الخوري إسكندر الهاشم

لا يمكن لإنسان عاقل، الا ان يقف موقف المندهش والحزين أمام حال البشرية المعاصرة، وأمام حال الطبيعة التي أشبعها الانسان سمّاً وفساداً، بسبب الطمع الذي لا يقف عند حدّ، ولا تشبعه الخيور كلها، لأنّه يطلب دائماً المزيد منها.

  • لم يكن الفقر خطيئة

لم يكن الفقر خطيئة أو عيبا، طالما ان الكثرة من الناس كانت تتساوى وتتشابه، كان الفقر جميلاً، لأنّه عصب داخلي يشدّ الهمم، ويدفع بأصحابه إلى بذل جهد كبير للخروج من الفقر. كانت السرقة أمراً مشيناً ومعيباً، ومجرّد قولك لأحد من الناس “انت لص”، فهذا يعني أنّك حفرت في جلده وروحه جرحاً بليغاً. إن السارق مهان ومنبوذ ومطارد، لأنّ جيلاً بأكمله لا يرضى بأنّ يدخل إلى جيبه قرشٌ واحد حرام، ولا يرغب اقتناء شيء بالاحتيال والنصب. كان عدد السارقين بعدد أصابع اليد، لأنّ الثقافة السائدة في البيت والمدرسة والكنيسة تحارب المال الحرام، وتشدّد على ضرورة أن يأكل الانسان خبزه “بعرق جبينه”، وكانت الأرض خيّرة والموائد غنيّة، والعلاقات تسودها الرحمة والمحبّة والفضيلة.

  • لقدّ تدرّب جيلنا على القناعة والكدّ والتعب

لقد تدرّب جيلنا على المواجهة والكدّ والتعب، وكان قد رأى بأمّ العين الآباء والأجداد كيف يغدون في الصباحات إلى الحقول والأعمال يعاركون الطبيعة ويزرعون في الأرض عرقهم، وفي المهن عقولهم، لتنبت المواسم غلالاً وفيرة، وتطلع الحرف والمهن بأفضل ما تجود عليه الأيدي والعقول. لقد رأى جيلنا شعباً كاملاً يدبّ في الصباحات ويعود في العشايا، طلباً لرغيف مقدّس، وانتظاراً لمواسم مباركة. كانت الحياة على سجيّتها جميلة، مطواعة، دافئة، مباركة تحمل إلى أبنائها البساطة والقناعة والرجاءات، وكان الحديث عن المال مذموماً، طالما ان الدنيا بألف خير، وبأنّ العطايا وفيرة، وبأنّ المعجن المقدّس مليء برغيف البركة والحب.

  • وفجأة أفل الزمن الجميل وأصبح المال إلهاً

وفجأة أطّل المال بسطوته وغطرسته ولؤمه، وأفل الزمن الجميل ليطلع على الناس زمن آخر، زمن أكلة أموال الأرامل واليتامى، زمن الرؤوس الفارغة والبطون المنتفخة، زمن المال اللعين الذي دمّر الأصول واللياقات والقيم. لقد أصبح المال إلهاً يُعبد وهدفاً نصبو إليه دون السؤال عن طريقة جمعه والحصول عليه. التزوير، النصب، السمسرة، الاستيلاء على أموال الدولة والناس، الغشّ واستباحة القانون وعقد القران بين السياسة والمال، هذه كلّها وسائل مستجدّة وقد أصبحت سهلة المنال لمن باع ضميره وقلبه وشرفه.

سقطت المحرّمات وأصبح السارق بطلاً والسمسار وزيراً والنّصاب مسؤولاً وغابت التربية التي تمسّكت بالقيم والأصول وفضّلت دائماً الحقّ على الباطل والقناعة على البطر والجشع، وجاء مَن يمجّد المال ويضعه في سلّم الأولويات، متقدّماً على الشرف وعزّة النفس والقناعة وصفاء الضمير فعمّت الفوضى وبدأ الركض وراء المال لبناء القصور واقتناء الثمين من الأشياء. وكان ذلك يوم انفتحت البلاد على موجات من حملة الملايين عاثوا في الأرض فساداً ودمّروا ما بناه الانسان العاقل من قيم وسلّم فضائل وسار في ركبهم صغار النفوس، بعد أنّ أصبحوا سماسرة وباعة هيكل.

