب في جهة قضائية واحدة. اي ما لا يقل عن 90 الف طلب ساري المفعول حتى اليوم، تم البت بها في اللجنة القضائية، بيع في المزاد منها فقط 59 منزلاً خلال العام 2015.

خلال السنة الاخيرة، تم منح 9 آلاف قرض سكني، منها 5 آلاف من المؤسسة العامة للاسكان وحدها. والمؤسسة تتعامل مع 28 مصرفاً تجارياً.

أما من يحق لهم الحصول على قرض سكني من المؤسسة، فهم ذوو الدخل المتوسط والمحدود، اي من يبلغ راتبه دون العشر مرات للحد الادنى للاجور في لبنان، اي اقل من 4500 دولارا شهريا، ويمكن مساعدة الشريكين عبر احتساب راتبي الشاب وخطيبته. وعلى طالب القرض ان يستوفي الشروط الاتية:

  • لبناني مقيم في لبنان.
  • لبناني اكثر من 10 سنوات.
  • العمر 21 سنة.
  • لا تزيد مساحة الشقة عن 200 متر.
  • لا يكون الزبون مالكا لشقة اخرى ضمن مسافة 25 كلم من مركز عمله.
  • سقف القرض الممنوح حتى 270 مليون ليرة لبنانية.
  • تحتفظ المؤسسة بوديعة 10 في المئة، ويحصل الزبون على المبلغ المتبقي.
  • العملة هي بالليرة اللبنانية، مما يضمن للزبون عدم التعرض لمخاطر اي تغيير يحصل للعملة.

 

… وبعد، يبدو أنّ القطاع العقاري هو ككل القطاعات يتأثر بالأوضاع السياسية والأمنية، ويبدو أيضا أنّ هذا “التأثر” سيطول في غياب أي بوادر حلول، على الأقل في المدى القريب. ولذلك يبقى البحث في قانون واضح وعادل للإيجارات، الحلّ الأمثل والأسرع  لجزء كبيرمن مشكلة السكن، وبخاصة سكن الشباب.

لارا سعد مراد