هيمنة لغوية لمن هو أقوى سياسياً واقتصادياً

                   اللّغة هي الوعاء الأساسي الذي يحتوي العلوم، التّكنولوجيا، الثّقافة، التّاريخ، الحضارة، الهوية، والمشاعر، فإن استطاعت أمّةٌ المحافظة على لغتها ستكون من أكثر الأمم تقدّماً وتطوّراً.

تعود أقدم نصوصٍ عربيّة عُثرَ عليها إلى القرن الثالث بعد الميلاد، وهي نصوص شعريّةٌ جاهليّةٌ تتميّز ببلاغة لغتها، وأسلوبها الرّاقي، ووزنها الشعريّ المُنتظم. وتطوّرت مع الزّمن نتيحةً عوامل عدّة، منها إقامة الأسواق المختلفة مثل سوق عكاظ. واكتسبت اللغة العربية موقعاً أساسياً في مكانة الحضارات على مرّ التاريخ. وكانت اللغة الأم للمعارف حيث حققت حضوراً فكرياً في العلوم والأدب والطب والكيمياء …. لكن المفارقة أنها باتت مهددة لأسباب عديدة لا سيما وأن غالبية الدول العربية وإن كانت لغتها الرسمية عربية في الدساتير والقوانين إلا انها هُمشت في مختلف المؤسسات التربوية والميادين العملية وغيرها.

من الواضح أنّ هناك مُشكلةٌ في تعليم ونشر العلوم في العصر الحاليّ باللّغة العربيّة، وتكوّنت هذه المشكلة بسبب ضعف المُحتوى العربيّ في العلوم الجديدة. ووضعت الألفية الثانية مجتمعات العالم أمام تحديات كثيرة ما جعل الانتماء الى العالم الافتراضي واجباً للالتحاق بالقرية الكونية، ولم تحصن اللغة العربية مكانتها فأصبحت اللغة الانكليزية هي محط الاهتمام في المدارس والجامعات والمؤسسات التربوية.

ويجدر القول أن اللغة تتحكم بها في الغالب القوة السياسية المسيطرة لأنها بالفعل تملك المقومات التي تجعلها متفوقة إن حضارياً أو علمياً أو فكرياً أو اقتصادياً أو ما شابه. هذه القوة ستتوجه الى الشعوب بلغتها، لذلك تنتشر اللغة تبعاً للعلوم والمعارف التي تملكها الدول المتطورة وتقدمها معلبة الى من يستهلكها. من هنا، شهدت اللغة العربية في القرون الماضية انتشاراً وأمجاداً كبيرة، ويوضح وليد بويز مدرّس في مدرسة “Chateau de la Culture” نهضة اللغة العربية في زمن المأمون في بغداد وبيت الحكمة، عندما كانت حضارات العالم القديم تترجم من اليونانية إلى العربية، فلسفة وفكراً وأدباً، فاغتنت العربية بالعلوم الوافدة وتأثر بها فلاسفة العرب وعلماؤهم وأهل الآدب وكتبوا ونشروا، وازداد انتشار العربية مع قيام الحضارة الأندلسية في إسبانيا. وكذلك انتقال نهضويي لبنان بسبب السلطنة العثمانية من لبنان إلى مصر ومعهم الآدب والمسرح والشعر والصحافة، وانتعشت اللغة بفعل ممارستها وسائل الابداع كافة”.

ضعف المستوى اللغوي

 وما عبّر عنه وزير الثقافة السابق روني عريجي في مؤتمر بعنوان “اللغة العربية وتحديات العصر”، يؤيده أساتذة اللغة العربية الذين يبذلون قصارى جهدهم في المدارس لتعليم أصول اللغة واتقانها، انما يعانون من تفشي ظاهرة كيفية تعاطي التلاميذ مع اللغة إن في كتاباتهم المدرسية أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وما يعكس الضعف المستشري للمستوى اللغوي الذي يتعاطون به. وقال عريجي: “اذا كنا نخشى على لغتنا، فلأن مجتمعاتنا العربية ليست رائدة ولا منتجة وليست متفوقة. نحن غارقون في التلقي ومكتفون بالدور الاستهلاكي. هذا لا يعفينا من مسؤولياتنا المباشرة في تدمير اللغة العربية. فإعلامنا يلعب دوراً سلبياً في هذا المجال بتغييبه البرامج الثقافية، واعتماد مقدمي البرامج لغة هجينة، تختلط فيها اللغات العربية – الفرنسية – الإنكليزية وسواها، ما يخلق ازدواجيات خطيرة في لغة التخاطب. إضافة إلى ذلك، غياب الاختصاصات الجامعية باللغة العربية، وسبات المجامع اللغوية العربية والمؤسسات الفكرية في العالم العربي”.

