” الكرة في ملعب الفريق الخصم”، ” الحدود الدفاعية”، ” مرمى الهجوم”، “اختراق”، “تسلل”، “دفاع”، “هجوم”…

لسنا في نقل مباشر لمباراة حماسية في كرة القدم، ولا أمام نشرة إخبارية من أيام الحرب، بل نحن أمام المشهدين معا.

المشهدان اجتمعا في فيلم وثائقي لبناني، تحت عنوان: “لبنان يفوز بكأس العالم”، سجّل نجاحات واسعة من خلال فوزه بجائزتين عالميتين.

خلال 23 دقيقة هي مدة الفيلم، استطاع المخرج اللبناني الشاب طوني الخوري والأميركي أنتوني لابيه، من الجمع بين أهمّ لعبتين في العالم: “لعبة الجماهير” وهي كرة القدم، و”لعبة الأمم” وهي الحرب. وبين اللعبتين قصة غفران صعبة، جمعت بين مقاتلين مسلم ومسيحي حملا السلاح في الماضي ومارسا ألدّ أنواع العداوة بينهما خلال المعارك الطائفية التي امتدت فصولها على مدى سنوات الحرب. وقصة الغفران هذه ليست وليدة عمليات مصالحة شائكة، بل وليدة قاسم مشترك لطالما جمع العدوين اللدودين ببساطته وعالميّته: عشق كرة القدم، وتحديدا فريق البرازيل.

الفيلم الذي فاز بجائزتي مهرجاني وارسو، وسانتا باربرا السينيمائيين الدوليين في العامين 2015 و2016 ، عن فئة أفضل فيلم وثائقي قصير، هو إنتاج لبناني تعاون على إنجاحه، مجموعة من الشباب اللبنانيين والأميركيين الواعدين:

-الإخراج: طوني الخوري وأنتوني لابيه

-الإنتاج: آلن سيف، طوني الخوري وأنتوني لابيه

-الموسيقى التصويرية: “أوك” (الاسم الفني للمؤلف الموسيقي والمغني آلن سيف، وهو يعني “السنديانة”)

-إدارة التصوير: ريتشارد بلان وريتشارد مطر

-المونتاج: طوني الخوري وتيموثي زغلر

-الإدارة الفنية: آلن سيف وإلسي حداد

-الإشراف على القصة: باخوس بعلبكي وكريم قليلات

-تصوير: ريتشارد مطر، طوني الخوري، كرم غصين وحسام الحريري

-مساعدة على الإخراج: آلن سيف، ريتشارد مطر وإلسي حداد

-تصميم الصوت: جان جبران

-ضبط الألوان: خليل أبو الروس

-الإشراف على اللغة الإنكليزية: ماري جاميسون

الإشراف على اللغة العربية: جو الياس.

 

طموح وصداقة

ويبدو مما تقدّم أنّ القيّمين على الفيلم كان لهم أكثر من دور فيه، كونه إنتاج شخصي، غير مموّل من جهات كبرى.وهو ما شكّل بالنسبة اليهم، تحدّيا أوصل العمل الى ما وصل إليه، على حدّ قول المخرج خوري والمنتج سيف، اللذين جمعتهما الصداقة قبل أن يجمعلهما الفيلم.

تخصص خوري في العلوم السمعية-البصرية في جامعة القديس يوسف في بيروت، تخرّج عام 2005 ، وعمل في هذا المجال في لبنان والخارج. عام 2010 التقى بآلن سيف، المؤلف الموسيقي والمغني اللبناني العائد حديثا الى لبنان، بعد فترة اغتراب طويلة قضاها بين أستراليا ونيوزيلندا وفرنسا. صداقتهما كانت تلقائية، مردّها الى الكثير من القواسم المشتركة بينهما، وعلى رأسها “الطموح بتقديم عمل يشبهنا”، كما يقولان. أما المخرج الأميركي للفيلم أنتوني لابيه، فقد قاده الطموح عينه الى المشاركة في الفيلم، هو الذي بدأ حياته المهنية كصحافي في “نيويورك تايمز” وغيرها من الصحف، قبل أن ينتقل الى الإنتاج، حيث أنتج أفلاما وثائقية عدة، بينها وثائقي خاص عن حرب العراق الفائز بإحدى الجوائز العالمية. للابيه إصدارات عدة، بينها قصة عن الحرب أيضا ترجمت الى 4 لغات.