  • دبّت العدوى واختلط الحابل بالنابل

هذا الفساد المدروس والمعمّم أدّى إلى فوضى عارمة وأضحى الناس تحت رحمة السماسرة الذين سهّلوا بيع كل شيء، لم يسلم أحد من شرورهم: الأرض والعرض، الجبال والأودية، والسهول المدرسة، وأصبح الضمير مطواعاً بل مظلماً، يغضّ الطرف عن الفجور واستغلال وانتهاك قدسية الانسان وتفريغه من محتواه الإنساني، ليصبح حاجة استهلاكية ورقماً بدون وجه.

الكلّ يلهث وراء المال بعد كلّ هذا الضغط الكبير الذي مورس على الناس فأصبحوا آلات تعمل من الصباح إلى المساء لتستطيع سدّ حاجاتها وفواتيرها الآخذة بالتوسّع، وأصبح الجميع تحت وقع قوّة الاستهلاك والإعلانات التي تسوّق لكل شيء، وحُجّم الانسان إلى حدّ أنّه أصبح سلعة تباع وتشرى وفق منطق السوق. تراجعت القيم لتتقدّم عليها طموحات قاتلة، يريد الجميع اللحاق بالجميع، وأصبح المال هو المحرّك، واستتبع كل ذلك هذا اللهاث  وراء المادّة لسدّ حاجات تكبر وتتوسّع يوماً بعد يوم، بحيث أن أحداً لا يستطيع ردم هذه الهوّة الآخذة بالاتّساع.

  • القابضون على المال هم القابضون على عقول الناس

القابضون على المال هم القابضون على عقول الناس وطموحاتهم، يوجّهونهم وفق اهوائهم ومصالحهم، مستغلّين هذا التوق إلى الغنى وهذه الشهيّة المفتوحة على كل ما يقدّم للعين. إنّ التّفلت من القيم والأصول وفحص الضمير يفسح في المجال للسقوط في الفوضى ويتحوّل الانسان إلى هدف يسهل استغلاله في سبيل ثقافة الغشّ والفساد.

  • حذّر المسيح من عبادة ربّين الله والمال

لقد حذّر المسيح من عبادة ربّين الله والمال، ونهى عن الركض وراء هذا الأخير، مؤكّداً  على أن الانسان لا يحيا فقط بالخبز، بل بكل كلمة تخرج من فمّ الله. ان طلب المال والسير في ركبه يستدعي حكماً التفلت من السلوك السويّ، ليدخلنا في مزاريب الفساد, وهي متعدّدة وفي طرق الغشّ, وهي تتكاثر يوماً بعد يوماً, ولم يعد من السهل قطع دابرها أو إيقاف اساليبها.

لقد اعتقل المال الضمير, فأصبح هذا الأخير ينوء تحت وقع متطلّبات أصحابه, تاركاً لهم أحياناً كثيرة حريّة القرار، وحين يترك الانسان على سجيّته وينطفئ فيه ضوء الله أي الضمير، يصبح قادراً على فعل كل شيء، لا بل هو مستعدّ أن يدمّر مدينة بكاملها من أجل أن يشعل سيجارته وهذا ما نراه كل يوم، فحين يتحالف المال والسياسة, وحين يقوم حلفٌ بين الحاكم والدين, تصبح الأمور أكثر تعقيداً وصعوبة, لأنّ الدين يجب أن يبقى صوت الله, وعليه الا يلتحق بالسياسة والسياسيي,ن بل عليه أن يبقى حارساً للقيم, مدافعاً عن الحقيقة, مواجها لكل أنواع الفساد والخداع والسرقة.

مجلة اورا-العدد 11