إذا كان الفساد المستشري في مفاصل الدولة اللبنانية، يشكّل حجة العديد من المسؤولين، يدافعون بها عن عدم القيام بواجبهم كما يجب، فإنّ الفساد عينه يشكّل للبعض الآخر من مسؤولي الدولة تحدّيا كبيرا، عليهم محاربته بكلّ السبل الضرورية. مدير عام الجمارك بدري ضاهر واحد من هؤلاء القلائل الذين أخذوا على عاتقهم خوض المعركة ضد الفساد. ومن موقعه كمدير عام لواحدة من أدقّ الإدارات العامة وأكثرها حساسية، خططّ وبدأ بالتنفيذ على طريقته الخاصة: “الفساد حتى تتغلب عليه مش حتى تتحجّج فيه”…

تسلّم ضاهر منصب مدير عام الجمارك في آذار 2017، وهو من مواليد رشميا بتاريخ 14-10-1972، حائز على اجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية. بدأ عمله في دائرة الشؤون الادارية في المديرية العامة للجمارك اللبنانية في العام 1994 بصفة مراقب مساعد متمرّن وعمل مراقباً في دائرة المسافرين والسوق الحرة في مطار بيروت الدولي، ثم مراقباً في دائرة المانيفست والمخازن الجمركية في مرفأ بيروت. تدرّج في المسؤوليات، وعمل أمين سر في المديرية العامة للجمارك بين عامي 2004 و2010 ، وتمّ ترفيعه من الفئة الثالثة الى الفئة الثانية في العام 2010 وعُيّن مراقباً أول لدائرة المانيفست والمخازن الجمركية والمنطقة الحرة العمومية، ثم المراقب الاول لدائرة المستودعات الجمركية والخاصة في المنطقة الحرة.

نال علامات مسلكية بمعدل 93/100 على مدى خدمته، اضافة الى المكافآت المالية والمعنوية الاخرى وهي عديدة. لم يتعرّض لاي عقوبة مسلكية او حتى ملاحظات. ضبط عدداً من عمليات تهريب المخدرات والممنوعات في دائرة المسافرين في المطار ومنحه شهادة رضى بموجب مذكرة جانب المديرية العامة رقم 793/96 تاريخ 10/2/1996 على اثر تحقيقه لاحدى قضايا المخدرات وضبط كمية كبيرة من مادة الكوكايين وتوقيف رئيس العصابة في باحة المطار الخارجية وهي سابقة لم تشهدها الادارة من قبل…

وقد وضع ضاهر خطة متكاملة تشمل المدى القريب (خلال سنة واحدة) والمتوسط (خلال 3 سنوات) والبعيد (خلال 5 سنوات)، لتطوير مديرية الجمارك بشقيها الإداري والعسكري، وعلى رأس هذه الخطة عنوان عريض هو: العنصر البشري – مكافحة الفساد. وتحت هذا العنوان تنضوي البنود التالية، نوردها بشكل مختصر:

-بناء المقدرة

1-إخضاع الموظفين وبخاصة موظفي المراكز الحدودية، لدورات تدريبية اختصاصية، بشكل مستمر ودوري، لتطوير كفاءاتهم، لا سيّما وأنّ موظفي الجمارك يعتبرون ضباط الصف الأول في جميع الدول.

2 –إخضاع الموظفين لدورات تدريبية على موضوع الإتفاقيات.

3 –إلقاء محاضرات وتنظيم ورش عمل تتناول الإتفاقيات الجديدة أو المواضيع الطارئة، مثل الموضوع الأمني أوغيره من المواضيع التي تشكل تحديات على صعيد العمل الجمركي.

4 –توعية الموظفين على فهم النظام المنسق، وبخاصة في ما يتعلق بالتهرب من الرسوم والضرائب لاسيّما وأنّ واردات الجمارك تشكّل النسبة الكبرى من واردات الدولة.

5 –توعية الموظفين على أصول معاينة البضائع…

6 –توعية الموظفين على أصول معاينة المسافرين ووسائل النقل وكيفية اكتشاف التهريب ومكافحته.

7 –تنظيم ورش عمل حول مكافحة التهريب وإعادة تذكير الموظفين بدورهم في هذا المجال.

8 –تنشيط عمل الرقابة اللاحقة والتركيز على موضوع القيمة الجمركية: احتسابها، ضبط المخالفات الناتجة عنها…

9 –توعية الموظفين على الدور الأساسي الذي تلعبه إدارة الجمارك في ما يتعلق بحماية الصحة والمجتمع والأمن…

10 –تنظيم دورات خاصة باللياقة البدنية واستعمال السلاح والرماية والمطاردة…

11 –ملء الشواغر عن طريق إجراء مباراة عملا بأحكام المراسيم الإشتراعية…

12 –إرسال مندوبين بشكل دوري للمشاركة في الإجتماعات الخارجية… وتشكيل لجان لدراسة المقررات والعمل على تطبيقها.

