ليس جديدا على جمعية لابورا ورئيسها الأب طوني خضره تلقّي الهجمات والمضايقات، لأن لابورا ومنذ تأسيسها، ترفع شعار محاربة الفساد دفاعا عن حقوق اللبنانيين بالعيش في وطن يضمن لهم حياة كريمة في ظلّ قوانين تراعي ميثاق العيش المشترك على أسس التوازن والشراكة، واعتماد معيار الكفاءة في ميداني العلم والوظيفة، وبخاصة الوظيفة العامة. وهذه المضايقات تأتي طبعا من قبل المتضررين من عمل لابورا، الذين يعتاشون من المحسوبيات والمصالح الشخصية، ويختبئون في زواريب المصالح السياسية الضيقة، بعيدا عن الطرق المستقيمة للسياسة الصحيحة الهادفة إلى بناء الأوطان وتطوّرها.

وليس جديدا على لابورا في المقابل، أن تحصد تنويهات اللبنانيين، وأصحاب الرؤية والضمير، ممن يرون في عملها أحد سبل إعادة بناء دولة المؤسسات التي يحلم بها كلّ لبناني صادق في حبّه للوطن والحقّ.

وبين الهجمات والتنويهات، اعتادت لابورا أن تواصل المسير، كمن يعبر في حقل ألغام، و”اللغم” الأخير انفجر في تموز الماضي ردا على تصريحات للأب طوني خضره حول الفساد في الإدارة العامة، وما زالت أصداؤه تتردد حتى الآن، وشظاياه تواصل إصابة أعضاء لابورا ومن يدعمها. تحدّث الأب خضره عن الفساد في الدولة وحدّد بعض مكامنه، فانبرى “الغيورون” على دولتهم أو بالأحرى على مصالحهم في الدولة يهاجمون تصريحاته، مشدّدين على “عدم دقّة” الأرقام التي أوردها الأب خضره، منددين ب “هجومه” على موظفي الدولة. مع العلم أنّ هذا الأخير شدّد وفي أكثر من مناسبة على أنّ جوهر القضية هو تفشي الفساد، وليس الأرقام ولا الأشخاص، مؤكدا حيازة لابورا مئات الملفات المتعلقة بقضايا فساد بدأ بتسليمها إلى القضاء للتحقيق فيها. وكان الأب خضره قد قال في تصريحاته، ان هناك العديد من الموظفين المتوفّين يتقاضون رواتب من الدولة والالاف من الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم من دون التوجّه إلى مراكز عملهم. وبناء على ذلك، وجّه وزير المال في حكومة تصريف الأعمال علي حسن خليل إلى المدعي العام المالي كتاباً اعتبر فيه ان ما ورد على لسان الأب خضره إخبار للتحقيق فيه ولاتخاذ الإجراء القانوني بشأنه في حال ثبوته، بينما لفت رئيس لابورا إلى أنه تلقى اتصالات من قبل عدد من المسؤولين للاستفسار عن الموضوع، وأنه يتابع القضية مع وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال سليم جريصاتي، لإحالتها إلى الجهات المختصة.

وفي الإطار عينه، استمع في 17 تموز الماضي المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم الى الأب خضره بصفة شاهد في ملف الفساد، حيث تمّ الإتفاق على التعاون في هذا الموضوع، على أن يؤمّن الأب خضره للنيابة العامة المالية عددا من الوثائق المثبتة لحالات فساد في الدولة، وقد تمّ ذلك فعلا بعد اسبوعين من شهادة الأب خضره، الذي عبّر عن أمله بأن يتمّ التحقيق في هذه الحالات لكي تقوم لابورا بتسليم وثائق أخرى مماثلة للتحقيق فيها أيضا. وقد نوّه القاضي ابراهيم بالعمل الذي يقوم به الأب خضره، مبديا استعداده لمتابعة القضية حتى خواتيمها. ومن جهته، أكد الأب خضره وضع يده بيد القضاء المختصّ من أجل التوصل الى وقف الهدر في المال العام، مكررًا أن لا علاقة لما يطرحه بالملفات السياسية، بل يسعى الى مكافحة الفساد الذي يطاول جميع الناس، كما شدد على أن الفساد يضعف الثقة بالدولة.

“مافيات”

وكان خضره قد ناشد في وقت سابق ​ الدولة وضع يدها على ملف التوظيف، ودعاها إلى “كشف حقائق التوظيف في الادارات العامة امام المواطنين، من عدد الموظفين ومواقعهم ومهامهم وصولاً إلى مدى انتاجيتهم”، ولفت الى ان “هناك موظفين صالحين يلتزمون بدوام العمل وأكثر، وغيرهم لا يأتون الى مكاتبهم ومع ذلك يقبضون معاشات كبيرة، وهذا هو ​الفساد​ الذي تغطيه المافيات والجهات السياسية التابع لها الموظف.” وأضاف: “يهمنا جدا التأكيد بأن هدف لابورا هو الوقوف إلى جانب الموظف وليس محاربته كما يدّعي البعض، بدليل أنها تتلقى شكاوى من الفساد من موظفين كفوئين ساعدت هي العديدين منهم في الوصول إلى وظائفهم، حتى أنّ البعض منهم وصل إلى حدّ التمنّي لو أنه لم ينخرط في ميدان الوظيفة الرسمية بسبب الفساد المستشري فيه…”

