الأب كميل حشيمه اليسوعيّ (1933-2015)

ولد الأب كميل حشيمه في المنصورة في دلتا النيل سنة 1933 ولكنّه ما أخفى بكفاويّته أبدًا. فبين المزح والجدّ كان يستطيب أن يعلن أنَّ بلدة أجداده بكفيّا هي «عاصمة الدنيا وعامود السماء». فيها بدأ دروسه الابتدائيّة، وبعد ذلك التحق بثانويّة اليسوعيّين ببيروت (الّتي أصبحت فيما بعد مدرسة الجمهور)، فتخرّج منها عام 1951. ولكنّه ما لبث أن التحق بالرهبانيّة اليسوعيّة وتابع التنشئة المعهودة فيها لمدّة ستّة عشر عامًا. تخصّص بالآداب العربيّة في جامعة ليون حيث حصل على الدكتوراه وموضوعها كتاب الأب لويس شيخو (ماردين 1859- بيروت 1927) “النصرانيّة وآدابها بين عرب الجاهليّة”. ولمّا عاد إلى لبنان عام 1967، تسلّم إدارة مدرسة الجمهور حتّى بداية الحرب اللبنانيّة، فبنى هناك صداقات قويّة مع قدمائهاحافظ عليها طيلة حياته.

إهتمّ الأب كميل بالترجمة الّتي علّم اصولها في جامعة حلب خلال رسالته في سوريا (1975-1987) وقد ترجم عشرات النصوص معظمها من الفرنسيّة إلى جانب أخرى من الإيطاليّة والإسبانيّة والإنكليزيّة واللاتينيّة، ألّف أيضًا في الأدب واللغة في التاريخ والدينيّات والتربيّة الدينيّة عشرات الكتب.

والحقيقة تُقال،قد أَلهَمَ«سلطانُ اللغة العربيّة» لويس شيخو حياةَالأب كميل الفكريّة الرسوليّة. كما معلّمه، عشق اللغة العربيّة، وتمكّن منها وعرف أسرارها. كم استاء من سوء استخدام تراكيبها وتشويهها (على ما يقول) بالعبارات الأجنبيّة والعاميّة! فالاستماع إلى نشرات الأخبار المتلفزة كاد يكون معه مراجعة للقواعد العربيّة، إذ ما كان يفوته خطأ فيصحّحه بشيء من الحدّة العفويّة. استلهم من لويس شيخو أيضًا همّه بإبراز دور المسيحيّين في بناء الصرح الثقافيّ العربيّ. وبعد الأطروحة الّتي أشرنا إليها أعاد نشر موسَّع ومصحَّح لكتب شيخو”علماء النصرانيّة في الإسلام”، “وزراء النصرانيّة وكتَّابها في الإسلام”، “شعراء النصرانيّة في الجاهليّة وبعد الإسلام”. وقد توّج اهتمامه بهذا الحيّز البحثيّ بعمل موسوعيّ نشر منه سبع مجلّدات وعنوانه:”المؤلِّفون العرب المسيحيّون من قبل الإسلام إلى آخر القرن العشرين” (2009 وما يليها). أراد أن يحصي فيه مساهمات المسيحيّين في إثراء التراث العربيّ ليذكّرهم بالدور الّذي أدّوه وليدفعهم إلى المزيد من الالتزام بمشاركة المسلمين في بناء ثقافة مشتركة. كتب نصف الجزء الثامن من موسوعته، وبعد أن رفضت أصابعه التحرّك، راقب وصحّح عمل الفريق الّذي يتابع العمل تحت إشراف معهد الشرق المسيحيّ للبحوث والمنشورات (CERPOC) في جامعة القدّيس يوسف في بيروت. وسيُنشر هذا الجزء الثامن في الاسابيع المقبلة. ولعلّ تأثير مثال شيخو على ابن بكفيّا، يتجلّى في سعيه مع يسوعيّين آخرين إلى إعادة نشر مجلّة “المشرق” عام 1990 الّتي كان قد أسَّسها اليسوعيّ الماردينيّ، وكانت قد توقّفت قسرًا عام 1970. كتب الأب كميل الكثير من المقالات والأبحاث الدينية والفكريّة والاجتماعيّة والتربويّة والتاريخيّة والأدبيّة واللغويّة بالإضافة إلى مراجعته ونقده بضع مئات من الكتب، وقد صدرت بأغلبيّتها على صفحات هذه المجلّة التابعة لدار المشرق الّتي تسلّم إدارتها مدّة إحدى وعشرين سنة (1987-2008).

كان الأب كميل رياضيًّا يهوى الركض، وقد شارك في الماراثونات في لبنان وفي الخارج.  والرياضة بالنسبة إليه هي نمط حياة تختصره قيمُ تخطّي الذات والعصاميّة والمثابرة. هو الّذي أمضى حياةً نشيطة ومنتجة وحيويّة، أقعده الشلل أكثر من سنة، فكان يرى أطرافه تسكن رويدًا رويدًا، فتهيّأ للقاء المسيح الّذي خدمه في حقل الثقافة بتسليم ذات مدهش وببسمة استعادت نضارة الطفولة. سلَّم أمره لسيّدة النجاة الّتي كرَّمها وأحبّها كواحدة من أهل بيته، ورحل في اليوم الثالث من شهر كانون الأوَّل 2015 يوم عيد مار فرنسيس كسفاريوس اليسوعيّ الرياضيّ. فليكن ذكره مؤبَّدًا!

الأب روني الجميّل اليسوعيّ

مدير مركز التراث العربيّ المسيحيّ للبحث والتوثيق والنشر

كلّية العلوم الدينيّة – جامعة القدّيس يوسف في بيروت