كنت من المحظوظين في حياتي لأنّي عشت في رهبنيّتين. رهبنة كنسيّة فيها رهبان وكهنة تعلّمت منها الكثير. ورهبنة علمانيّة طوّعتني وعلّمتني وغيّرتني وكبّرتني كثيراً، فيها علمانيّون: إعلاميّون ودكاترة وسياسيّون ومفكّرون مكرّسون لقضيّة مقدّسة (إتّحاد أورا).

ولا أريد أن أقارن بين الرهبنيّتين لأنّي أخاف أن تربح الثانية على الأولى وتقوم القيامة، وأصلاً ليس ذلك موضوعنا.

في رهبنيّتي العلمانيّة-القضيّة تعرّفت على الكثيرين من أصحاب الرؤوس المرفوعة وأعمدة القيم الشامخة وأصحاب القضيّة البعيدين كل البعد عن المصالح الشخصيّة والسمسرة.

من هؤلاء أخي وزميلي وصديقي مارون حدّاد، عمود أساسي في بناء هذه الجماعة (إتّحاد أورا) التّي عرفت فيها الضوء والقيامة والحياة.

عاش شامخاً ومات فقيراً ومتواضعاً لأنّه لم يحدّد ولو لمرّة واحدة سعره، لم يقبل مرّة واحدة أن يُملى عليه عمله الإعلامي، فترك العديد من المراكز لأنّه يريد أن يقول ويكتب قناعته وليس ما يطلب منه الآخرون.

بمجرّد كنت أجلس معه، كنت “أشرّج” ذاتي وطاقاتي وقدراتي وقيمي. كان من الرجال النادرين، صاحب موقف لا يساوم، ولكنّه متواضع كسنبلة القمح، ينحني مع الريح وهو مليء بالعطاء.

جبينٌ عال كأرز لبنان لأنّه يرفص الإملاءات ويحبّ لبنان حتّى التّخلي عن كل شيء ما عدا الكرامة والعنفوان. أخي وزميلي مارون، انت لم تغب عنّا، بل أصبحت أيقونة في صدر مؤسستنا وقضيّتنا وفي صدورنا لكي نتنفّس منك قيماً وشموخاً وعزّة وصدقاً… نلتمسك في هذه الأيّام الصعبة، وفي ظلمة الطريق ان تومض دوماً بيننا وان نأخذ منك الأمثولة والعبر. باقون وإيّاك في القضيّة مقاومين، وفي الإعلام موقف شامخ مجّاني قيمي.

ولن أنسى أبداً ما قلته لي قبل مغادرتك هذه الأرض “يا أبونا لو فيي أعطيك كل دمّاتي ما بتأخر، لو بتشوف يا أبونا  شو برتاح لمّا بيجي لهون لأنّي بصدّق إنّو بعد في ناس نضاف وعندن قضيّة متل هالشباب الطّيبين”. أحبّك كثيراً.

أخوك الأب طوني خضره

في السابع عشر من اذار ٢٠١٦ ودعت عائلة حداد في الحدث معيلها ، كما ودع الجسم الاعلامي ، ولا سيما الاتحاد الكاثوليكي للاعلام ، زميلها مارون حداد الذي عمل سنوات طويلة  من حياته في حقل الاعلام الاقتصادي ، وذلك على صفحات اكثر من وسيلة اعلامية واحدة.

 

عرفناه منذ تأسيس اتحادنا ، اوسيب لبنان”، الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة في اواخر التسعينيات صديقا وفيا واعلاميا ملتزما ، متميزا بهدوئه ورزانة تفكيره . قلما تخلف  عن حضور لقاء او مشاركة في مناسبة اعلامية او اجتماعية نظمها الاتحاد . بقي وفيا للاتحاد الذي كان من بين الاكثر التزاما بمواعيده ، حتى في الايام التي كان الداء قد المّ به . في شهادته التي عبّر عنها لخاصته في ايامه الاخيرة ونقلها عنه افراد عائلته الى الاب طوني خضره رئيس اوسيب ظهرت محبته ووفاؤه نحو اسرته الثانية الاعلامية وتعلقه بالروحية والمبادئ الاخلاقية التي دعت اليها وسعت بكل ما تستطيع لتحافظ عليها في الظروف الدقيقة والمتعسرة  التي  يمر فيها  هذا القطاع بصورة عامة . شخصية مارون حداد الاعلامي الطيب والهادئ  ، بقلمه الرزين وقلبه المحب  ، تبقى ملامحها ماثلة طويلا  في قلوب اصدقائه وعائلته الاعلامية الثانية  .

