تتكبد الدولة نحو 20 مليار ليرة لبنانية سنوياً بدل إيجارات لمبانٍ تُشغلها كليات الجامعة اللبنانية. وكان هناك مشروع لإنشاء خمسة مجمّعات جامعية في المحافظات ولكنّ المجمع الجامعي في الحدث هو الوحيد الذي أبصر النور والموافق للمواصفات العالمية. والسؤال : لمَ لا يُصر الى تخصيص هذه المبالغ لإنشاء مجمّعات جامعية في المناطق اللبنانية تباعاً، مع تحديد أولوية الحاجة والتوزيع الديموغرافي؟ والدعوة الى بناء مجمّعات تأتي من منطلق اللامركزية الإدارية، أي أن يكون للجامعة رئيس مركزي ونواب رئيس في المجمّعات، للنأي بالتعليم العالي الرسمي بعيداً عن التجاذبات السياسية .

هناك مبادرة جديدة تقوم بها “جمعية أصدقاء الجامعة اللبنانية” (Aulib ) بالسعي الى إنشاء مجمّع للفروع الثانية في مارينا- ضبيه مع ابقاء مجمّع بيار الجميل في الفنار لكليتي الصحة والعلوم بكل اختصاصاتها. هذه المبادرة أثمرت مشروعاً لا يزال قيد الدرس والتدقيق وتتمّ مراجعة المسؤولين للقيام بالخطوات القانونية تمهيداً للوصول به الى المراحل النهائية والبدء بالتنفيذ.

يقول رئيس جمعية أصدقاء الجامعة الدكتور أنطوان صيّاح : إن الأبنية التي تشغلها الفروع الثانية لا تصلح لتكن مدرسة فكيف بالأحرى لتكون جامعة. لا تتوفر فيها أدنى مواصفات البناء الجامعي ، فهي كناية عن غرف تابعة لدير أو مأوى … من هنا تألفت لجنة ووضعت مخططاً وبدأت تسعى بكل الوسائل المتوفرة لإنشاء مبنى جامعي يليق بالشباب اللبناني.

ويوضح الدكتور صيّاح أن الدولة اللبنانية تدفع بدل ايجارات للفروع الثانية فقط 9 مليار ليرة لبنانية و”فكرنا اقتصادياً بأن بدل هذه الايجارات بالاضافة الى عشر سنوات لاحقة، يكفي لتشييد قسم من البناء الجامعي يضم عدداً من الكليات” . ولفت الى أن عدد الطلاب الى تزايد وهم بحاجة الى أماكن تتسع لهم ومن الضروري ايجادها . إذ يبلغ عدد الطلاب في الفروع الثانية نحو 13 ألف طالب وقد يصل خلال السنوات العشر الى 26 ألف طالب وهذا يحتاج الى أبنية لاستيعابهم.

 

أهمية الموقع الجغرافي

إن مساحة الأرض المتوفرة في مارينا – ضبيه هي ملك الدولة اللبنانية بحسب ما قال الدكتور صيّاح، فهذا يخفف من عبء شراء الأرض، وهي بالتالي منطقة متوسطة بين مناطق جبل لبنان وعلى خط ساحلي ترتاده آلاف السيارات يومياً ولا صعوبة في الوصول اليه .

ويشرح الدكتور صيّاح أهمية هذا البناء المصمم ليتسع نحو 26 ألف طالب وسيتمّ تأمين السكن للطلاب في المجمّع بما قدره نحو ألفي سرير، وسيكون له أثر اقتصادي مهم بحيث تزدهر المرافق العامة كالمطاعم وإيجارات السكن والنوادي وكلّ ما تتطلبه حاجات الطلاب والموظفين … فتنتعش المنطقة بتوفر فرص عمل للمواطنين .

تمّ اختيار الموقع لأنه الأنسب في المنطقة ومن ايجابياته أن الأرض هي ملك الدولة، كما يمكن للجامعة استخدام قصر المؤتمرات وكذلك المجمع الرياضي في نشاطاتها والاستفادة منهما كونهما تتوفر فيهما المواصفات المطلوبة . للتجمع موقع استراتيجي مهم يسهل الوصول اليه، بالاضافة الى ما له من أثر اقتصادي واجتماعي …

توضع على المشروع اللمسات الأخيرة تمهيداً لعرضه على مجلس الجامعة للموافقة عليه، ثمّ تحديد الأرض رسمياً التي ستخصص لهذه الغاية، فعرض المشروع على مجلس الوزراء (ووضع الدراسات الهندسية والتفيذية والأكلاف للمشروع والسعي لتأمين القروض) وليأخذ مجلس الوزراء القرار والموافقة عليه.

