يشبّه كثيرون مفاعيل قانون تملك الأجانب خلال العقدين المنصرمين بمفاعيل مرسوم التجنيس لجهة المخالفات والإرتكابات بحق الوطن والمواطن.

في حين أريد فتح باب التجنيس لتسوية أوضاع من يحق له بالجنسية، إذا بالمجنسين الجدد من كل واد عصا… «وشي تكتك شي تيعا»، كما يقول المثل اللبناني. والشيء نفسه بالنسبة إلى قانون تملك الأجانب الذي أريد منه في الأساس إجتذاب الإستثمارات وتكريس مقولة لبنان الوطن الثاني للرعايا العرب، وتثبيت الحضور السياحي العربي في لبنان، فإذا بالقانون يتحول معبراً لبيع الوطن بالتقسيط من خلال المراسيم التي كانت تصدر بالجملة في كل جلسة من جلسات مجلس الوزراء سابقاً، بإعتبار أن تملك الأجنبي ما يزيد عن 3 آلاف متر مربع يستوجب ترخيصاً من مجلس الوزراء، وقد بيعت آلاف، لا بل ملايين الأمتار المربعة بهذه الطريقة التي فاحت من بعضها روائح الشبهات والسمسرات. الواضح أن السخاء في منح التراخيص في ظل الحكومات السابقة أدى الى تجاوز ملكيات الأجانب الحدود التي يسمح بها القانون، الذي لم يحسم طريقة الإحتساب، وما إذا كان ينبغي إحتساب ملكيات الأجانب قبل صدور القانون من ضمن النسبة الرسمية أو لا. نسأل في هذا المجال، على سبيل المثال، هل تحتسب مساحة سوليدير من نسبة العشرة في المئة المقررة لمحافظة بيروت أم لا؟ هل تحتسب المشّاعات في المحافظات من ضمن الثلاثة في المئة أم لا؟ وغير ذلك من الأمور التي إستغل غموضها المضاربون والسماسرة ليسرقوا «مرقد العنزة» من أمام كل شاب يسعى إلى بناء عائلة.

كل ذلك في الوقت الذي تحترم كل الدول هويتها ولا تمنحها إلا لمن يشكل قيمة إضافية للوطن، وفي الوقت الذي تحرص الدول حتى الأكبر بكثير من لبنان على عدم السماح ببيع أرضها للأجانب إلا لتنفيذ مشاريع توضع في نهاية المطاف في خدمة أبناء البلد.

الصرخات تتوالى

أمام هذه المخالفات والإرتكابات، برزت بعض الصرخات التي بقيت حتى الآن، مع الأسف، صرخات في واد.

فالوزير بطرس حرب تقدم بمشروع قانون إلى رئاسة مجلس الوزراء في 29/12/2010 يتعلق بمنع بيع الأراضي بين أبناء الطوائف المختلفة لمدة 15 سنة «للحيولة دون الفرز السكاني الطائفي وضرب صيغة لبنان».

لكن البطريرك بشارة الراعي، عندما كان راعي أبرشية جبيل المارونية إعتبر أن هذا الأمر صعب العمل به لأنه ينافي ما جاء به الدستور اللبناني، الذي يقر بحق الملكية والتصرف بها. وربما طرح وزير العمل بطرس حرب يرمي إلى الوصول إلى نوع من الميثاق بين المسلمين والمسيحيين، بحيث يحترم كل فريق حساسية الطرف الآخر».

بعد حرب تقدمت الرابطة المارونية بالتنسيق مع عضو تكتل التغيير والإصلاح النائب نعمة الله أبي نصر بتعديلات مهمة على قانون تملك الأجانب نالت موافقة النواب الموارنة أولاً، ثم المسيحيين بشكل عام لتصل إلى المجلس النيابي في الفصل الأول من العام 2011، غير أن هذه التعديلات لم ترَ النور منذ ذلك الحين، بل بقيت تتخبط وتترنح في لجنة الإدارة والعدل النيابية وسط مشاكسات بعض النواب الذين يستهدفون إحباط المساعي الجارية من أجل وضع الضوابط للقانون القائم والحؤول دون التحايل عليه.

