لم تكن مبدعة الشرق في فن العمارة زها حديد تعلم ان الموت سيكون أسرع من رحلتها الى بيروت. قالت أنها ستزورلبنان قريباً. لكن تلك الزيارة المقرّرة بقيت محض أمنية. فجأةً بكت حجارة العمارة، وانتهى كل شيءٍ في بيان نعاها خلاله مكتبها: “بحزن كبير تؤكد شركة زها حديد للهندسة المعمارية ان زها توفيت بشكل مفاجىء في ميامي هذا الصباح (31 آذار الماضي). كانت تعاني من التهاب رئوي أصيبت به مطلع الأسبوع وتعرضت لأزمة قلبية اثناء علاجها في المستشفى”. لكن قائدة العمران في زمن قادة الدمار لم ترحل في مفهوم العقل والابتكار. هي صامدة لا تتزعزع. نسيج مخيّلتها باقٍ في كلٍّ تصميمٍ حوّله اصرارها الى حقيقة. وما اكثر المباني التي تعجّ بالبشر اليوم، التي بنت سقفها الآمن زها حديد! وهي في لبنان أيضاً، كان لها بصمة عمرانية، الى جانب حكايات النوستالجيا التي يعود الزمان بها الى مرحلة الدراسة الجامعية. هي درست في الجامعة الأميركية في بيروت، وانطلقت من ارض لبنان المعرفة، الى العالم أجمع..

يعتبر مبنى معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت أوّل مشروع شيّدته المهندسة العراقية ـ البريطانية زها حديد في العاصمة اللبنانية، وهو من بين مشاريع أخرى عديدة كانت تنوي تشييدها في وقتٍ لاحق. وتمحورت فكرة التصميم على جعل المبنى عائماً فوق الباحة الأمامية للمدخل، مما يساهم في توفير مساحات اضافية للعامة ويحافظ على المساحات الخضراء والتضاريس الطبيعية للجامعة. واعتبر هذا المبنى كاسراً للنمط التقليدي الذي تميّزت به عمارة الجامعة ووصف في أنه “الأكثر تميّزاً وبعداً”.
الى جانب معهد الجامعة الأميركية، أشرق ابداع زها حديد في أسواق بيروت مع تولّيها فكرة تصميم وتشييد مبنى شركة “آيشتي” الذي توفيت قبل أن تستطيع أن تراه كاملا. وصفت حديد بالمرأة “الحديدية” و”مهندسة مباني الأحلام” ، وقد ولدت في31 تشرين الأول 1950 في بغداد، وهي ابنة وزير المالية الأسبق محمد حديد (الموصل 1907- لندن 1999)، الذي اشتهر بتسيير اقتصاد العراق بين عامي 1958 و1963.
ظلت تدرس في بغداد حتى انتهائها من دراستها الثانوية، حاصلة على إجازة في الرياضيات من الجامعة الأميركية في بيروت 1971 لها شهرة واسعة في الأوساط المعمارية الغربية، حاصلة على وسام التقدير من الملكة البريطانية، تخرجت عام 1977 في الجمعية المعمارية “AA” أو “Architectural Association” في لندن، عملت كمعيدة في كلية العمارة 1987، انتظمت كأستاذة زائرة أو استاذة كرسي في عدة جامعات في أوروبا والولايات المتحدة، منها هارفرد وشيكاغو وهامبورغ وأوهايو وكولومبيا ونيويورك وييل.