يمكن القول إن المشروع حالياً هو في طور الاكتمال وهناك سعي مع رئاسة الجامعة والوزراء للموافقة عليه تمهيداً لعرضه على رؤساء الجمهورية والحكومة ومجلس النواب .

دعم خاص ورسمي للمجمّع

وفي التفاصيل أن كلية الصحة وكلية العلوم مع سكن للطلاب تبقى في مجمعى بيار الجميل في الفنار والكليات الأخرى في ضبيه ، كلية السياحة في جبيل مع بعض الشعب لكليات العلوم والتربية والصحة وإدارة الأعمال والـ cnam.

أما مراحل المشروع فتمتد على ثلاث سنوات بدءاً من تخصيص الأرض والتي تحتاج الى ستة أشهر، ثم الطلب من مجلس الانماء والاعمار لتأمين القروض والمساعدات وهذه تحتاج الى سنة تقريباً، ويتمّ العمل لانجاز كل كلية والبدء بالتدريس بها تباعا ريثما يتمّ الانتهاء من بناء المجمّع بكامله.

ويؤكد الدكتور صيّاح أنه يقع على عاتق الدولة انقاذ لبنان تربوياً بانتاج المعرفة، لأنها الثروة الحقيقية وذلك من خلال تأمين التعليم الجامعي في مجمع لائق للطلاب يتوفر فيه مختلف مستلزمات التعليم العالي المتطور. وذكّر أن المشروع تقوم به جمعية أصدقاء الجامعة اللبنانية بالتعاون مع نخبة من الأساتذة الجامعيين وخريجي الجامعة.

تبلغ كلفة المشروع نحو 400 مليون دولار أميركي. وتستفيد منه مختلف شرائح المجتمع لما يوفر من تعليم وبالتالي يزيد من الحركة التجارية والاقتصادية في المناطق المحيطة به، لما سيؤمه يومياً من أعداد طلاب وموظفين وأساتذة …

وعن مساهمات المجتمع المدني في هذا المشروع، أوضح الدكتور صيّاح أن البلديات أبدت استعدادها للمساعدة، وكذلك القطاع الخاص والمرجعيات الروحية، لما للمشروع من الفائدة على جميع المواطنين. و”نرحب بجميع الهبات من دينية ورسمية وخاصة”.

المحرك الاساس للتنمية المحلية

وتشير دراسة هذا المشروع وتحديد الرؤية الاقتصادية للمجمع الجامعي لما يضم من كليات ومعاهد للفروع الثانية، إلى عاملين أساسيين، أولهما العوامل الاقتصادية التي ستنعكس ايجاباً لما ستوفره من فرص عمل جديدة واستثمارات في المنطقة، والثاني انطلاقاً من الدراسات التي أُجريت على العوائد الاقتصادية لهذا المجمع على غرار ما توفره الجامعات الموجودة في المدن الفرنسية أو الأميركية أو الكندية أو التونسية. هذه الدراسات أظهرت التأثير الاقتصادي للمجمعات الجامعية في التنمية والنتائج المباشرة في الاستثمار الرئيسي (مبان وفرق عمل…) وكذلك وجود الطلاب والأساتذة والموظفين الذين يساهمون بحد ذاتهم في الاستثمارات الاقتصادية لناحية التعليم العالي والأبحاث وانتشار المعرفة وتأهيل العنصر البشري وخلق المعارف الجديدة التي تساهم في التطور العلمي … هذا يدل على أن المجمعات الجامعية تعتبر المحرك للتنمية الاقتصادية المحلية من خلق فرص عمل في المنطقة التي يوجد فيها المجمع، وكذلك تحسين مستوى الحياة الاجتماعية والاقتصادية للسكان، وهذا ما ينطبق على مجمّع ضبيّه.