شيطان التفاصيل

يقول رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب روبير غانم «أنه تمّ «التوافق مبدئياً» على معالجة عدد من النقاط أولها كيفية منع الأجنبي من المضاربة العقارية، سواء كان هذا الأجنبي فرداً أو شركة، لأن مثل هذه المضاربة تحول دون تمكن المواطن اللبناني العادي من شراء قطعة أرض يقيم عليها سقفاً لبناء أسرة».

والنقطة الثانية، يضيف غانم «تكمن في تحديد من هو الأجنبي، ووضع الضوابط بالنسبة إلى الشركات والجمعيات المكونة من لبنانيين، لكن نظامها يسمح لها بالتفرغ عن بعض ما تملكه للأجانب على أن تكون شركات قابضة وتحمل أسهماً كاملة».

وإذا كانت اللجنة قد إتفقت مبدئياً على بعض النقاط، فإن التفاصيل كان يحكمها الشيطان، وهو ما تأكد حتى هذه اللحظة، مع أن غانم يرى أنه يمكن المحافظة على الطابع الإستثماري للقانون مع تشجيع الإيجار الطويل الأمد، إلا أن المهم هو كيفية وضع الحوافز لتشجيع هذا النوع من الإيجار، وقد يكون الحل في تفعيل دائرة الأجانب في مديرية الشؤون العقارية التي تلقى على عاتقها وضع الضوابط قبل إرسال مشروع الإستثمار العقاري إلى مجلس الوزراء، ومن ثم متابعته حتى بعد الإستحصال على الرخصة، أي في حال لم يقم المستثمر بما نص عليه مضمون الرخصة خلال فترة خمس سنوات مثلاً. كما هي الحال في القانون القائم اليوم يمكن لتلك الدائرة أن تفرض مثلاً ضريبة «لم يتم التوصل إلى آلية لها بعد». وهنا قد تكون المشكلة كما حصل في مشروع قناة باكيش الذي بيع من رجل أعمال سعودي بحجة إقامة مشروع سياحي عليه خلال خمس سنوات، لكن المهلة إنقضت، وتبين أن المستثمر حوّل المشروع إلى مشروع تجاري يرتكز على إفرازات دون الألف متر مربع لبيع العقار البالغة مساحته مليوناً و30 ألف متر مربع، غير أن فتح هذا الملف أدى إلى إعادة شراء المشروع من قبل لبنانين مع أن المبلغ الذي دفع وصل إلى حد 10 أضعاف سعر الشراء من قبل السعودي. وكما ضجت الساحة الوطنية بصفقة قناة باكيش، ضجت كذلك بصفقة تلة الصليب في فتوح كسروان، الأمر الذي أدى إلى إستعادة الصفقتين.

ويكشف النائب نعمة الله أبي نصر عن المفاعيل السيئة لقانون تملك الأجانب فيشير إلى «أن بيع الأراضي في قرى كسروان يضرب كل منطق ومعقول، ففي قرية كفرتيه التي لا يتجاوز عدد ناخبيها 200 شخص،

هناك 120عائلة من دولة معينة وطائفة معينة إشترت أراضٍ فيها. وفي بلدة عجلتون هناك 191 عائلة أجنبية متملكة عقارات وشققاً. وفي بلدة فيطرون هناك 150 عائلة أجنبية. وفي ميروبا 254 عائلة من بلد خليجي».
ويعتير أبي نصر «أنه إذا كنا لا نرى في القانون سوى الإستثمارات، فإن الإستثمار يتم بعدة طرق. ويفترض ألاّ أبيع أرضي بعد هويتي، لكي أرضي هذا المستثمر أو ذاك».
«إن كل ما يهمني أن يبقى اللبناني قادراً على شراء قطعة أرض لبناء مسكن عليها والبقاء في الوطن. لأنه إذا إستمرت الحال على هذا المنوال، فإن الفوائض النفطية لدولة خليجية واحدة كافية لشراء أرض لبنان كلها».

فهل هذا هو المطلوب من مسايرة المستثمر؟!».
مارون حداد