بلدة عريقة من بلدات أقصى شمال لبنان، وتحديدا بلدة من بلدات  قضاء عكّار، الذي اتفق على وصفه “لبنانيّا” بالقضاء “المحروم”. تبعد 140 كلم عن بيروت وتمتدّ على مساحة 70 كلم مربعا من الجبال والوديان مرتفعة عن سطح البحر بين 400 و1500 متر… لسنا نتكلّم هنا عن آثار بلدة هجرها أهلها بسبب الحرمان والحرب والبعد عن العاصمة وغياب خدمات الدولة… أو عن ذكرى بلدة جميلة ترويها ذاكرة الأجيال المعمّرة، بل عن بلدة لبنانية صنعت من المعاناة تحدّيا ومن الحرمان دافعا الى الإزدهار، فتحوّلت من بلدة أريد لها أن تبكي على الأطلال وتندب حظّها وموقعها الجغرافي الى مدينة عامرة تضجّ بالحياة والإيمان والحركة، وتختصر المسافات، لتعطي دروسا في البقاء والصمود والأمل والإزدهار…

إنّها بلدة القبيّات التي استمدّت اسمها من الأصول الآرامية وهو يعني “مجامع المياه” نظرا لغناها بالينابيع المتفجرة من كل جانب من أرضها. يحدّها غربا بلدة عكّار العتيقة، وشرقا بلدة عندقت، وشمالا قرى الباردة والنهريّة وعيدمون، وجنوبا الخط الفاصل بين قضاءي عكّار والهرمل.

إيمان وتاريخ

سكّان القبيّات موارنة بغالبيتهم الساحقة، يبلغ عددهم 13 ألف نسمة ويتوزعون على سبع حارات وسبع رعايا تضم سبعة مخاتير وتعبق بعطر الكنائس ورائحة البخور وقرع أجراس الصلاة، وهي:

* حارة الغربية: وكنيستها على اسم الأربعين شهيدا.

* حارة مرتمورة: وكنيستها سيدة مرتمورة التي يعود اسمها الى مرت (وتعني السيدة) مورة (وهو اسم إحدى شهيدات الكنيسة القديسات).

* حارة سيدة شحلو: أصل اسمها آراميّ ويعني “المجرى”، وقد كانت كنيستها قديما معبدا وثنيا فينيقيا، تجدّد بناؤه في بدابة القرن العشرين.

* حارة الذوق: أصل اسمها تركماني ويعني “المنزل”، والأذواق عبارة عن أبراج أقيمت أيّام المماليك لمراقبة الطرقات. وحارة الذوق هي وسط البلدة، وسوقها التجاري ومركزها الإداري. والذوق ذوقان: الذوق الشمالي وكنيسته سيدة الحبل بلا دنس، والذوق الجنوبي وكنيسته سيدة الغسّالة العجائبية.

* حارة الضهر: اسمها يعني التلة، وكنيستها سيدة الإنتقال.

* حارة غوايا: وتعني بالآرامية “الداخلي”، وكنيستها على اسم مار جرجس.

* حارة القطلبة: تعتبر ثاني أكبر حارة من الحارات السبع بعد مرتمورة من حيث عدد السكان، وقد استمدت اسمها من أشجار القطلب التي تنتشر فيها بوفرة. تضم القطلبة ثلاث كنائس هي سيدة كمّاع، مار شربل وسيدة النصر.

سمّيت القبيّات بـ”مدينة الكنائس” لوفرة الكنائس فيها، ولكونها حوّلت آثار المعابد الوثنية الى كنائس وغرست على امتداد جبالها ووديانها صلبانا تشهد للمسيحية بكل فخر واعتزاز، فدير مار شليطا الواقع وسط الغابات هو في الأصل آثار معبد روماني للإله “بان”، وقد أعطى اسمه للوادي الواقع فيه والمسمى حلسبان (حلسو: المعظم) و(بان الإله الروماني).

