جورج خباز: الممثل هو أصدق كاذب على وجه الأرض!

فنان قلبا وقالبا، كوميديّ بامتياز، تمرّس بالمسرح والسينما والتلفزيون، تمثيلا وكتابة وإخراجا. يستنبط الضحكة من موقف أو ظرف أو لحظة، يعالجها، يبنيها قصة ويرويها مسرحية أو فيلما أو مسلسلا تلفزيونيا. والقصة غالبا ما تكون مضحكة مبكية، دمعة وابتسامة، تحاكي تفاصيل الحياة ويوميات كلّ إنسان… وتصل الضحكة، وتصل الدمعة كذلك، ليعيش المشاهد بينهما رحلة تشبهه، يقود دفّتها مبدع من لبنان: جورج خبّاز.

 

ولد جورج خباز في 5 تشرين الثاني 1974 في البترون، في عائلة فنية. والده الممثل جورج خباز الذي مثّل في مسرحيات عدة منها “سهرية”، وأعمال تلفزيونية  مثل “البؤساء”، “رصيف باريسيانا”، “شباب 73″، و”أبو ملحم”… والدته الممثلة أوديت عطالله، شاركت أيضا في مسرحيات عدة بينها مسرحيات المهرجانات السنوية لكنيسة مار تقلا- بقنايا. له شقيق وشقيقتان: نيكولا ولارا ولورا التي تشاركه في العديد من الأعمال.

تلقى علومه الأولى في مدرسة القلبين الأقدسين-البترون، ثم في جامعة الروح القدس-الكسليك، حيث درس كلّا من العلوم الموسيقية والمسرح، قبل أن يدمج بين الإثنين، ويتخصص مهنيّا في الكوميديا الموسيقية، التي تألق فيها خلال مسيرته الفنية التي بدأت منذ عشرين عاما، وأثمرت أكثر من 20 مسرحية و4 أفلام بين تمثيل وتأليف وإخراج، زرع خلالها الضحكة ليحصد النجاح. والمسيرة مستمرة بإنتاج غزير، آخرها فيلم ومسرحية، هما الآن قيد التحضير.

لم يختر جورج خباز التمثيل ولكنّ “التمثيل هو الذي اختارني” يقول، ولذلك فهو شغوف بعمله، يساعده شكل خارجي يليق بالمهنة، وبيئة حاضنة لموهبته وهي العائلة التي نشأ في كنفها. أما النجاح فهو آخر ما كان يفكر فيه يوم اعتلى خشبة المسرح لأول مرة، كان يريد أن يمثل “ونقطة على السطر.” أما الهواجس المادية والمعنوية الأخرى فكانت آخر همومه، وهذا برأيه يشكل الخطوة الأولى للنجاح، فكل عمل ينجز بشغف هو بالتأكيد عمل ناجح، بشرط أن يجمع بين الموهبة والدراسة.

ثقة الجمهور

يرى نفسه ممثلا قبل أي شيء آخر، “وكل المواهب الأخرى هي في خدمة الممثل الذي فيني”، فهو يؤلف ويعزف ويرقص لا لأنه مؤلف موسيقي وعازف وراقص، بل لأنّ التمثيل يحتاج الى نص موسيقي وعزف ورقص… يردّ حب الناس لأعماله الى أنهم رأوا فيها هواجسهم وأفكارهم وبعض ما يريدون التعبير عنه، مما ولّد تلك الثقة بينه وبين جمهوره.

وإذا كان التمثيل بشكل عام هو الذي اختاره، فأنّ جورج خباز هو الذي اختار الكوميديا، رغم أنّها من أصعب أنواع التمثيل، وذلك “لأنّ الرسالة تصل أسرع من خلال الكوميديا الى عقول الناس وقلوبهم، الى أي فئة فكرية أو عمرية انتموا، لأن حب الفرح هو القاسم المشترك بين الجميع. ولأنّ الفرح في الدول العربية وفي لبنان خصوصا، ممزوج دائما بالحزن بسبب الظروف الصعبة”، فإنّ كوميديا جورج خباز غالبا ما تتحول في أعماله الى “الكوميدراما” المازجة بين الضحكة والإبتسامة، “لأنّها وبكلّ بساطة مرآة فنية” تعكس حياة مجتمعه ومحيطه. وفي هذا الإطار ربما يتمنّى لو كان موجودا في زمن الأخوين الرحباني، ليشاهد مسرحية لهما على مسرح قلعة بعلبك تحديدا… والمسرح الذي يعشقه، يفضله على التلفزيون الذي يؤمن الإنتشار وعلى السينما التي تؤمن التخليد للممثل، وذلك لأنّ “المتعة الكبرى لا يعطيها للممثل والمشاهد معا إلا المسرح، متعة التلاقي والتفاعل، متعة اللحظة الفريدة التي لا تتكرر…” وهو في هذا الإطار متأثر مسرحيا بالكبير تشارلي شابلن، ولكن الإلهام المسرحي الأكبر يستمده من يسوع المسيح، “المسرحي الأول الذي كان يحوّل كلّ عناوينه الكبرى الى أمثال شعبية، هي عبارة عن مسرحية بكل عناصرها الضرورية، من حبكة وشخصيات وعلاقة بين الشخصيات الخ…”