ايجابيات المجمّع الجامعي اقتصادياً

وأشارت الدراسة الى أن انشاء مجمّع للفروع الثانية في الجامعة اللبنانية في ضبيه سيشكل سلسلة من العوامل الاقتصادية التي ستؤدي دوراً هاماً في مناطق ضبيه وانطلياس وجل الديب وسن الفيل …لا سيما منها :

– زيادة الطلب على شراء الأراضي وارتفاع أسعار الممتلكات السكنية وازدهار المشاريع الصغيرة والكبيرة، من المحال التجارية الى المطاعم والفنادق وصالات السينما والمصارف …

– نفقات المجمّع لناحية الاستثمار الأساسي في انشاءات المجمّع (أعمال، شراء مواد …) وفرق الصيانة والمختبرات والتجهيزات لقاعات التدريس والمكاتب وغيرها . وتبلغ كلفة البناء تقريباً نحو 479,3 مليون دولار أميركي ، وهناك نسبة نحو 25% ستذهب للعمالة ومواد البناء التي يتمّ شراؤها من المناطق المتواجدة بالقرب من المجمّع خلال فترة الانشاء. وهناك أيضاً النفقات التي تنفق تحت أشكال متعددة يستفيد منها أهالي المنطقة سواء الصيانة والتنظيف والحرس وغيرها… يعني أن نسبة 92,7%  من العقود المتعلقة بأعمال المجمّع مبرمة مع مؤسسات محلية وبمعنى آخر من المنطقة المضيفة للمجمع، على غرار ما تفعله الجامعات في ستراسبورغ، حيث تستعين بأغلبية ما تحتاجه من منطقة تواجدها.

– نفقات الذين يتواجدون في المجمّع الذي يضم تقريباً 14 300 شخص ، منهم 13 100  طالب و1200 أستاذا وباحثً وموظفين اداريين . هذا العدد الى المزيد بنسبة 9,5 سنوياً . وقد يؤخذ في الاعتبار اذا كان مصروف الشخص يومياً نحو 7000 ليرة لبنانية فقط وهناك 14300 شخص ، يعني أن مبلغ النفقات يصل الى 100,1 مليون ليرة لبنانية في اليوم الواحد و18,02 مليار في السنة، اذا احتسب تعليم الطلاب لـ 180 يوماً في السنة.

– ازدهار الاستثمارات في ساحل المتن في مختلف المجالات التجارية .

– خلق فرص عمل جديدة مباشرة وغير مباشرة، سواء في داخل المجمع لأساتذة واداريين وتقنيين أو في المناطق التي تمتد على طول ساحل المتن.

– زيادة الطلب على العقارات، بما فيها من حركة البيع والشراء والايجار …بحيث يتهافت الطلاب على استئجار سكن بالقرب من المجمّع عدا ألفي سرير ستؤمن في المجّمع .

– قيام النشاطات الثقافية والعلمية والتي تتطلب نفقات اقتصادية، منها على سبيل المثال المحاضرات وتنظيم الأبواب المفتوحة والنشاطات الفنية والرياضية … هذه النشاطات لا تجذب أبناء المتن فقط، بل أبناء مختلف المناطق اللبنانية ومن الخارج أيضاً، مما يساهم في زيادة المداخيل ودعم المشاريع في هذه المنطقة، وكذلك يساعد في تنشيط الحركة السياحية وغيرها.

– زيادة الرأسمال البشري، بحيث أن الجامعة هي مكان لتأهيل العنصر البشري وتثقيفه وجعله مبدعاً وعالماً وقديراً … ليساهم بدوره في تنمية المجتمع والوطن.

– عائدات على الأرباح في مختلف القطاعات الانتاجية، من أصحاب المشاريع المتنوعة الى العمال المستقلين(سائقو اجرة، عمال ميكانيك أو كهرباء…) عدا الأشخاص الذين سيتوظفون في المجمّع.

– زيادة فواتير الضرائب العائدة للبلديات في مختلف المجالات .

هذا المجمّع يوفّر على الدولة بدل الايجارات التي تذهب هدراً على الفروع المتواجدة في المناطق، وبالتالي يمكن استيعاب الأعداد التي تتوجه إليه للتعليم في الجامعة اللبنانية، وتتوفر فيه الشروط والمعايير كصرح جامعي ينتج الثقافة والعلم، ولديه القدرة على تنظيم المؤتمرات الدولية، وبالتالي يعود بالفائدة الاقتصادية للمنطقة المتواجد فيها نظراً لما يؤمه يومياً من طلاب وأساتذة وموظفين وما تتطلب هذه الفئات من خدمات متنوعة.

منى طوق