ابنة الجامعة اللبنانية-كلية الفنون، دخلت ميدان الكتابة من باب الدراما، بدأت ممثلة ثمّ كاتبة، لتثبت نفسها مدماكا أساسيا من مداميك الدراما اللبنانية. كتاباتها مسلسلات وأفلام من واقع الحياة والمجتمع، يضجّ بها التلفزيون بشكل خاص منذ عقود. رصيدها عشرات الأعمال التي تركت بصمات مضيئة في أذهان المشاهدين، وثروتها خيال لا ينضب من القصص والحبكات. صاحبة القلم الرشيق والنص الراقي والطلّة المميزة، بالإضافة إلى الشخصيّة الفذّة، الواقعيّة، والواثقة بنفسها وبكلّ خطوة من خطواتها. إنها نجمة الدراما اللبنانية كلوديا مرشيليان.

ولدت كلوديا مرشيليان في الشيّاح عام 1968، في عائلة مؤلفة من أربعة فتيات وصبيّ، تخرّجت من كليّة الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية بدبلوم دراسات عليا في الدراما. بدأت مسيرتها كممثلة، فبرزت في أعمال عدّة ك”آيات ورجال”، “شباب وبنات”، “خلف جدران القصر”، “رجل من الماضي”، “العاصفة تهبّ مرّتين”، “نعم ما زلت آنسة” وغيرها… ثمّ انتقلت إلى الكتابة حيث “غاصت” بكلّيتها في السنوات الأخيرة، فأثمر نتاجها عشرات الأعمال بينها 53 مسلسلا تلفزيونيا عشقها الناس وعلى رأسها: “أجيال”، “كازانوفا”، “باب ادريس”، “أوّل مرّة”، “ساره”، “روبي”، “جذور”،”مدام كارمن”، “لونا”، “اتهام”، “لولا الملامة”، “سمرا”، “وين كنتي”، “يا ريت”، “أحمد وكريستينا”، “الشقيقتان”، “فخامة الشكّ” وغيرها… وعلى صعيد السينما، كتبت عدّة أعمال، بينها ثلاثة أفلام هي: “بالصدفة”، “السيّدة الثانية”، “ليلة عيد”…

لا تذكر كلوديا مرشيليان لماذا اختارت التخصّص في الدراما، ليس لمرور السنوات فحسب، بل لكونها التصقت بالدراما التصاقا كلّيّا، فلم تعد تذكر ما إذا كانت هي قد اختارت هذه المهنة، أم أنّ المهنة هي التي اختارتها. لا مجال لأن تفاضل بين التمثيل والكتابة، لأنّ كليهما أعطتهما من قلبها، ولكنّ سنواتها الأخيرة كانت سنوات الكتابة بامتياز. ولأنّ الممثلة تبقى دائما حية فيها إلى جانب الكاتبة، اختارت أن تطلّ في بعض مسلسلاتها في أدوار جانبيّة “من باب التسلية” كما تقول أو “لمجرد إثبات الوجود في قلب القصّة وليس أكثر”. تستوحي كتاباتها “من واقع الحياة”، فكتاباتها هي غالبا أحداث ما في المجتمع تدفعها إلى تجسيدها في قصة وشخصيّات، ولذلك لا تعتبر نفسها منفصلة عن الواقع محلقة في الخيال عندما تكتب، بل ترى نفسها “أكثر التصاقا بالواقع، غائصة أكثر فأكثر في تفاصيله”، فتولد حبكتها من رحم قضايا المجتمع والناس، ولذلك تأتي أعمالها قريبة من الناس، “منطلقة منهم، وإليهم ذاهبة”.