بويز: اللغة العربية بنيتها صعبة

ويقول بويز “اللغة العربية بنيتها صعبة لذا يميل الناس الى ما هو سهل، لذا يستخدمونها بنسبة أقل وتحديداً على مواقع التواصل الاجتماعي”.

وعما اذا كان التقصير في المنهاج أو من إدارة المدرسة يرى الأستاذ بويز أن المنهج يتضمن كل ما تستلزمه اللغة العربية من قراءة وقواعد وأنشطة … انما يعود ذلك الى الطرائق التدريسية التي يعتمدها المعلم في إيصال الرسالة، وقد يفتقد أحياناً الى الطريقة التي تساعد الطالب في فهمه لنصوص أدبية. من هنا إن أداء المعلم هو الركيزة الأساسية بحيث يعمد البعض الى تحويل الصف الى مسرحية يحاول من خلالها أن يشرح أو يقدم مضامين عربية قد يصعب على التلميذ فهمها. وهذا يعود لكفاءة المعلم وكيفية تقديم المادة بأسلوب مميز”.

وعدّد بويز الأخطار التي تهدد اللغة العربية لا سيما منها انتشار اللغات العامية، السعي إلى تحويل اللهجات المحلية من المستوى الشفوي إلى الكتابي، آثار العولمة في اللغة العربية، وكذلك عدم التركيز على اللغة العربية في العملية التعليمية في المدارس والجامعات الخاصة.

أنماط لغوية خاطئة

إن اللغة العربية كانت لها مكانتها في القرون الوسطى، بيد أنها تشهد تراجعاً ملحوظاً بسبب ضعف أبنائها والاكتفاء بدور التلميذ المستهلك لكل ما يأتي من الآخر، واستخدام تراكيب وأنماط لغوية خاطئة، فمثلاً يتمّ تداول عبارة “ممنوع التدخين” انما الأصح “التدخين ممنوع” إذ تتكون الجملة من مبتدأ وخبر والأصل في المبتدأ أن يكون معرفة والخبر نكرة، والسبب هو في الترجمة الحرفية دون النظر في مقومات كل لغة وأنماط استخدامها وهذا يأتي نتيجة العولمة التي تكتسح الاستعمالات اللغوية دون الرجوع الى مصادرها الأصلية.

باتت اللغة الانكليزية هي السائدة أو الفرنسية، وكل ذلك على حساب تقهقر اللغة العربية. ويبدو جلياً أن مواصفات فرص العمل تقتضي إجادة التحدث والكتابة باللغة الانكليزية كون الشركات التي توظف المواطنين غالبيتها أجنبية. وباتت هيمنة العولمة هيمنة لغوية نتيجة سيطرة ما هو أقوى اقتصادياً وسياسياً ومعرفياً على من هو أضعف في الاقتصاد والسياسة واللغة في العالم العربي وفي لبنان على وجه التحديد.

الدمشقي: اللغة قبل أن تكون أداة إبداع، هي ضرورة من ضرورات العيش

من ناحيته، يَرى الشَّاعر أدهم الدمشقي، الذي يرصف الحروف العربية شعرًا، أنَّ اللغة قبل أن تكون أداة إبداع، هي ضَرورة من ضَروريات العيش والتواصل.

