رولى راشد

بموضوعية ، نقولها بأسف شديد للسنة  الثانية على التوالي ومنذ آذار 2018 ، لم تسلك قضية القروض السكنية  المدعومة والمموّلة من المؤسسة العامة للاسكان مسار الانفراج الفعلي ، لا بل ارتفعت معدلات التعقيدات بفعل الوضع الاقتصادي المأزوم ، ونسب البطالة المتسارعة والمناكفات السياسية المسيطرة . والاخطر الفساد الذي تحوّلت معركة التصدي له الى  شطارة مناظرات ومحاضرات كلها قرّبت  البلد بكل مكوناته من حافة الهاوية .

ما من احد،  لغاية تاريخه يستطيع التوقّع عما اذا كان هذا الارباك المفروض في سوق السكن والعقارات يخدم مصلحة الإيجار ، لأنه حتى لتمويل هذه الآلية تضيق الفرص بفعل اسعار الشقق المعروضة بارقام خيالية ، وبالتالي، بفعل تدني المستوى المعيشي للأفراد الذين يعطون الاولية لتأمين لقمة العيش.

افضت دراسة قطاع السكن التي قام بها المجلس الاقتصادي والاجتماعي الى ضرورة اصدار مؤشر اسعار حيادي بسبب التشوّهات التي اصابت السوق العقارية. كما اوصت بتدخل جهة الطلب بما في ذلك من تعزيز لمفهوم الايجار و”الايجار التملكي” كخيار لحل ازمة السكن، اضافة الى زيادة نسبة القروض المدعومة الممنوحة عبر المؤسسة العامة للإسكان.

المساهمة في تأمين السيولة من خلال القروض المقيّدة من شأنها ان تساهم في التصدي لمشكلة نقص السيولة في القروض السكنية المدعومة ، وذلك من خلال تمكين المصارف التجارية من اعادة تخصيص مبالغ للقروض السكنية المدفوعة للقروض السكنية المدعومة من البنك المركزي.

بالمقابل، من الضروري ان تتدخّل جهة العرض اذ يمكن ان تحسن الدولة عرض نوع معين من الوحدات السكنية. وقد كان الإسكان الشمولي احد البدائل الأكثر طرحًا في المقابلات التي اجريت خلال الدراسة، كما اوضح الخبراء ان الحل المثالي لإصلاح النسيج الاجتماعي للمجتمع اللبناني يكون بايجاد اسكان ميسور التكلفة ضمن المدن.

وبصورة مماثلة، تم اقتراح فرض الضرائب على الشقق الشاغرة لتخفيض المضاربات في سوق الإسكان. وقد خلصت الدراسة ايضا الى الدعوة الى فرض رقابة على عقود الايجار الجديدة بغية تحرير الأسعار الإيجارية من تقديرات المالكين دون غيرهم. كما لفتت الدراسة الى موضوع فرض قانون تخطيط مناطقي جديد كحلّ لتنظيم عرض الأملاك العقارية.

 

كيف ُضرب قطاع  القروض السكنية  ؟

منذ 25 أيلول 2018، تاريخ إقرار مجلس النواب فتح اعتماد إضافي، في قانون الموازنة العامة، “لدعم الفائدة على القروض الجديدة المموّلة، بالتعاون بين المؤسسة العامة للإسكان والمصارف التجارية، لذوي الدخل المحدود”، وحتى اليوم، لم يُحرز ملف  القروض السكنية  أي تقدم يُذكر. لا بل زادت الأمور تعقيداً، لأكثر من سبب يتعلّق بالقطاع المصرفي (جمعية المصارف والمصرف المركزي) ، وأهمها عدم التوافق على مؤشر الفوائد المعتمد في الإقراض، إضافة إلى عقبة تعميم مصرف لبنان رقم 503 الذي يحد من قدرة المصارف على الإقراض بالليرة.

ما هي الاسباب الحقيقية وراء استمرار  المصارف اللبنانية في  تعقيد عملية إعادة اطلاق القروض السكنية؟

 

عجاقة

 

الخبير الإقتصادي والإستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة يقول لمجّلة “أورا”:

بداية يجب القول أن الإتهامات لمصرف لبنان أنه هو من أوقف دعم القروض السكنية سقطت مع إصدار رياض سلامة للتعميم 5165/2019 الذي يُحدّد آلية تمويل القروض السكنية ودعم القطاعات الإنتاجية.

هناك عدّة أسباب تكمن خلف رفض المصارف السير بتعميم مصرف لبنان 515/2019 :

أولًا – هناك إشكالية ربحية المصارف التي تهاوت مع سعر فائدة على القروض بمُعدّل 5.9% مقارنة بسعر فائدة بالسوق يفوق الـ 12%. وهذا الأمر تعتبره المصارف ضربة كبيرة لأرباحها في فترة يزداد فيها دور المصارف أهمية من ناحية تمويل الدولة اللبنانية.

ثانيًا – هناك إشكالية التعرّض لمخاطر (Systemic Risks) من ناحية أن حجم القروض المصرفية للقطاع الخاص تخطّت في أخر إحصائيات الـ 60 مليار دولار أميركي أي أكثر من الناتج المحلّي الإجمالي للبنان!. وهذا الأمر يُشكلّ نقطة محورية في عملية التسليف من وجهة نظر المصارف، إذ أن الإقتصاد اللبناني هو في حال ركود والمالية العامّة في حال مُزرية مما يُشكّل خطراً على المصارف.

ثالثًا – تعرّضت ثلاثة مصارف لبنانية لتخفيض تصنيفها الإئتماني نتيجة تعرّضها للديون السيادية، وهناك مخاوف من قبل المصارف أن تعمد وكالات التصنيف الإئتماني إلى خفض التصنيف مرّة ثانية إذا ما رفعت المصارف تعرّضها لديون القطاع الخاص في ظل التراجع الإقتصادي.