لا تلهم كلوديا مرشيليان شخصيّة معيّنة، بل شخصيّات عدّة، “ولكلّ مرحلة شخصياتها الملهمة، تذكر منها الشخصيات الدينية، التاريخية، والشخصيات العادية “التي نراها كلّ يوم”، وهذه الأخيرة هي الأكثر إلهاما لها. لا تحتاج إلى طقوس معيّنة لتكتب، بل إلى قرار، وعندما يصدر القرار، تولد قصصها على الورق من مكتبها في البيت، بكلّ بساطة وانسيابية وعفوية. أمّا صعوبات المهنة فتلخّصها ب”الممنوعات” التي تطارد الكاتب وتحدّ من إبداعه في الكثير من الأحيان، ومن هذه الممنوعات: الدين، الطائفة، الجنس وغيرها من “التابوهات”، أما الصعوبات الأخرى فلا تراها مستحقة الذكر أو التوقّف عندها، كما النقد غير البنّاء الذي تتعامل معه بلا مبالاة. أما النقد البنّاء فترحّب به، وبخاصة إذا صدر عن أهل الإختصاص، “فلا تقدّم من دون مراجعة وافية للحسنات والسيّئات”. ومع اعترافها بأنّ ما من عمل “كامل مئة بالمئة”، فإنّها تمارس النقد الذاتي لأعمالها دائما، لكي تواصل مسيرتها نحو الأفضل. وهذا الأفضل تطمح إليه دائما، فتدرس القصة بكل تفاصيلها، ولا تتردّد في الإستعانة بأصحاب الإختصاص إذا دعت الحاجة، كالإستعانة بطبيب فيزيولوجي أو نفسي إذا كانت القصة تتحدّث مثلا عن شخصيّة مرضيّة…

أفضل الأعمال في نظرها هي دائما آخر الأعمال، ولكنّها لا تفضّل فعليّا عملا على آخر، “لأنّ كلّ عمل هو حالة خاصّة وتجربة قائمة بذاتها”. لا تستبعد أن تنتقل يوما من كتابة الدراما التلفزيونية إلى كتابة الرواية، ولكن هذه الخطوة “تتطلّب وقتا وحبكة خاصة، لأنّ خيال الرواية غير خيال الدراما والسيناريو والحوار..”

“الدراما اللبنانية في أحسن حالاتها اليوم” تقول، “وأهلها يشتغلون فيها اليوم أكثر من أيّ يوم مضى، التلفزيونات تطلب المزيد من الأعمال، والنجوم يعملون على رفع الدراما إلى أعلى المستويات…”

وفي المقابل، فإنّ لبنان “ليس في أفضل حالاته أبدا”، لأنها ترى اننا نعيش في قلب منطقة مشتعلة ، مما ينعكس علينا مزيدا من الويلات: جرائم، انحدار أخلاقي، سياسات خاطئة، طائفية، فقر… كلّ شيء عندنا يبشّر بالسوء، وبخاصة في ظلّ وجود مليوني شخص إضافي على أرضنا ذات المساحة المحدودة… ولكن الأمل يبقى دائما موجودا، بتغيّر الأمور نحو الأفضل، لنعود ونبني مجتمعا إنسانيا ناجحا”.

لم تفكّر في هجر بلدها لارتباطها الوجداني به، ولارتباطها المهني أيضا، لأن كتاباتها هي ابنة بيئتها ومجتمعها، وتغرّبها نحو مجتمع آخر، يهدّد نوعيّة كتاباتها “فلا تعود كتاباتي تشبهني” تقول، و”اصبح غريبة عن نفسي”.

تؤمن كلوديا مرشيليان بالله وتمارس إيمانها “على قدّها”، تصلّي وتتوجّه لله دائما، “منفتحة على كلّ الناس كما تقول تعاليم السيّد المسيح”، ولكنّ أسئلة كثيرة تضجّ في رأسها، وهذه الأسئلة “ليست ممنوعة” دينيّا، “لأن الله يحترم حرّيّتنا ويريدنا دائما أحرارا مخيّرين لا مسيّرين”، وفي هذا الإطار “ستبقى الأسئلة طالما بقيت الحياة والحرّيّة، ولكنّها أسئلة لا تلغي الإيمان”.

وكما في كتاباتها كذلك في حياتها، تعيش كلوديا مرشيليان على أرض الواقع دائما، حتى أحلامها واقعيّة، “أنا اليوم أعيش في المستقبل” تقول، لأنّ ما كان حلما بالنسبة إلى كلوديا الطفلة أصبح اليوم واقعا، ولذلك أصبحت أحلامها اليوم أقرب إلى الطموح منها إلى الحلم، فهي “تحلم” بنجاح أعمالها المقبلة، وبأن تترك وزملاءها في الدراما للأجيال الآتية “إضافة ما” تستند عليها، كما استندت هي وزملاؤها على “إضافات من سبقوهم”…

ل.س.م