لمواجَهَةِ شبَحِ الموتِ الْمُتَجَوِّلِ في كُلِّ مكانٍ: في فلسطين والعراقِ وسوريَّا واليمن، في تونس ومصر والبحرين وليبيا؛ وعلى الرُّغمِ مِمَّا حَفلت به الأسابيعُ القليلةُ الْمُنصَرِمةُ، وما تَصَدَّرَ صفحات الصُّحفِ واحتَلَّ الشاشاتِ الصغيرةِ، طوال أيَّام، من أخبارِ شؤمٍ، وما تَوَقَّعُهُ الْمُنَجِّمون من أحداثٍ جسام، قد تُهَدِّدُ البَشَرِيَّة بأوخمِ العواقِبِ، نحن مَيَّالون إلى التفاؤُلِ، لا انتصارًا لسعيد عقل الْمُؤمِنِ بأنَّ: «شَرْطَ فَتحِ الفَمِ، التفاؤُلُ» وحسبُ، بل لأنَّ التفاؤلَ من أبناءِ الرَّجاءِ، والرَّجاءُ من الفَضَائِلِ التي لا تُخَيِّبُ أصْحابَها.

ضِدَّ اللامُبالاةِ والعَجْرَفةِ في إدارةِ شؤونِ الناس من قبلِ الأقوياء؛ ضِدَّ استغلالِ الأطفالِ وتَشغيلِهم والاتِّجارِ بأعضائهم، وضِدَّ جميعِ الذين يَغتصِبون النساءَ والاطفال َويحرقونَ الكنائسِ ويدمرون المتاحف والآثار [ تدمير نمرود والحضر وتحطيم متحف الموصل]؛ ويُهجِّرونَ سُكَّانَ القرى [الاقباط في مصر، الأشوريون في العراق، والمسيحيون عمومًا في نيجيريا]؛ ضِدَّ الفَقْرِ والجوعِ والتَشَرُّدِ والموتِ في عَرضِ البحارِ؛ ضِدَّ التصَحُّرِ هنا والطوفانِ هناك؛ ضِدَّ الحَروبِ الْمُتَنَقِّلة وما تَحْصُدهُ، سنوِيًّا، من أبرياءٍ وزُمَلاء لنا آمنوا بالعدالةِ وترَسَّلوا للحَقِّ ومُقاومةِ الْمَظالِمِ على أنواعِها، [لقد قُتِلَ ما يُناهِزُ الخمسين صِحافِيًّا، إبَّان السنتين الماضيتين، في أثناءِ قيامِهم بواجباتهم المِهَنيَّة] ضِدَّ جميعِ هذِهِ الكوارثِ والويلات، لا نَجِدُ غيرَ الرَّجاءِ نواجِه بِه مُفاجآتٍ صارَت، مِثلَ الأقدارِ، لا تُصَدُّ.

في خِضَمِّ هذِهِ الأحداثِ الْمُرْعِبةِ، يَغْدو الرَّجاءُ، مِثلَ الغِذاءِ والماءِ والهواءِ، ضرورةً لا غنى عنها، إطْلاقًا، للعيشِ وبالتالي، لِمُتابَعَةِ النِّضالِ ومقاومةِ الأمورِ الْمُخَيِّبَةِ، وما أكثرها! وصَدِّ المخاطِرِ المُحدِقةِ بالبشرِيَّةِ، وتجَنُّبِ انعِكاساتِها المُدَمِّرة.

فالرَّجاءُ، في مِثلِ هذِهِ الظروف الْمُتسارِعةِ، قد يُعيدُ التوازُنَ إلى النفوسِ الْمُتألِّمةِ والعائلاتِ الْمَنْكوبة، في كُلِّ مكانٍ، وبالأخصِّ إلى الإعلاميينَ الذين تزاحمهم الأحداثُ وتتعَقَّبُهم المهالِك وتطارِدُهم المساوماتُ، فيضيعون بين المنطِقِ والمُراوغةِ، بين جوهرِ الأمورِ ومظاهِرِها البَرَّاقة، لا سيَّما وأنَّ السلطاتِ، أمامَ مِثلِ هذه الفواجِع، لا تتصَرَّفُ بشفافِيَّة. يَكفي أنْ تَحصلَ كارِثةٌ طبيعيَّةٌ، ماليَّةٌ أو اجتماعيَّة، حتَّى يتزاحم المسؤولون على الميكروفونات ليظهرَ كُلُّ واحدٍ تعاطفه معَ الْمُصابين وتضامنه مع عائلاتهم، ويُعلِنُ براءته مِمَّا وَقَعَ، كَأنَّه يَشْعرُ بوخزِ ضميرٍ، أو كأنَّ الانتخابات ستجري غَدًا.

