صديقي القارئ قد تتساءل لماذا هذا المقال في مجلة خدماتية! وربما تكتشف بأنه لم يأتِ بجديد. لأن كل شيء معلوم ومفهوم وواضح والحياة «ماشية» ومستمرة لا محالة. ولكن هل بإستطاعتنا أن ننسى بأن الفلسفة والعلوم والأبحاث والإختراعات والأدوية وكل التطورات والتكنولوجيا جاءت نتيجة أسئلة متراكمة في التاريخ: لماذا الموت؟ لماذا الأمراض القاتلة؟ لماذا كل هذه الظواهر المختلفة؟ لماذا لا نجد طريقة أفضل للحياة تنقذ الإنسان وتساعده؟

نعم صديقي القارئ، المشكلة كلها اليوم في عدم طرح الأسئلة، وإذا طرحت الأسئلة تبقى المشكلة الأكبر في عدم السعي، للإجابة عليها. يحاول العالم دائماً أن يقنعنا بأن كل الأجوبة متوفرة وجاهزة. الكل جاهز للإجابة عنك. إن كل ما تريده تحصل عليه بكبسة زر، ولست بحاجة إلى جهد وإلى تشغيل عقلك وترويض فكرك وإمتحان قلبك.فبعد خبرتي الطويلة في الحياة (54 سنة) أصبحت أضج بكمّ هائل من التساؤلات، أصبح لدي مكتبة قيّمة تحتوي على مجلدات كثيرة. تساءلت كثيراً في حياتي وطرحت الأسئلة ولا زلت أطرحها. منها ما وجدت بعض الإجابات عليها، ومنها ما زلت أفتش بإصرار لأجد الجواب، ومنها أنتظر أن يعطيني الآخرون أجوبة صحيحة وواضحة عليها.

إني أسأل ذاتي دائماً: ماذا أريد؟ ولماذا أريد هذا وليس ذاك؟ لماذا أفعل ما أفعله، وليس ما يفعله الآخرون؟ هل ما أفعله بهذه الطريقة يخدم أهدافي الحقيقية في الحياة ويخدم الآخرين؟ أم أن ما لا أفعله، أو أخاف أن أفعله، أو لم أرد فعله، قد يخدم أكثر القضية ، وبقوة الآخرين؟ هل إنها الطريقة الفضلى في تحقيق الإجابة على عمق الأسئلة، أم هنالك طريقة أنجع؟ لماذا ما زلت على قيد الحياة وغيري قد أصبح في العالم الآخر؟ لماذا الخوف والموت؟ لماذا الحروب والدمار والبغضاء؟

نعم صديقي القارئ الأهم من كل هذه الأسئلة التي لا تنتهي، حتى لو إتسعت لها مجلاّت العالم كله وجرائده، أنك في طرحك للأسئلة أنت تفكر، تفتش، تحلم، تساعد، تغامر، تجرّب… والأهم الأهم أيضاً يكمن في نوعية جوابك: محبتك، تضحياتك، خبرتك، قلبك المفتوح كما جرحه المفتوح، نبع الحياة والعطاء والمسامحة لأن الغفران لله وحده. وفي هذا الإطار لا بدّ أن نسأل ذواتنا اليوم بالتحديد: لماذا الإحباط والإرهاق والحروب والكراهية والفشل المتكرر وغياب الاستراتيجيات والإستنهاض في مجتمعاتنا؟ الأخ يحارب أخاه والأب ولده والأم إبنتها؟

صديقي القارئ كل العبرة تكمن في جوابك بوضوح: جوابك هو أنت. صدقك مع الآخرين، جوابك محبتك لهم بعيداً عن الإدانة. ولن يكون جوابنا على سؤال: لماذا الحياة والموت؟ إلا بالحب الكبير الذي هو مصدر حياة في كل محطة من عمرك، ما دام قلبك ينبض وما دمت في خدمة الإنسان. نعم جوابك على الإسئلة هذه هو أن تكون «حركة –بركة» في حياة العالم وحياة الآخرين. جوابك على علامة الإستفهام ليس في حائط مبكاك اليومي، بل في بكائك وأنت تفتش عن أخيك ليخلص وليخلّص العالم.

جوابك هو مسيرتك التي تعيشها على دربه لكي تصبح بدورك درباً في شعاب هذه الدنيا يسير عليها من يريد جواباً بالعيش والشهادة الحقة، وليس في التحليل والفلسفة وكتابة المجلدات.إعلم صديقي إن نصفك سؤال ونصفك الآخر جواب، وكلما كان السؤال عميقاً وحقيقياً وصادقاً، كلما كان الجواب شهادة ساطعة، ومسيرتك مسيرة حب رائد. نعم أنت حقل رائع لنصفيك لكي تحقق الحوار بين السؤال والجواب، حوار أبدي بين نصفك المتساءل ونصفك الآخر المجيب. تسأل في عقلك وتجيب بكل قواك. تجيب بقلبك وبكل ما أوتيت من قوة.

هكذا تصبح حياتنا ورشة حياة لا تهدأ: سؤالك أبدي وجوابك أبدي، فتدخل انذاك في الأزل، لأن لا أبدّ بدون عقل فيّاض منوّر، وقلب محبّ ومعطاء. وعندما تصبح في الأبد، تصبح في السيد، وتصبح قيامة في القيامة. وطريق في الطريق. ومشروع حب في مشاريع الخلاص. عندها نتخطى مسافة السؤال وحدوده، وندخل في سر الجواب الأبدي. وفي جوابنا الحقيقي مسيرة نيّرة، وفي حبنا العميق بقاء، لتصبح ومضة في النور الأزلي.

إذاً ليس المهم أن يحيا المرء أموراً خارقة، على حد قول أحدهم، بل أن يحيا الأمور العادية بشكل خارق. ولأن الحياة الأبدية ليست كلمة تقال فنركن إليها. إنها كشف كبير نؤتاها بالروح الإلهي وتكلفنا كل العمر لنألفها بهذا الصدق الداخلي الذي يجعلها على الإيمان. لأنه إن لم يكن الله مرجعك فالأشياء كلها متعادلة.

الأب طوني خضره

رئيس إتحاد أورا