لم تعد المخاوف من هجرة المسيحيين في الشرق وتناقص أعدادهم الى مستويات غير معهودة سابقا، موضوعا يحتاج الى إثباتات وبراهين. فهناك كمّ من الدراسات والأبحاث التي دقّت سابقا ناقوس الخطر، ودعت الى إجراءات منهجية سريعة للحدّ من هذا الواقع، الذي يحوّل الشرق -ولبنان بشكل خاص- الى غير ما قدّر له أن يكون. فلبنان –الرسالة الذي كان أمثولة في الشراكة أو “الشركة والمحبة”، أصبح للأسف أحد أبلغ الأمثلة على التغيير الديموغرافي الخطير المهدّد للوجود والكيان…

إنّ السؤال عن حقّ المسيحيين في الوجود وصنع القرار في لبنان، لا يأتي من باب التعصّب أو الطائفية، بل من باب الحفاظ على الشراكة والتوازن اللذين يشكّلان الشريان الأساسي لوجود لبنان، وهو أمر يوافق عليه المسيحيون كما جميع الشركاء في الوطن.

تظهر دراسة للباحث والخبير الاستراتيجي الدكتور جاسم عجاقة نشرت في آب الماضي، تراجع نسبة المسيحيين بفعل الهجرة في لبنان وبلدان الشرق الأوسط منذ بداية القرن العشرين حتى اليوم على النحو التالي:

-لبنان: من 55 بالمئة الى 37 بالمئة

-تركيا: من 20 بالمئة الى 1،0 بالمئة

-سوريا: من 20 بالمئة الى 4 بالمئة

-العراق: من 3 بالمئة الى 2 بالمئة

-الأردن: من 6 بالمئة الى 4 بالمئة

-إسرائيل: من 10 بالمئة الى 2 بالمئة

-مصر: النسبة ثابتة وهي 10 بالمئة من بداية القرن العشرين الى اليوم.

تبيّن الدراسة أنّ نسبة المسيحيين في لبنان ما زالت الأكبر بين بلدان الشرق الأوسط الأخرى، إلاّ أنّ نسبة التراجع الفعليّة هي من النسب الأعلى. فهي تقارب النسبة في سوريا التي تعيش أشرس الحروب، فيما توقف المدفع في لبنان منذ أكثر من عقدين ونيّف.

حرب من نوع آخر

لا يخفى على أحد أنّ حربا من نوع آخر تشنّ على المسيحيين في لبنان استكمالا لسياسة التهجير، فما عجزت عنه حرب المدافع تحاول استكماله الحرب الإقتصادية والهجوم المبرمج لشراء أراضي المسيحيين أو اغتصابها لصالح الطوائف الأخرى. والهدف تجريد المسيحيين من مقوّم وجودهم الرئيسي: الأرض.

هذا الخطر رآه سينودوس الأساقفة الأخير حول الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الأوسط وأشار إليه علنا، ووضع استراتيجية صريحة لمحاربته، إذ قال في فقرة تحت عنوان الأرض: “بما أنّ التعلّق بالأرض الأمّ، هو عنصر أساسي من هويّة الأشخاص والشعوب. وبما أنّ الأرض هي مساحة حريّة، نحضّ مؤمنينا وجماعاتنا الكنسيّة على عدم الاستسلام الى تجربة بيع أملاكهم العقاريّة. وعلى مساعدة المسيحيين على المحافظة على أرضهم أو على شراء أراض جديدة، في الظروف الإقتصاديّة الصعبة. نقترح على سبيل المثال إقامة مشاريع تعمل على استثمار الأرض، ليتمكّن أصحابها من البقاء فيها بكرامة، والسّعي الى استرجاع المفقود منها والمؤمّم، وليرافق هذا الجهد تفكير عميق في معنى الحضور المسيحي ورسالته في الشرق الأوسط.”