الشائع هو أن الأدباء والشعراء واللغويين قَد أُولي إليهم منذ القدم تطوير اللغة والنّهضة بها، لكن المليار عربي – في كل زمان ومكان-  ليسوا برمتهم شعراء أو لغويين، هم – كما الشاعر واللغوي- مستهلكون للمَنتوج والثقافة التي يستوردونها من الدولة الأقوى سياسياً واقتصادياً. حتى الدواء الذي نتناوله، علينا أن نقرأ تحذيراته وإرشادات استعماله بلغة المصنع له. للأسف، نحن نعيش في عصر الثقافة الأُحادية التي يروج لها إعلام الدوّل المُسيطرة، والتي تُسيِّرنا وتهمش لغتنا وثقافاتنا المحلية.

ويسأل الشّاعر الدمشقي: هل نستطيع تعليم مادة الكيمياء أو الفيزياء أو علوم الحياة… باللغة العربية؟ طبعاً لا! لأن بلادنا لا تملك المختبرات الحديثة المتطورة التي تَستوعبُ طموحات الجيل الجديد. فالمختبرات التي تُموّل الأبحاث والدراسات، وتدعم الاختراعات، ليست ناطقة باللغة العربية.  ويقول: إزاء هذا، كيفَ نأمل بمُستقبل للغتنا؟ وأولادنا يبتعدون عنها تبعاً لحاجات العيش وسوق العمل.

ويعود الدمشقي الى العصر العباسي، حيث كانت اللغة العربية هي المهيمنة هيمنة الانكليزية اليوم، لأنها كانت حينذاك، لغة الأقوى سياسياً، حيث ترجمت الكثير من النصوص الى العربية مثل كليلة ودمنة وشعر الفُرس وفلسفة اليونان. ثمَّ ينتقل للحديث عن حقبة الستينات، تحديداً مع مجلة شعر، حيث التلاقي والتمازج مع الفكر والأدب الغربي، وتطور القصيدة بمعايير غربية.

إعادة النظر في المنهج التربوي

 ويتفق المدرسون أن مساحة اللّغة العربية في مناهج التعليم العام الصادرة بالمرسوم 10227 تاريخ 8 أيار 1997 لناحية عدد حصص التدريس الأسبوعية تتدنى بدءاً من السنة السابعة من مرحلة التعليم الأساسي على حساب اللغة الأجنبية الأولى والثانية. هذا يتطلب إعادة النظر في المنهاج عدا ما يتعلق بطرائق التدريس وتأمين البيئة الملائمة للمعلم والمتعلم.

وفي دراسة للأستاذ سلمان زين الدين شرح فيها مكانة اللغة العربية في المناهج التربوية بعنوان “اللغة العربية التعلمية بين الواقع والمرتجى” جاء ما يلي: تحدّد المناهج ثلاثين هدفاً عامّاً يُسهم تعليم اللّغة العربية في تحقيقها. يهدف ثلثاها إلى “بناء شخصية المتعلّم الفرد والمواطن” بأبعادها الفكرية والوجدانية والسلوكية والروحية والأخلاقية والعلمية والنقدية والمعرفية والجمالية والفنية والتراثية والذاتية والاجتماعية والثقافية والوطنية والقومية والإنسانية…، ويهدف الثلث الأخير من الأهداف العامّة، المقتصر على عشرة أهداف، إلى “تعزيز كفاية المتعلم اللّغوية”، ويتوزّع على: ربط اللّغة بالحياة، مستوى اللّغة، قواعدها، نظامها، تقنيّاتها، معجمها، مهارات تعلّمها، وكيفية اكتسابها. وهكذا، يستأثر الشقّ التربوي بأبعاده المختلفة بثلثي الأهداف العامّة، ويبقى للشقّ اللّغوي ثلثاً واحداً، وكان الأفضل تغليب الشقّ الثاني على الأوّل أو التوازن بينهما، على الأقل.

خلاصة القول إن اللغة التي لا تستطيع أن تؤمن مصدر رزق ستتعرض للإندثار لأن المواطن يكتسب العلم والمهارات والتخصص الجامعي بهدف الحصول على فرصة عمل، هذه الفرص تتقيّد حالياً بالشركات الأجنبية التي توفرها إن في الداخل أو في الخارج.

منى طوق