الأب طوني خضره

بات الجميع يعرف الأوضاع الراهنة في لبنان، ولم يعد يخفى شيء على أحد: المتعلّم وغير المتعلّم، المثقف وغير المثقف، وكلّ من يتعاطى الشأن العام، من الهرم حتى القاعدة.

في عائلاتنا ولقاءاتنا وأحياء قرانا، وفي مراكز المجموعات المتنوّعة، أصبحنا حائط مبكى: نعدّد ظواهر الأزمات وعوارضها، نتكلّم بالأسباب، نسمّي الأشخاص بالاسماء، لكن الممنوع واحد: التحدّث بالحلول لإضاءة علامات الرجاء والخلاص، ومحاسبة المسؤولين عمّا يجري، والتحرّك بفعالية لتغيير الواقع الأليم.

وهنا لابدّ من الإضاءة على بعض المعطيات التي يجب أخذها بالاعتبار، قبل التحدّث عن المطلوب من شعبنا لتغيير الواقع:

  • كلفة تشغيل القطاع العام مثلاً في الصين تبلغ 4% ، وفي المانيا 8%، وفي فرنسا 11%، أما في لبنان، فتبلغ حوالي 85% من الموازنة.
  • لا احد يستطيع أن يعرف تحديداً ما هو عدد الموظفين في الإدارات العامة، الذي يتخطّى فعلياً عتبة الثلاثمئة الف موظف، في غياب هيكلية واضحة للدولة.
  • ملفات الفساد كثيرة، وموثّقة بالأسماء والأرقام، وقد أصبحت أخيراً في عهدة كل مراكز القرار والدوائر المعنية، وعلى الرغم من ذلك، وحتى كتابة هذه السطور لم يتمّ البت بملف واحد في المجلس التأديبي أو القضاء.
  • إنّ مرجعيات كبرى وعديدة تغطّي الفساد، وتقبض من الفاسدين وعليهم، مقابل تغطيتهم الدائمة.
  • أمام كلّ استحقاق، نهدر المهل ونفاقم الأزمة، وخير مثال على ذلك هدر سنتين لانتخاب رئيس جمهوريتنا، فيما مخاض تشكيل حكومتنا مستمرّ منذ تسعة أشهر (حتى كتابة هذه الاسطر).
  • في لبنان 19 طائفة، غالبيتها منقسمة على ذاتها، أو متناحرة مع طائفة أخرى.
  • المجموعات على أنواعها، حزبية كانت أم طائفية أم غيرها، تكتفي بمعرفة ماذا تريد لنفسها من لبنان، وكيف تستفيد من الدولة ومقدّراتها، ولكن من منها يريد أن يعرف ماذا يريد لبنان منها، او ما الذي ينبغي تقديمه لبناء لبنان الحقيقي؟
  • الجميع عندنا ربّما، يعرف ماذا تريد سوريا والسعودية وإيران وغيرها، ويعتبر طلبات تلك الدول أوامر مقدّسة للتنفيذ، أمّا ما يريده لبنان منّا، فهو موضوع خلاف الجميع!

وتطول اللائحة، والمساحة في الصفحة تضيق… لذلك، وبعد ما ورد، أسأل:

  • أين شعبنا اللبناني الأصيل الذي رفض كل ذلّ واستعمار؟ أين لبنان الذي علّم العالم الحرف وتحدّي البحار، والذي مرّت عليه جيوش العالم فانتصر عليها؟
  • إذا استمرّينا على هذه الحال، سنخسر لبنان جميعاً، وسيتغيّر وجهه كليّاً، عندها لن ينفع الندم، وسنبكي عليه كالأطفال، لأنّنا لم نحافظ عليه كالأبطال.
  • إلى متى سنبقى كالغنم لا نسأل ماذا يفعل الرعاة بنا: يأكلون السمينة منّا، ويبيعون الجميلة، ويتركون المريضة، ولا يفتّشون عن المشرّدة؟
  • هل نعلم أن الدولة الحضارية لا تتقدّم ولا تتطوّر إلّا بمحاسبة المسؤولين فيها، وليس بتأليههم وجعلهم أصناماً تعبد في عقولنا وبيوتنا؟!

أدعو الجميع أفراداً ومؤسسات إلى التضامن والعمل على الوعي الفردي والجماعي والوقوف سدّاً منيعاً في وجه خسارة لبنان، وتدمير سلّم القيم والأخلاق ومحاسبة كل من يؤذي الانسان في لبنان.

لبنان ينادينا: التخاذل ممنوع والتردد يؤخر الحلول والكل امانة في اعناقنا وللحديث صلة.

العدد 11