13 –تفعيل التواصل مع مديرية بناء المقدرة التابعة لمنظمة الجمارك العالمية…

14 –إنشاء المعهد الجمركي.

مكافحة الفساد

ومن أهمّ بنود مكافحة الفساد في خطة ضاهر لتطوير إدارته:

1 –العلاقة مع المواطن: تأمين خط ساخن لتلقي الشكاوى والمراجعات والإستفسارات، والإبلاغ عن عمليات الغش، يعمم بالطرق والوسائل الإعلامية على جميع المواطنين…

2 –اعتماد حوافز مادية ومعنوية، تؤدى حسب معايير موضوعية وشفافة على أساس المردودية والكفاءة المهنية للموظفين.

3 –زيادة معدل رسم الخدمات من أجل رفع حصص وتعويضات الموظفين للشعور بالإكتفاء وكي لا يكون هناك دافع لزيادة عائداتهم بطرق أخرى غير شرعية.

4 –رفع معنويات رجال الضابطة الجمركية عن طريق مساواتهم بغيرهم من العسكريين، وبخاصة لجهة التعويضات والترقيات.

5 –تفعيل تطبيق المكافآت والعقوبات عملا بالمادتين 26 و55 من نظام الموظفين، والمادة 19 من مرسوم “تحديد الأحكام الخاصة بوزارة المالية.

6 –إعادة النظر بالتعميم 139 المتعلق بأصول توزيع صندوقي أموال المصادرات المشتركة والفائضة عن أجور الأعمال الإضافية.

7 –إعادة النظر بالتعميم 94 المتعلق بمخلصي البضائع بما يضمن تفعيل هذه المهنة وشفافيتها.

8 –إجراء امتحانات مسلكية للموظفين عملا بالمادة 71 من نظام الموظفين.

9 –إجراء المناقلات بصورة دورية في صفوف الموظفين من السلكين الإداري والعسكري، عملا بالمادة 11 من مرسوم “تحديد الأحكام بوزارة المالية”.

10 –الإنضمام إلى إعلان “أورشا” (لمكافحة الفساد في الجمارك) الصادر عن منظمة الجمارك العالمية وتطبيق بنوده، لما لهذا الإعلان من أهمية تنعكس إيجابا على الأداء الجمركي.

11 –تطبيق مدونة لأخلاقيات الوظيفة.

12 –إقرار سلسلة رتب ورواتب خاصة بإدارة الجمارك تكون أعلى مردودا من تلك العائدة إلى موظفي القطاع العام الآخرين، أسوة بالإدارات الجمركية في جميع دول العالم، لا سيما وأن موظفي الجمارك كانوا يتمتعون سابقا بسلسلة رتب ورواتب خاصة بهم. وهذا الأمر مستمد من واقع أن فعالية الجمارك ومشاكل أخلاقيات الوظيفة، تكون صعبة الحل طالما أن مستوى التعويضات للموظفين يبقى متدنيا.

المراكز وأمكنة العمل

وفي ما يتعلق بالمراكز وأمكنة العمل، تلحظ خطة التطوير نقاطا أساسية عدة تختصر بالتالي: التخلي على المدى القريب عن الإيجارات الحالية التي يبلغ مجموع كلفتها ما يقارب ملياري ليرة سنويا، والإنتقال إلى أحد مباني المنطقة الحرة في مرفأ بيروت (غير مشغول منذ 15 سنة) لحين إنجاز المبنى المركزي الموحد على المدى البعيد. تأمين وتجهيز مكاتب لائقة ومستوفية الشروط الصحية اللازمة للموظفين، تزويد المراكز بأجهزة السكانر وبرامج معلوماتية لمكننة السجلات. خلق تطبيق للجمارك يتناول مختلف أوجه العمل الجمركي. مكننة المحتسبية المركزية. تأمين اعتمادات لتجهيز الإدارة بالوسائل التقنية الحديثة والمتطورة، دعم المراكز الحدودية بالمختبرات الميدانية لفحص وتحليل عينات البضائع…