والمعبد الروماني الذي يعود تاريخه الى 1800 سنة، أصبح مزارا مسيحيا على اسم القديس أرتيموس شليطا بهمة سيدة تدعى لوريس قديح مدفوعة بنذر على نية ابنها الذي تعرض لحادث في باريس، وبمساعدة من أهالي القبيّات.

والموقع مقصود من مئات اللبنانيين والأجانب من قاصدي الخلوة والصلاة على وقع الأجراس والترانيم الدينية الهادئة.

ودير مار شليطا ليس الموقع الأثري الوحيد في البلدة، فقبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، مرّت على تلك الأرض شعوب عديدة، من الفينيقيين الى الرومان والبيزنطيين والعرب والصليبيين والعثمانيين والفرنسيين، وتركت آثارا تشهد على عبورها ، من قبور رومانية وبقايا معابد وثنية وقطع نقدية… بالإضافة الى قصر “مريق” الشاهد على أحداث الصراع الأموي-البيزنطي في الشرق، والتلة التي يقوم عليها اليوم دير الآباء الكرمليين منذ العام 1830 ، وما وجد فيه من جرار أثرية ومسكوكات وآثار وثنية…

عرفت القبيّات بوجهها الماروني حسب السجلاّات العثمانية ابتداء من العام 1519 كما يقول ابن البلدة الدكتور فؤاد سلوم، وقد كانت في عهدها القديم تقع في ثلاث قرى: القبيّات العتيقة وشويتا وشحلو، قبل أن تعرف بحدودها الحالية، وقد اشتهرت تاريخيا بصناعة الحرير والقطران بفضل غاباتها الكثيفة وبزراعة الإجاص والزيتون والكرز والكرمة، وبسبب ازدهارها بالإنتاج والسكان كانت تدفع للدولة العثمانية أكبر ضريبة في عكّار.

كان للقبيّات أولى البلديّات في عكّار سنة 1912، وفي سنة 1922 في بداية الإنتداب أصبحت مركز قائممقامية، وبعد أن عادت عكّار وجمعت في قائممقامية واحدة، عادت القبيّات إدارة بلدية ومركز استقطاب إداريا رسميا…

بين الأمس واليوم

وإذا كانت القبيّات قد قيّض لها أن تكون مركزا مهمّا للسكن والعيش للكثيرين في تاريخها القديم، لغناها بالمياه والزراعة وصناعة الحرير، فما الذي يجعلها كذلك اليوم في “التاريخ الحديث”، حيث أصبحت الزراعة “هواية” أكثر مما هي مصدر عيش، والصناعة حرفة على طريق الإندثار؟ ما هو سرّ تلك البلدة المسيحية بامتياز التي عاشت بسلام مع محيطها الإسلامي حين كان اللبناني يذبح أخاه اللبناني “على الهوية”؟ ما هو سرّ بقاء أهل القبيّات بشبابهم وشيبهم في بلدتهم خلال الحرب وبعدها، ولم يكتفوا بالصمود، بل ارتقوا ببلدتهم الى مصافّ أهمّ البلدات السياحية في لبنان بدليل آخر مهرجان أقيم فيها في عيد انتقال السيدة العذراء في آب الماضي، حيث غص ميدان المهرجان بآلاف الحضور على مدى ثلاثة أيام وأكثر؟