يهوى الخوري وسيف عملهما، ولكنهما يعتبرانه “مهنة مثل كل المهن”، فالفنّ كما يقولان، هو”صناعة مع قليل من الفكر”. والأهمّ بالنسبة إليهما هو “أن يحبّ الإنسان عمله”. يطمحان الى فيلم جديد يتعلّق بالحرب العالمية الأولى، وتحديدا لبنان خلال فترة المجاعة. يريان أنّ غياب المراجع التاريخية الموحدة هو صعوبة قد تواجه هذا العمل، ولكن “لا شيء مستحيلا”، يقولان. ينظران الى لبنان من بعدين: الوطن والغربة. ومن هذين البعدين تغدو النظرة الى المفاهيم الإنسانية أكثر حرية وشمولية، وأقوى قدرة على الجمع بين المتناقضات، كما يبدو في فيلم “لبنان يفوز بكأس العالم”.

وإذا كانت الصداقة والطموح هما اللذان جمعا الخوري وسيف ولابيه، فما الذي جمع فعلا بين إدوار وحسن، بطلي الفيلم؟

صديقان “لدودان”

حمل إدوار المقاتل السابق في صفوف القوات اللبنانية السلاح خلال الحرب، دفاعا عن وطنه، كما يقول، وعن الوجود المسيحي فيه. أما حسن، فحمل السلاح في المقابل مقاتلا في صفوف قوات الحزب الشيوعي، دفاعا عن الحقوق والعدالة الاجتماعية على حد قوله. كلاهما قاتلا بالأمس تحت عناوين عريضة، فضفاضة، ليتبيّن لهما لاحقا، أن القضايا التي دافعا عنها غائبة، فيتساءلان معا: أين هي القضية؟

ثلاثة عقود من الحرب، والقتال الشرس والضحايا والدمار، اختصرتها تجربة مقاتلين لدودين وكاميرا، فأصبحا بطلي فيلم بعد أن كانا بطلي حرب واثنين من جرحاها. اكتشف إدوار وحسن بعد أكثر من ثلاثين سنة، أن “لعبة” الحرب لم تنته برابح وخاسر كما تنتهي لعبة كرة القدم في نهاية كل “ماتش”. اكتشفا أن المدافع لم تهدأ فجأة خلال اجتياح العام 1982، نتيجة “اتصالات مكثفة من أجل الهدنة”، بل لأنّ “المونديال” قد بدأ، والمقاتلون-وهما منهم-  يريدون أن يشاركوا في لعبة أخرى: متابعة “ماتش” البرازيل-إيطاليا…! هدأت المدافع فجأة، لتعود وتشتعل، بعد أقلّ من ربع ساعة على انتهاء “الماتش”… لعبة تنتهي لتبدأ لعبة أخرى.

إدوار وحسن، كشفا أمام الكاميرا، ما اكتشفاه أخيرا: قاتلنا بدون سبب، وخسرنا حياتنا وشخصيتنا وأحلامنا. حول سيجارة وأمام “ماتش” على شاشة التلفزيون، بين فريقهما المفضل البرازيل وألمانيا عام 2014، التقيا ليكتشفا ويكشفا. تحاورا للمرة الأولى وجها لوجه، بعد أن كان حوارهما خلال المعارك عبارة عن تهديدات وشتائم متبادلة عبر “الجهاز”. وكما كان يجمعهما بالأمس فرح فوز البرازيل في اللعبة، جمعتهما  خسارتها المدوّية أمام ألمانيا 7/1 في “مونديال” العام 2014، فحزنا معا. ولكن على أيّ لعبة حزنا بالتحديد، كرة القدم أو الحرب؟ لعبة الجماهير أو لعبة الأمم…؟

مشاهد الحديد والنار، وهوس اللبنانيين بكرة القدم، تناقض واضح، هو في الوقت عينه قاسم إنساني مشترك، وضعته الكاميرا أمام الرأي العام، بتجرد وواقعية، لتقول أنّ أهمّ العلاقات الإنسانية، هي القائمة على الغفران، والمصالحة مع الماضي والذات. وأنّ صفحة الحروب والحقد لا تنهيها اتفاقات السلام المرسومة على الورق، بل القدرة على نبش القواسم الإنسانية المشتركة المدفونة تحت الأنقاض، وإخراجها الى النور.

“كرة” النار أمسكها الفيلم اللبناني-الأميركي بيديه ووضعها في ملعب المتحاربين في لبنان والعالم، فهل يتلقّفونها ويسعون الى السلام الحقيقي، أم يواصلون تركيب “أفلامهم” واللعب بمصير شعوب”الكرة”… الأرضية؟

ل.م