والمتعة الكبرى هذه لا تخلو من التعب، وهو أمر طبيعي برأيه، وبخاصة في بلد مثل لبنان، حيث “يفتقر الممثل الى الدعم الرسمي ويحفر الصخر بيديه، ولكن الدعم الأهم هو دعم الجمهور ومحبته، وهو الذي يحمّلنا مسؤولية الإستمرار، لأن الأهم من النجاح هو المحافظة عليه”. ولذلك يعرف جورج خباز التعب ولكنه لا يعرف الملل أو الإستسلام رغم الصعوبات، لأنه لا يجد نفسه في أي مجال آخر، “ولأن النضال هو واجب إنساني كلّ من مربضه”، وهو مربضه المسرح، وتحديدا في لبنان “لأننا لم نولد هنا بالصدفة، بل لأنّ لنا دورا هنا بالذات”.

ورغم أنّ مربض نضاله هو في لبنان وسلاحه من صنع محيطه وبيئته، إلاّ أنّ أعماله لا يحدها زمان أو مكان، وهذا أمر يقصده جورج خباز، بدءا من اختيار الموضوع المستمدّ دائما من الواقع الإنساني العام والمشاعر الإنسانية، “فالفرح والحزن والخوف وغيرها من المشاعر الإنسانية، هي نفسها لدى ابن السنغال مثلا وابن لبنان”، ومن هذا المنطلق يحرص على أن تكون أعماله حاملة الهواجس والأفكار والإشكاليات الإنسانية المشتركة. وهذا الحرص هو الذي يقوده الى العالمية بدليل الجوائز التي حاز عليها من جهات عدة، مثل كوريا الجنوبية وسويسرا والولايات المتحدة وألمانيا، وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا والإمارات العربية وغيرها بالإضافة الى لبنان… والحرص عينه هو الذي يجعل جورج خباز “عصبيا في ما يتعلق بالعمل”، يعيش هاجس القلق ولا يساوم على الجدية والإلتزام، عصبيته ناتجة عن اصطدامه بعدد من غير المهنيين الذين لا يحترمون الوقت والعمل، ولكنّه يؤكد في المقابل أنّه ممتنّ جدا لكونه يتعامل مع فريق عمل رائع، مهني، يوفّر عليه الكثير من أسباب العصبية.

تحويل الى الناس إلى الورق

خارج ساعات العمل يقضي جورج خباز وقته بالعمل أيضا، ففي ذلك الوقت يبدأ عمل الكاتب فيه، يرى القصص أمامه، يستوحي الأفكار ويكتب، بعينيه، بأذنيه، بفكره، لأنّ “الكتابة على الورق هي آخر مراحل التأليف”، أما المراحل الأولى فهي متواصلة لا تتوقف. فكيف تتوقف مهنة “تحويل الناس الى ورق ثم تحويل الورق الى ناس هم الممثلون؟ إنها مهنة لا تتوقف، مهنة القلق…”

وإذا كانت مهنة الكتابة هي مهنة القلق، فما هي مهنة الممثل؟ “إنها مهنة الكذب الصادق” يقول، “فالممثل يلبس شخصية غير شخصيته، ودورا غير دوره، ولكنه يتشرّب الشخصية ويؤدي الدور بكلّ الصدق القادر على إقناع المشاهد بالشخصيّة التي أمامه وجعله يبكي لبكائها ويضحك لضحكها، ولذلك يصبح الممثل أصدق كاذب على وجه الأرض، ويصبح التمثيل مرآة تعكس أصدق صورة للإنسان والمجتمع…” وفي هذا الإطار يشبه جورج خباز الممثل جورج خباز الإنسان، مع بعض الإضافات من الجدية، “وهي من ضرورات النجاح والإستمرار ومن أهم مقومات العلاقات الإنسانية والمهنية”. يضحك جورج خباز الإنسان “الموقف الطبيعي الحقيقي الصادق”، ويبكيه “الظلم بكل أشكاله أينما حل، وبخاصة إذا طال الضعيف.” يحلم بوقف نزيف “هجرة الإنسان من الإنسان، فإنسان اليوم يعيش أصعب مراحل حياته، التي لم يمر بها حتى في أصعب ظروف الحروب التاريخية، فالحروب أهدافها معروفة وحتى المتحاربين كانوا معروفين، أما اليوم فقد اختلط الحابل بالنابل ولم يعد معروفا العدو من الصديق، وقد كثرت العبثية والموت المجاني الذي لا سبب له… غريب الذي يحدث في أيامنا ومحزن كثيرا…” ولذلك، لديه حلم واحد وهو “السلام في النفوس والقلوب، السلام بين البشر”، وكل الأحلام الأخرى تزاد لنا، “لأننا أبناء الرجاء”.

والرجاء هذا يستمده من الإيمان، من علاقته بالله، من صلاته اليومية التي يؤديها من خلال الخدمة أكثر مما يؤديها من خلال الطقوس الدينية، فهو يرى الله في عيني كل صادق ومحب وخدوم، لأن “الخدمة هي قمّة العبادة، ولأنّ الله هو نحن، مجموعة البشر الساعين موحدين نحو خير البشرية…”

لارا سعد مراد