رئيس بلديّة القبيّات عبدو مخّول عبدو يعزو هذا الأمر الى أسباب كثيرة، ويقول “إنّ القبيّات مصنّفة بلدة ولكنّ أهلها وبلديّتها يسعون الى الارتقاء بها الى مصافّ المدينة، وقد بدأت فعلا تعرف كمدينة وبخاصّة من قبل الزوّار والسوّاح الذين تستقبلهم على مدى أشهر السنة”. ويؤكد عبدو “أنّ القبيّاتيين معروفون تاريخيّا برفضهم للتقسيم، وبخاصة في العام 1975 عندما نزح غالبية أهل قرى الأطراف الى مناطق أخرى فرضها التقسيم الطائفي الذي طبّق في النّفوس قبل أن يطبّق على الأرض… القبيّاتيّون اختاروا الصمود واعتمدوا حسن العلاقات مع جيرانهم من جميع الطوائف، وهو أمر معروف لدى أهل عكّار عموما وليس لدى أهل القبيّات فقط”. ويشير الى أنّ الإرساليات الأجنبية التي سكنت القبيّات منذ العام 1800 كان لها فضل في تعليم أهلها وايصال العديد منهم الى أهمّ المراكز في وظائف الدولة. فالقبيات أوصلت وزراء ونوابا وسفراء وإداريين وأطباء ومهندسين ومعلمين الى الدولة، بالإضافة الى العسكر فلا يكاد يخلو بيت فيها من عسكري سواء في الجيش أو الامن الداخلي أو الأمن العام أو الجمارك أو الدفاع المدني أو غيره… كما أنّ القبيّاتي متعلق بالأرض والتراب يحب الزراعة ويعمل فيها…كل هذه الأمور مكّنت القبيّاتيين من إيجاد مورد رزق لهم في بلدتهم بدلا من التغرّب أو النزوح”.

ويقول عبدو “أنّ القبيّاتي ينشأعلى حبّ الأرض لأنّه ينتمي من صغره الى الجمعيات الكشفية، حيث ينمو بين الأحراش والغابات فيعشق التراب ويرويه من عرقه ودمه منذ نعومة أظفاره، ويتشرّب شعار: “الكشّاف دائما مستعدّ”، ففي القبيات 6 أفوج كشفية يلتقي أفرادها من القدامى والناشئين دوريا، فيغنون بعضهم البعض بالتجارب والخبرات. والقبيات لا تخلو من أهلها صيفا شتاء، فمن يعملون خارجها يعودون أسبوعيا الى منازلهم فيها حتى في عز المشاكل في طرابلس، كان الشّباب يأتون الى بلدتهم إما عن طريق طرابلس متحدّين الموت، وإما عن طرقات أخرى جانبية غير آبهين بالوقت المهدور على الطرقات… فأهل القبيات مقتنعون أنّ قضاء عكّار ليس محروما بل كل لبنان محروم… عكّار من أجمل مناطق لبنان وأهله يضرب فيهم المثل في المحبة واللإلفة بين الطوائف بعكس ما يصوّر الإعلام…”

وهذا الصيف كان غنيا جدا بمهرجان عيد السيدة الذي استقطب الآلاف من الزوار من أهل البلدة ومن السواح الأجانب، إذ كانت الأماكن البالغ عددها 3200 كرسي محجوزة بالكامل على مدى ايام المهرجان. وفي هذا الإطار يقول عبدو “إنّ المهرجان السنوي لعيد السيدة بات مهرجانا دوليا يصب في خانة جهود أهل القبيات الساعين الى دعم السياحة السياحة الدينية والبيئية والأثرية التي تزخر بها البلدة التي يؤمها اليوم أكثر من 250 سائحا كل أسبوع للتجوّل في غابات الأرز والشوح واستكشاف المعالم الأثرية والتراثية والدينية…” ويضيف عبدو “إنّ المهرجانات في القبيات لا تتوقف، فالأعياد كلها لها احتفالاتها، من عيد الميلاد ورأس السنة الى عيد القيامة وصولا الى أعياد القديسين حيث تحتفل كل حارة من الحارات السبع بعيد شفيعها لتمتد الاحتفالات طوال أيام السنة…”

في القديم كانت القبيات تدفع للدولة العثمانية أكبر ضريبة في عكّار كونها بلدة غنيّة، أمّا اليوم وفي زمن الأزمات المتلاحقة، وآخرها أزمة النفايات،س فهي وكلّ عكّار مهدّدة بدفع ضريبة أكبر: “يريدون رمي النّفايات علينا” يختم عبدو، “هكذا يكافئون أهل عكّار…”

لارا سعد مراد