 

وشدد الأب خضره من جهة أخرى، على انه “من دون القضاء على الفساد وإجراء اصلاحات في الدولة لن يستفيد ​لبنان​ من مؤتمر سيدر، لأن ​الدول المانحة​ في المؤتمر تشترط على لبنان إجراء الإصلاحات”، ودعا خضره المواطنين الى “عدم الخوف، فنحن شعب يتوق الى التغيير ولا نخاف من أحد وسنستمر بالدفاع عن أموال اللبنانيين التي يدفعونها للدولة من خلال ​الضرائب“​، وطالب “المسؤولين بالحفاظ على أموال الشعب لأنها مقدسة”.

وأضاف “التحدي في كشف الهدر والفساد وسوء الادارة لا يكمن في الأرقام بل بالوقائع والحالات والحقائق، والغريب انّه بدأ العمل على إخفاء عدد من الملفات في الادارات، للأسف”.

وشدّد على انّ “منذ 10 سنوات حتى الآن قامت لابورا بالعمل على تغيير الذهنية لدى الشباب المسيحي للانخراط في المؤسسة العسكرية واستطعنا تحقيق نتائج تحمل الأمل والثقة لشبابنا”، كما طلب من المسؤولين “إعطاء اهمية أكثر للمؤسسة العسكرية، على امل تطبيق التوازن الموجود في المؤسسة العسكرية على السلك المدني في ادارات الدولة”.

واعتبر الأب خضره أنّ “اكثر من 70% من نتائج امتحانات مباريات مجلس الخدمة المدنية تتمتّع بالنزاهة، وأنّ الكفاءة ليست محصورة بطائفة دون أخرى، لكن لبنان هو اكثر بلد طائفي ومن نسمعه ينادي بالعلمانية هو الأكثر طائفية، نحن لا نطلب بالمناصفة بل بالتوازن”. وقال “المطلوب الشفافية وآلية امتحانات واضحة ووظيفة واضحة، فشروط الامتحانات والامتحانات عندما تحدد يكون معروف سابقا من سينجح فيها”.

وأمل أن يكون “زمن مكافحة الفساد بدأ تلبيةً لدعوة الرئيس عون وأن يؤدّي كلّ شخص دوره في البلاد لا أن يأخذ أحدٌ دور الآخر”.

 

هذا ودعا “كل مسيحي قبل انخراطه في وظيفة الدولة أن يأخذ أخاه المسلم معه”، لافتاً إلى انّ “هناك حرص كبير من عدد من المسلمين على المسيحيين في لبنان”.

ووجّه رسالة لكل اللبنانيين سلطة وشعبا: “يجب الغاء الطائفية وايقاف السرقة والهدر والفساد، فمن اين يحق للمسؤولين زيارة شواطئ العالم على حساب المال العام؟ إذا بقي الوضع كما هو لبنان ذاهب نحو الانهيار وهذا ليس من باب النعي بل من باب التحذير لكي يتحمل كل مسؤول مسؤوليته، ويكون العمل من اجل المواطن وليس لأجَل المواطن… لانريد إلّا خلاص لبنان، لا نعمل إلا لأجل مصلحة لبنان، لا يجوز ان يبقى باب الهجرة مفتوحا امام شبابنا وعائلاتنا، على لبنان ان يبقى القدوة والرسالة وإلّا فلن يبقى لا وطن ولا مواطنين.”

غيض من فيض

إنّ وجود الفساد في الدولة اللبنانية أصبح أمرا معروفا، والأمثلة عليه كثيرة، تورد لابورا بعضا منها ممّا تكلّم عنه الإعلام اللبناني، محتفظة بعدم الكشف عن الملفات الأخرى:

ان نسبة موظفي القطاع العام في لبنان تقدّر بـ25 في المائة من حجم القوى العاملة، أي نحو 300 الف موظف، وهي نسبة مرتفعة مقارنة مع دول اخرى بحيث لا تزيد في اليابان عن 6 في المائة وفي ألمانيا وفرنسا عن الـ14 في المائة.

يعمل في القوى الأمنية والعسكرية نحو 100 ألف، وفي قطاع التعليم بكافة مستوياته 60  ألفاً، و30 ألفاً في الوزارات والإدارات الرسمية، وفي البلديات والمؤسسات العامة 115 ألفاً، اي الكهرباء والمياه والتبغ ومشروع الليطاني، إضافة إلى سكك الحديد غير العاملة اساساً في لبنان، كما يبلغ عدد المتقاعدين الذين يتقاضون رواتب 100 ألف.

