ليس جديدا على لبنان أن يخرّج علماء وأدباء وفنّانين ومبدعين في مجالات الحياة كافّة، وليس غريبا على وطن الإشعاع والحضارة أن يشعّ أبناؤه في بلدهم وخارجه، ولكنّ الغريب وإن كان غير جديد هو أن يكون أهمّ أصحاب الإبداعات يعيشون في الظّلّ، هم الّذين تشعّ مواهبهم كنور الشّمس… يعزو النّقّاد هذا الأمر الى انحدار القيم في العالم وليس فقط في لبنان، في زمن المادّة وعصر السّرعة والرّكض وراء المال وأصفار اليمين والشّمال…

على صعيد الفنّ تحنّ الأصالة الى الكلمة الرّاقية والنّغمة الشّجيّة، الى رقّة الأمس وحنانه، الى يوم كان الحبّ شعورا وشعرا صادقا في أغنية، والشّوق لحنا يعزف على أوتار القلب، والجمال دهشة في العيون الحالمة…

لقد أضاعت الأصالة نفسها في عصر»التكنولوجيا» الّتي اجتاحت العقول والقلوب، فاغتالت الحبّ والشّوق والجمال بكبسة زرّ، وقتلت الخصوصيّة «بشحنة بطّاريّة»…

العازفة ماغي أبي اللّمع اسم من لبنان قرّر التّفتيش عن الأصالة ليعيدها الى نفسها، فوجدها في آلة قصبيّة أسطوريّة تضرب جذورها في عمق الأساطير الإغريقية وتصل نغمات قصباتها الى حدود السّماء. إنّها الأميرة الخارجة من عبق الأسطورة و«ملكة» آلة «الجناح» (flute de pan) في لبنان، التّي عشقت القصب، ونفخت فيه روح الحبّ، فنفض عنه عتمة الأيّام ودار يبشّر بألحان من نور، تسمو بالأساطير نحو الحقيقة الكلّيّة وبالإنسان نحو اللّه.

الأسطورة

«الجناح» أو نايات القصب هي أكثر من آلة فهي أيضا أسطورة إغريقية تتحدّث عن «سيرانكس» حوريّة الجبال المجلّدة الّتي كانت تمتاز بجمال فتّان وثوب مشدود على الخصر بزنّار وبقوس من قرن وآخر من ذهب، أبصرها الإله «بان» الرّقيق والخجول من قباحة وجهه، فشغف بها ولكنها هربت منه في الحقول حتى وصلت الى مياه بحيرة «لادون» حيث استوقفتها التموّجات، فذابت فيها وتقمّصتها، ولمّا طوّقها بذراعيه معتقدا أنّه يضمّ جسد حبيبته، لم يكن يطوّق إلاّ قصبات المستنقع. وبينما هو يتنهّد بحرقة، دخلت زفراته في ضمّة القصب فصدر صوت شجيّ يشبه العتاب جعل الإله «بان» يصرخ: «اسمحي لي أن أضمّك الى الأبد»، وهكذا خلّد «بان» اسم حبيبته «سيرانكس» ضامّا الى صدره قصبات غير متوازية مشدودة الى بعضها البعض بالشّمع، ومن خلود الاثنين ولدت آلة «سيرانكس-ناي بان» أو آلة الجناح…»

وبالدّهشة عينها اكتشفت أبي اللّمع آلة الجناح فعشقتها من النّظرة الأولى عندما لمحتها العام 1994 في واجهة متجر للآلات الموسيقيّة في باريس، وإذ كانت آلة تحمل اسم أستاذ يعلّم العزف عليها، توجّهت اليه طالبة منه تعليمها، وقد زاد عشقها لهذه الآلة أكثر فأكثر عندما سمعت صوتها الّذي تصفه بـ«أكثر الأصوات حنّية»… والأستاذ المذكور هو الكبير باتريك كيرسالّيه الّذي شغف بدوره بحماس تلك العازفة العربيّة الصّغيرة الآتية من لبنان… أكملت في باريس دراستها الموسيقية الّتي بدأتها في جامعة الرّوح القدس-الكسليك، قبل أن تدرس بعد كيرسالّيه على يد عملاق الموسيقى «عرّاب» آلة الجناح ومطلقها في العالم «جورجيو زامفير» في رومانيا، الّذي لا تنسى «قساوته» عليها لأنّه اكتشف فيها طبعا موهبة فريدة في العزف على آلة تعدّ من أغرب الآلات وأصعبها وأندرها في العالم.

تعيش لتعزف

بدأت أبي اللّمع العزف على الجناح في لبنان عام 1997 حيث تعبت وتتعب في تعريف الناس عليها، فأقامت الحفلات في أكثر من منطقة أهمّها في مغارة جعيتا وسجّلت عدّة اسطوانات، كما سعت الى تعليم عدد من الطلاّب العزف على الجناح ولكنّهم لم يتجاوزوا عدد أصابع اليد الواحدة نظرا لصعوبة العزف عليها. ولم تكتف أبي اللّمع بما تعلّمته بل أضافت ميزة جديدة على الآلة فشرّقتها، أي أجرت تعديلات عليها فجعلتها قادرة على اداء النّغمات الشّرقيّة بعد أن كانت آلة غربيّة فقط.

لا تعزف أبي اللّمع لتعيش بل تعيش لتعزف وتقول دائما للرّبّ: «عندما أموت، لمجدك في السّماء أكرّس عزفي». هكذا تترجم شغفها بالعزف وبهذه الآلة تحديدا، رفيقتها الدّائمة الّتي تشكو اليها مكنونات نفسها، سواء على شاطئ البحر حيث تسكن أو على مسرح دار الأوبرا في باريس، أو حتى على مذبح كنيسة حيث تصلّي عزفاً. وكما تصلّي عزفا، تتالّم وتحلم وتفرح وتغضب وتحزن وتحبّ عزفا أيضا، وكما تعزف كذلك تعيش، برقّة وحنان وشغف وحرّيّة.

ترفض أن تملك شيئا على الأرض «لأنّ الملكيّة الأرضيّة تشدّ صاحبها الى الأرض»، أمّا هي فتريد ان تحلّق دوما في السّماء على»جناح» النّغم…

قصب وكريستال

نغماتها دائما «حنونة»، سواء في الحزن الذّي تعبّر عنه آلة الجناح المصنوعة من القصب، أو في الفرح الّذي تعبّر عنه الآلة نفسها المصنوعة من الكريستال، «ولكنّ سرّ جمال الصّوت هو في نفس العازف وإحساسه قبل كلّ شيء «… تحبّ الى جانب العزف، فنّ التّصوير لأنّها في الصّورة تسجّل لحظات الفرح «الّتي لا تدوم طويلا» لكي تتمكّن من العودة اليها في «لحظات الحزن»، كما تعشق البحر والسّباحة «هواية الإنطلاق والحرّيّة» حيث تغوص من جديد في عمق الأسطورة «كلّ مرّة تضجر من قشور الحياة وتفاهاتها اليوميّة».

تفخر أبي اللّمع بجوائز عدّة حازت عليها في لبنان والعالم، ولكنّها تفرح أكثر بالكبار الّذين التقت بهم في مسيرتها الفنّيّة وتعاونت معهم، فقد حازت على جوائز تكريم وتقدير من مونتي كارلو وتونس والمكسيك، بالإضافة الى جوائز أخرى من سفراء عدد من الدّول العربيّة وجائزة كبير لبنان الخالد سعيد عقل وغيرها… تحب الحياة والموسيقى وتقول: «الموسيقى ليست حياة، بل الحياة نفسها هي موسيقى…»

ل.س.م.