تحت هذا العنوان توجّهنا بسؤال موحّد الى 11 مرجعية من المرجعيات الكنسية في لبنان مارونية كاثوليكية، وأرثوذكسية، وسريانية، وأرمنية… على مستوى البطريركيات أو الرهبانيات وهو: ما هي المشاريع أو البرامج المتعلّقة بأراضي الأوقاف، والتي تعملون عليها لمساعدة المسيحيين، وبخاصة الشباب منهم، على التمسك بأرضهم والبقاء فيها؟

مرجعيتان فقط ردّتا على السؤال مشكورتين، أما المرجعيات الأخرى، فمنها من لم تردّ على مراسلاتنا لأسباب نجهلها، ومنها من لم تكن “على السّمع”، فلم يصلها السؤال…

المستقبل المجهول

الديمان ردّ على السؤال بلسان الوكيل المساعد لوقف دير سيدة الحقلة الخوري طوني الآغا الذي قال في بريد إلكتروني: “عطفا على البريد الإلكتروني الذي وصلني من حضرتكم، يهمّ وقف دير سيدة الحقلة أن يؤكّد أنّه يسعى دائما الى تحقيق مصلحة المسيحيين اللبنانيين الصامدين في أرض الوطن. لذلك فهو يؤجّر الشباب أراض للسكن، أي لبناء منازل والتأسيس لمستقبل ملؤه الإستقرار. أمّا في ما يتعلّق بالإستثمار، فللوقف رأي واضح وشرط اساسيّ، فهو يسمح بمشاريع الإستثمار شرط توظيف والإستعانة فقط باليد العاملة اللبنانية. ويكون الوقف بذلك ، قد ساهم بقدر المستطاع بإبقاء الشباب المسيحيين في وطنهم، وقد قدّم لهم مجالات للعمل والإستثمار، تؤمّن لهم ولعائلاتهم الإستقرار والإكتفاء الماديّ.”

أبرشيّة بيروت المارونية ردّت بلسان المونسنيور أنطوان عسّاف الذي قال في اتصال هاتفي أنّ “لا مشاريع حاليّة في هذا الإطار لأبرشيّة بيروت المارونيّة.”

وبعيدا عن الإدانة ،فإنّ تجاوب عدد قليل من المرجعيّات الكنسية الرسمية مع سؤالنا، يطرح أسئلة أخرى: أين الكنيسة من السينودوس ومن رعاياها؟ أين هي من المأساة ومن المستقبل المجهول لمسيحيين؟ أسئلتنا ليست للنقد ولا لإطلاق الإتهامات ضد الكنيسة ومسؤوليها لا سمح الله، بل لإعلاء الصوت بقصد إيجاد الحلول للمشاكل الوجودية لنا نحن المسيحيين. فلو كنّا نقصد النقد لكنّا ننتقد أنفسنا أيضا، فالكنيسة ليست مسؤولين كنسيين فحسب، بل “جماعة المؤمنين الذين يجتمعون معاً للصلاة والعبادة ولدراسة كلمة الله وحفظ الفرائض”.