صحيح أنَّ تهرُّبَ مُعظمِ المَسؤولين من تحَمُّلِ أعباءِ مَسؤولياَّتهم ليس ابن البارِحة، وأنَّ التوريةَ، كانت ولا تزالُ خُبزَ السياسيين اليومي؛ فمُنذُ مئاتِ السنين ومُعظَمُ الحُكَّامِ يُعامِلون المواطِنَ كزبونٍ طَيِّعٍ، قابِلٍ للانقياد؛ والصِّحافةُ مُنذُ أنْ نَشَأت، نشَأَ معها ما نُسَمِّيه، اليومَ، العلاقَةُ الجَدَلِيَّةُ بين السُلْطةِ والجريدة؛ ولكِنَّ الصحيحَ أيضًا أنَّ التَفاؤُلَ كان ولا يزالُ ألف باء العَملَ الصحفيَّ، وأنَّ كُلَّ حامِلِ قَلَمٍ، يَحْمِلُ مع القلمِ رسالةً ما؛ و إلا، فلماذا يَكتُبُ الواحِدُ مِنَّا إذا لم يكُن ينتَظِرُ أنْ يُقْرأَ، اليومَ، غَدًا، أو بَعْدَ ألفِ عام؟

أليستِ الكتابةُ رسالةً عامَّةً نُحَمِّلها أفكارَنا وآراءنا وتوَجُّهاتِنا، وأحيانًا، إرشاداتنا أو انتقاداتنا، على أملِ أن تُلاقي تجاوبًا من قِبَلِ القرَّاءِ، مَسؤولين وغيرِ مسؤولين، وبالتالي، أن تُسْهِمَ في تَصْويبِ الخطأ، وتقويمِ المِعوَج،ِّ وتَطويرِ الحياةِ العامَّةِ وتَرْقِيتها؟

في زَمَنٍ، كهذا الزَّمنِ الذي لم ير جيلُنا مِثلَه، ولا شَهِدَ سنةً جديدةً تأتي حامِلةً معها هذا الكمَّ الهائِلَ من الكوارِث، يُصبِحُ التفاؤلُ جسارةً لا بُدَّ منها، والرَّجاءُ خَشَبةَ الخلاصِ التي لا نَجاةَ بدونها.

والصَحافيُّ، مثل المُفَكِّرِ والأديبِ، يُمكِنُهُ أن يأتي أيَّ أمْرٍ باستثناء التخاذُلِ، أو خِداعِ الحقيقةِ، أو خيانةِ الحُرِّية،ِ فهذهِ الأمورُ وأمثالها تُعْتَبَرُ خيانةً للذاتِ وتَجديفًا على الضميرِ المِهنيِّ في أقدَسِ مُقَدَّساتِه.

والْمُؤلِمُ، حقًّا، أنْ يُقْحِمَ بَعضُهم رجالَ الصِّحافةِ، زورًا أو تشَفِّيًا، في عِدادِ الْمُعتدين على كرامةِ الآخرين، بسَبَبِ قِلَّةٍ يَعرِّضُها طيشُها أو ضعفُها أو حماسُها الْمُفْرِطُ إلى الوقوعِ في التجارِب؛ مع عِلمِ هذا البعضِ بأنَّ القِلَّةَ هي، دومًا، الشَّواذ الذي يُؤَكِّدُ القاعِدة، لا الذي يَنسفها؛ فالنقدُ الذي تُمارِسُه صُحُفُنا، بصورةٍ عامَّةٍ، ليسَ تَطَفُّلاً ولا قَدْحًا أو ذَمًّا أو افتراءً أو تَجْريحًا، بل هو ضرورة خُلْقيَّة وضرورةٌ وطنيَّة – إنمائيَّةٌ مُلِحَّة، إذا كُنَّا نُريدُ تصويبَ المسيرةِ العامَّة ليظَلَّ لبنان مِنبْرًا لِحُرِّيةِ الفكرِ والقولِ والكتابةِ و يَلحَقَ برَكْبِ الحداثةِ والتَرَقِّي.

ولا يَضيرُ أنْ نُذَكِّر، من لا يتذَكَّرُ، أنَّ الصِّحافةَ اللبنانيَّةَ كانت ولا تزالُ حجرَ الزاويةِ في صَرحِ الديمُوقراطيَّةِ التي ننعمُ بها، دون العديدِ من بُلدان مِنطقتي الشرقِ الأدنى والشَّرق ِالأوسط، وأنَّها، رُغمَ الهفواتِ، تبقى رِئةَ اللبنانيين على اختلافِ أفكارهم ونزعاتهم وعقائِدهم. وعلى الرُّغمِ من الْمِحَنِ وكُلِّ ما يُقال، في السِّرِّ والعلنِ، لن نتخلَّى، كإعلاميين نذَروا ذاتهم للجَهْرِ بالحقيقةِ وقَرْعِ أبوابِ الضَّمائرِ، عن تفاؤلِنا، بل سنبقى في الرَّجاءِ، لأنَّ الرَّجاءَ نَجْمةُ أفْقِنا وهَمْزةُ الوَصْلِ بينَ الإيمانِ بالله ومَحبَّةِ القريب.

بقلم العميد أنيس مسلّم