زيادة الواردات ومكافحة التهريب

اقتراح اعتبار المدير العام للجمارك عضوا في مجلس الأمن المركزي، تفعيلا للدور الأمني الذي تلعبه الجمارك، لاسيّما على الحدود. تفعيل مبدأ التعاون بين الجمارك ومختلف السلطات المدنية والعسكرية والإدارات والمصالح العامة. دعم وحدات التدقيق اللاحق بالآليات اللازمة واستحداث برامج معلوماتية متطورة لتفعيل العمل الإستقصائي والإستخبار الجمركي للتوصل إلى نظام فعال لإدارة المخاطر. إنشاء وحدة عمليات خاصة تكون مرتبطة بالمدير العام للجمارك، على أن يتم تكليفها بمهام خاصة واستثنائية على مدار الساعة، مما يرفع مستوى الإدارة ويفرض هيبتها. إنشاء مفرزة للكلاب البوليسية. إنشاء غرفة عمليات مركزية لمراقبة جميع المراكز الجمركية والتواصل الدائم معها. إقامة شبكات اتصال متطورة بين الوحدات الجمركية ومختلف هيئات الحدود. تفعيل عمل شبكة المكافحة الجمركية وشبكة المكافحة الجمركية الوطنية والمكتب الإقليمي لتبادل المعلومات، بالتعاون مع منظمة الجمارك العالمية. إعادة النظر بمعدلات الرسوم الجمركية من خلال إنشاء لجنة دائمة للتعرفة الجمركية تضم بالإضافة إلى الجمارك والوزارات، مندوبين عن الهيئات الإقتصادية. إعادة النظر بالتعميمين 137 و143 المتعلقين بتجميع المعلومات المتعلقة بالتريب والغش وضبط عمليات الإستيراد والتصدير ومكافحة التهريب.

الشق التنظيمي والإجراءات الجمركية

إقرار الهيكلية الجديدة للجمارك. ضم مهمة جباية الضرائب غير المباشرة إلى مهام إدارة الجمارك وتعديل هيكلية الإدارة بالمعنى، وذلك أسوة بمعظم الجمارك في العالم بحيث يطلق عليها اسم “إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة”. إقرار لباس رسمي موحد لجميع موظفي المكاتب. استخدام الوسائل والآلات الحديثة لسداد الرسوم والضرائب في كافة المكاتب. الطلب إلى المركز الآلي الجمركي إصدار إحصاءات التجارة الخارجية سنويا وفصليا وشهريا بدقة وانتظام وتحليلها بشكل علمي. تكليف ضباط الجمارك بمؤازرة السلطات المعنية بمراقبة الصيد البحري ومنع الصيد غير القانوني وقمع المخالفات والحد من التلوث البيئي… تكليف الضابطة البحرية الجمركية بالقيام بدوريات منظمة في المياه الإقليمية لتنفيذ المهام المختلفة. إقرار نظام نور 2 (التصريح عن بعد وبصورة إلكترونية). إعادة النظر بالقرارات والمذكرات الصادرة تطبيقا لقانون الجمارك لتتماشى مع التطور الحاصل. تطبيق آلية تنفيذ المادة 4 من قانون الجمارك، لا سيما ما يتعلق بتأدية الرسوم إلكترونيا وتطبيق تأجيل الرسوم وتخفيض الأكلاف على المتعاملين واختصار الوقت وتسهيل الإجراءات. إعادة دراسة النصوص ولا سيما الإجراءات مع النقابات، المخلصين، الوكالات، التجار… عقد اجتماعلت دورية مع ممثلي القطاع الخاص، من منظمات المجتمع المدني، الجمعيات، النقابات… فالشراكة مع القطاع الخاص لها دور فاعل في توفير بيئة جذب للإستثمار. تسريع المحاكمة أمام المحكمة الناظرة بالقضايا الجمركية. تفعيل نظام التخليص المسبق والرقابة المسبقة. تعميم تجربة النافذة الواحدة على كافة المراكز الحدودية. مراسلة منظمة الجمارك العالمية والطلب منها تقديم المساعدة البشرية والتقنية والبشرية، لا سيما وأنها تبدي استعدادها لهذا الأمر في مختلف المناسبات. إعادة النظر بالتعميم 118 المتعلق بالإتفاقية الدولية لتبسيط المعاملات الجمركية وإدخال إتفاقية كيوتو حيز التنفيذ. وضع دراسة استكشافية تشخيصية ومناقشة المعوقات والصعوبات الحالية والثغرات والعقبات والآثار القانونية والتنظيمية، بما في ذلك دور جميع المعنيين بقطاع المرفأ واستخراج أفضل تجارب الإتحاد الأوروبي، تمهيدا للوصول إلى الربط الإلكتروني مع موانئ الإتحاد الأوروبي. إنشاء مرفأ جاف لتسهيل عمل مرفأ بيروت. تطبيق الفاعل الإقتصادي المعتمد وفقا للمدونة الصادرة عن منظمة الجمارك العالمية…

هل سينجح المدير العام بدري ضاهر من خلال خطته في مكافحة الفساد في إدارة الجمارك؟

سؤال يجيب عنه بطرح “حلم” آخر غير بعيد أبدا عن مكافحة الفساد، ويقول: “بدأنا بخطوة الألف ميل للوصول إلى إصدار الموسوعة الجمركية التي سوف تشمل قاعدة بيانات لكافة النصوص التشريعية، من قوانين وأنظمة وتعاميم ومذكرات وقرارات، متعلقة ومرتبطة بالعمل الجمركي”. ويردد ضاهر مع الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: “إنّ التطوّر حياة والجمود موت”. ويضيف: “ونحن بالطبع نريد أن نحيا…”

لارا سعد مراد