وبغضّ النظر عن اسباب عدم تجاوب غالبية المسؤولين الكنسيين مع سؤالنا، فلا بدّ من التنويه بأنّ البعض الآخر تجاوب، ولا بدّ من التأكيد أيضا بأنّ بعضا من غير المتجاوبين ربّما يكون لديهم أسبابهم الخاصة في عدم الإفصاح عما يقومون به، تبدأ باختيارهم الصمت لصالح العمل عينه ولا تنتهي باعتماد صيغة: لا تعلم يسارك بما عملت يمينك… ولا بدّ كذلك من التنويه بأنّ جهات كنسية قامت وتقوم بمشاريع خاصة لإسكان الشباب، تخدم بشكل فعليّ الوجود المسيحي في لبنان. ولكنّ الأكيد أيضا أنّ النتيجة بشكل عام، تعكس الواقع الخجول للتقديمات الكنسية الى المسيحيين. صحيح أنّ للمؤسسات الكنسية خصوصية معينة للعمل تتسم بالسرّيّة، ولكن إفصاح البعض عن جهودهم أو إعلان البعض الآخر صراحة عن غياب مثل هذه المشاريع، يؤكّد أنّ هذه السرّيّة لا بدّ من خرقها الى حدّ ما إذا اقتضى الأمر، لطمأنة المسيحيين على أنّ رعاتهم يفكّرون بهم وبهمومهم ويسعون الى مساعدتهم على “المحافظة على أرضهم”، كما جاء في السينودوس. وبعيدا عن إطلاق الأحكام، يبدو ممّا تقدّم أنّ الكنيسة، ورغم بعض الجهود التي تقوم بها مشكورة في هذا الإطار، إلاّ أنّ تلك الجهود، أقلّ ما يقال فيها أنّها غير كافية، أمام خطورة الوضع العام للمسيحيين في لبنان. وهذه الخطورة يعكسها على سبيل المثال لا الحصر، تصريح لبطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام، خلال السينودوس السنوي في مقر البطريركية في عين تراز في حزيران الماضي، قال فيه: “من المؤسف أنَّ الهجرة تهدِّد الوجود المسيحي حتّى في لبنان، لا بل تهدِّد فرادته في العالم العربي. فقد قرأتُ في أحد التقارير أنَّ 60 في المئة من اللبنانيين مصمِّمون على الهجرة و 35 في المئة ينتظرون الحصول على التأشيرة للمغادرة، وبالطبع أكثرهم من المسيحيين. إذا كانت الهجرة هكذا مستشرية في لبنان، فماذا نقول عن البلدان المشتعلة حاليًا بالحروب؟ وهذا كلّه يضعف دور المسيحيين التاريخي ويهدِّد مستقبلهم. وعلينا أن نعمل بكلّ قوانا، في أبرشيَّاتنا هنا وفي بلاد الانتشار، لأجل تخفيف وطأة هذه الهجرة التي أصبحت نزيفًا خطيرًا جدًا…”

فإذا كانت تصريحات المسؤولين الكنسيين تجمع على خطورة الوضع وعلى الدعوة الى إجراءات سريعة وحازمة للحد من خسارة الأرض والهجرة، فلماذا لا تتترجم هذه الدعوات على الأرض إلا من خلال بعض المبادرات الخجولة، وإن كانت جدّ مشكورة؟

المطالبة بالإصلاح

الجواب ربما يكون في ترددات الحركة الاصلاحية التي اطلقها قداسة البابا فرنسيس في الكنيسة الكاثوليكية، والتي بلغت البطريركية المارونية في بكركي، التي اطلقت في وقت سابق، وبهدوء، “لجنة الشؤون القانونية والمالية”، من اجل وضع الكثير من الامور في نصابها، وخصوصاً بعدما ارتفعت اصوات كثيرة من داخل الكنيسة وخارجها تطالب بالاصلاح في كل المؤسسات المالية والاجتماعية والتربوية التابعة للكنيسة، بعدما تضخمت احجامها ومهماتها الى مستوى غير مسبوق، وازدادت وتيرة المطالبة بضرورة “مأسسة الكنيسة في بناها الادارية والتنظيمية وهيئاتها وجمعياتها، ولم يعد مقبولاً ترك الامور دون اي تخطيط ورؤية مستقبلية.”

هذا الكلام لاوساط كنسية ترى في تشكيل اللجنة، حركة اصلاحية “قد تثمر الكثير اذا احسنت ادارتها والتعامل معها، وقد تشكل فشلاً ذريعاً وتبقى محدودة النتائج والآفاق، في حال سوء الادارة.” ولم تؤدّ التجارب السابقة الى نتائج كبيرة على مستوى اصلاح مؤسسات الكنيسة، كما تضيف الأوساط الكنسية، وتقول: “لا بل تراجعت الامور في مفاصل اساسية، ليس أقلها ملفات ادارة اراضي الكنيسة…”

فهل نجحت الحركة الإصلاحية أم فشلت؟ المطلوب جواب سريع وتصرّف على قدر المسؤولية وبحجم المشكلة، وإلاّ فعلى “الأرض” السلام…

لارا سعد مراد