ويصنّف موظفو الإدارات الرسمية وفق خمس فئات، تشمل الأولى القضاة والمديرين العامين واساتذة تتراوح رواتبهم بين 3 آلاف و7 آلاف دولار بينما يحدّد راتب الفئة الأدنى اي الخامسة بنحو 600 دولار في وقت لا يزال الحد الأدنى للأجور نحو 450 دولاراً.

ورغم عدد الموظفين المرتفع وفق رابطة موظفي الإدارة العامة، فإن الشواغر تقدر بـ30 في المائة في الإدارات الرسمية وتصل إلى 50 في المائة من دون احتساب المتعاقدين. وباستثناء مجلس الخدمة المدنية تطغى الوساطات والطائفية والرشى على التوظيف في القطاع العام، فيما بات التعاقد الوظيفي يُشكّل وجها جديداً للفساد، حيث بات عدد من السياسيين يعمدون إلى فرض اشخاص محسوبين عليهم عبر التعاقد ليتم بعد سنوات تثبيتهم، او في احسن الأحوال إخضاعهم لامتحانات شكلية محصورة فيما بينهم.

وفي قطاع التربية، وعلى أبواب العام الدراسي الجديد، يؤكد مسؤول تربوي أن لا حل لازمة الاقساط والسلسلة وعجز المدارس والاهل الا بوقف الهدر والفساد في نظام التربية والتعليم في لبنان. ويقدم امثلة عن بعض مظاهر الفساد، ليس اقلها أن نحو 200 مدرسة رسمية فيها مدرّس لكل 4 طلاب أو أقل. وان الطالب في المدرسة الرسمية يكلف الدولة ما بين 6 و 8 ملايين ليرة لبنانية، اي كما افضل المدارس الخاصة. وان كلفة دعم الدولة للمدارس الخاصة المجانية تفوق سنويا ال 115 مليار ليرة من دون رقابة فعلية عليها.

وفي قطاع الصحة، يستكمل النائب العام المالي القاضي علي إبراهيم تحقيقه في ملف وزارة الصحة حول مخالفات تتعلق بطريقة توزيع السقوف المالية على المستشفيات الخاصة والحكومية، كما التلاعب بعدد الأسرّة، إضافة إلى استبدال أدوية أمراض مزمنة بأدوية أخرى تتسبب بردود فعل خطيرة لدى بعض المرضى.

وفي إطار آخر، طلب التفتيش المركزي أخيرا مستندات من محافظة بيروت تتعلّق بمشروع “إيدن باي”، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في المخالفات المرتكبة من قبل المشروع والقيّمين عليه.

وفي أواخر تموز، أعلن التفتيش المركزي في بيان، انه اتخذ قرارات في ملفات عدة، وفرض عقوبات تأديبية، وجاء في البيان:

“هيئة التفتيش المركزي تتخذ قرارات في ملفات عدة وتفرض عقوبات تأديبية بلغت الحد الاقصى المحدد قانونا، في حق الموظفين المخالفين وأحالت البعض منهم أمام ديوان المحاسبة وأمام الهيئة العليا للتأديب وأمام النيابة العامة التمييزية”.

كما جال فريق من المفتشين الهندسيين في التفتيش المركزي على مؤسسة كهرباء لبنان – مصلحة توزيع الشمال (دوائر:البترون – طرابلس – حلبا)، بمرافقة من مندوبين عن الرقابة العامة في المؤسسة، وتم ضبط عدة مخالفات إدارية وفنية (مد شبكة توتر متوسطة مطمورة خلافا لدفتر الشروط..) وملاحظة إستمداد تيار بطريقة غير شرعية حيث طلب التفتيش المركزي من الملاحظين قطع التيار وتنظيم محاضر ضبط بالمخالفين.

كما جال الفريق على مصلحة توزيع الجنوب ومنها دائرة صيدا حيث ضبطوا العديد من المخالفات، إحداها عدم حضور المستخدمين الى أماكن عملهم.

وهذه التحركات للتفتيش المركزي جاءت بعد اتصال بين رئيسه القاضي جورج عطيّة و الأب خضره، قام على أثره التفتيش المركزي بعمله وتحقق من حالات عديدة في هذا الخصوص، على أمل مواصلة العمل والكشف عن جميع حالات الفساد الموجودة والتحقيق فيها وصولا إلى المحاكمة والمحاسبة.

ومن جهة أخرى، أتى الإعلان في 26 تموز الماضي عن إقرار مجلس النواب مشروع حماية كاشفي الفساد، كخطوة إيجابية تجاه تطبيق ما تدعو إليه لابورا من خطوات عملية لمكافحة الفساد، بعيدا عن الشعارات الفارغة. وهذا القانون يحمي كل من يكشف الفساد إن كان من داخل أو خارج المؤسسة من أي عقاب أو ملاحقة أو ابتزاز.

وعلى أمل أن تلقى دعوات لابورا آذانا صاغية، تبقى الثقة بالقضاء اللبناني، وبرجال الدولة الصادقين الأوادم، للوصول بملف الفساد إلى خواتيمه، وتبيان الحقائق، لتحقيق مشروع إعادة بناء لبنان الدولة والمؤسسات.

العدد العاشر