 

شهادة من صديق اخر رافقه سنوات في عالم الصحافة الاقتصادية الاستاذ ابراهيم عبده الخوري (  النهار بتاريخ ٢٢/٣/٢٠١٦ )  تحت عنوان ” مارون حداد بين الوظيفة الحكومية والصحافة الاقتصادية ”

 

وفّق الصديق مارون حداد بين الوظيفة الحكومية والصحافة الاقتصادية، مثلما وفّقت انا بين الوظيفة المصرفية والصحافة الاسبوعية.
التقينا في مجلة “الجمهور الجديد” على السراء والضراء. وكان قلمه الاقتصادي يفتش في الزوايا عن مرتجى الاقتصاد اللبناني وعن واقع الاقتصاد العربي والعالمي.
يُجري الاحاديث الاقتصادية مع من تشهد لهم الساحة الاقتصادية بجدارتهم. وهمّه أن يكون الاقتصاد اللبناني في منأى عن كل تجريح أو نقد، لأنه اذا انهار انهارت البنية اللبنانية. فالاقتصاد فعل ايمان بلبنان تسود فيه العدالة والطمأنينة وراحة البال.
تنقّل مارون حداد في صفحات اقتصادية لصحف يومية واسبوعية ودورية. يعرف كيف “يدوزن” الخبر لأنه كان جاداً في ملاحقته. والذين التقاهم من رجال الاقتصاد أمدّوه بأخبار تفرّد بها.
امتهن الوظيفتين فأتقنهما. وكانت له صداقات مع المسؤولين فيهما. ولعشقه الصحافة الاقتصادية كان مع كوكبة الزملاء الاقتصاديين احد مؤسسي “جمعية الاعلاميين الاقتصاديين”.
كدّ وثابر وضحى لتكون الصحافة الاقتصادية مرآة ينعكس عليها وجه الاقتصاد اللبناني الساعي ابداً الى النجاح والانتشار خلف الحدود. وكانت الدول العربية جادة في درس اقتصادنا المبني على الحرية والانفتاح على الغير. فهو اقتصاد غير موجه، ولا حدود لتطلعاته المستقبلية.
انتكست صحته بعد معاناة المرض. لم يعد قلبه يجاري قلمه: فحزن هذا القلم وانطفأ النور في عيني صاحبه.
أخي مارون ،
عشنا معاً الايام الملاح، والايام العجاف. وتبقى في الذاكرة كلما تصفحنا الصفحات الاقتصادية في الصحف اليومية والاسبوعية والدورية. لقد كنت شاغلها لأعوام طويلة. كانت مطواعة في يديك المتسلحة بيراع حر، أستقيت اخبارها من مصادر موثوق بها ورحلت.
ابرهيم عبده الخوري

 جوزف خريش

رحل صديقي مارون. رحل مارون ومع رحيله خسرنا أحد “أوادم” هذا الوطن. ما قال كلامه مرّة، إلا وكانت الغاية الدفاع عن الإنسان، الذي هو خميرة المجتمع. مارس مهنة الصحافة وأحبّها. كتب في الصحافة التي تعنى بشؤون وشجون الإقتصاد، فكانت له علاقات عديدة ومتنوّعة في هذا القطاع. أخبرني ولأكثر من مرّة، عن هذا وذاك، من له ومن عليه، ومع كل “خبريّة” يكون الجامع لبنان وكيفية العمل للخروج من أزماته وفساده.

أما العائلة التي رباها مع السيّدة عقيلته، فكبرت “كحبة الحنطة” وأثمرت حبّات. كان مستقبلها شغله الشاغل، والهاجس، رغدة عيش الأولاد، الذين مهما كبروا علينا دائماً أن نأخذ بيدهم.

مارون يا من كنت تسألني دائماً عن قطعة أرض في جبيل إرحل بسلام، فلك في السماء فسيح جنات الرب.

سمعان سمعان