رابعًا – ترى المصارف أن الأفق السياسي في ما يخص إنطلاقة إقتصادية واعدة، غائب حتى الساعة. وبالتالي، تحجم عن تمويل القروض السكنية لحين بروز إجراءات عملية للحكومة اللبنانية تُترّجم بعمليات إستثمارية.

خامسًا – تُلقي أزمة النزوح السوري وتعقيداتها بظلالها على الإقتصاد اللبناني والمالية العامّة. وما الإشتباك السياسي الأخير الذي طال زيارة وزير الدوّلة لشؤون النازحين ومُشاركة الرئيس الحريري في مؤتمر بروكسل 3، إلا مؤشّر سلبي لقدرة التسوية الرئاسية على الصمود في وجه ملفات خلافية. هذا الأمر تخشاه المصارف التي تمتنع عن أخذ أي قرار إستثماري (بإستثناء سندات الخزينة).

سادسًا – تعرف المصارف ضمنيًا عدم قدرة الدوّلة (في الوقت الحالي) على تمويل القروض السكنية وهي بالتالي لن تُقدّم أي هدية للطبقة السياسية من دون أن يكون هناك لفتة من قبل هذه الأخيرة لظروف القطاع المصرفي.

 

لحل هذه الازمة ،  قدم المدير العام للاسكان روني لحود  عرضاً للمصارف، يرتّب على المقترض  فائدة لا تتجاوز 5.5 في المئة إلا أنه لم يلق ترحيباً من المصارف.هل ان الطرح مقبول برأي عجاقة ؟

يوضح عجاقة ان مدير عام الإسكان عمل  على تقديم العديد من الحلول التي تصبّ في مصلحة المواطن وخصوصًا الطبقة ذات الدخل المحدود. إلا أنه لم ينجح في إقناع المصارف بإعتماد هذه الحلول ، وهذا أمر طبيعي لأن هذه الحلول لا تصبّ في مصلحة المصارف.

بإعتقادنا كل الحلول التي قدمها لحود هي حلول جيّدة إلا أن تنفيذها لا يُمكن أن يتمّ إلا من خلال دعم المرجعية الصالحة أي الحكومة اللبنانية. هذه الأخيرة من صلاحياتها وضع خطة إسكانية وإيجاد الوسائل المالية لتطبيقها. الجدير ذكره أنه ومنذ إنشاء سبعينات القرن الماضي، لم تنجح السياسات الإسكانية بسبب عدم وجود دعم مالي لها.

 

اما بالنسبة  لارتدادات هذا الواقع على اصحاب طلبات  القروض المقدمة ، على مؤسسة الاسكان وعلى القطاع العقاري وسائر القطاعات التي يحركها، وحتى على الوضعين الاجتماعي والاقتصادي فيلفت عجاقة الى إن القطاع العقاري يتعرّض لمشاكل عديدة وذلك منذ أذار 2010 أي مع تقرير وزارة الخزانة الأميركية، وبعدها، مع بدء الأزمة السورية وما تبعها من تداعيات سياسية، أمنية، إقتصادية ومالية على الساحة الداخلية اللبنانية.

من هذا المُنطلق، لا يُمكن وضع مشاكل هذا القطاع على كاهل القروض السكنية. الواقع أن الأسعار إرتفعت بشكل كبير لدرجة أنه ومع تفاقم الأزمة الإقتصادية في لبنان، لم يعد بقدرة الأشخاص الإقتراض لشراء عقارات.

وجاءت أزمة القروض السكنية في أواخر العام 2017 وأوائل العام 2018 لتزيد من مشاكل هذا القطاع. ولعب التراجع الكبير في مالية الدولة دورا سلبيا ً في رفع الفوائد إلى درجة أصبح معها من شبه المُستحيل الإقتراض بهدف شراء عقارات.

بالطبع كل هذه العوامل ضربت القطاع العقاري وجعلت إنخفاض الأسعار أمرًا ضروريًا لإعادة تشغيل الحركة العقارية.

 

وعن الاجراءات العملية والمفترض تطبيقها  بشكل طارئ لحل ازمة الاسكان بانتظار إقرار خطة سكنية متكاملة ينفي عجاقة وجود حلّ سحري ويعتبره كلاماً خارجاً عن الواقع. الحكومة تتبع أولويات والظاهر أن الإسكان ليس من أولويات الحكومة، لذا نرى أن هناك خطوة وحيدة ستُساعد حكمًا بحل أزمة السكن في لبنان خصوصًا للشباب. هذه الخطوة تتمثّل بفرض ضرائب على الشقق الشاغرة ، وهذا الأمر سيسمح بتحرير أكثر من 100 ألف شقة شاغرة في لبنان ويجعلها في متناول الشباب بهدف الإيجار. الجدير ذكره أنه في كل دول العالم، لا يعمد المواطنون إلى شراء منازل أو شقق، بل إن قسما كبيرا منهم يستأجر لفترة طويلة قبل الضلوع في عملية شراء.

أيضًا لا يجب تناسي الإيجار التملّكي والذي يسمح للشخص بإمتلاك المنزل بعد مرور فترة من إيجار العقار مع العلم أن ما يدفعه الشخص كإيجار يتمّ إحتسابه داخل ثمن العقار.

 

القروض وحجم السوق

 

وفق  رئيس المؤسسة العامة للإسكان روني لحود : “قبل العام 2017، كان الاعتماد  في القروض يتم وفقاً للإحتياطي الإلزامي والقروض التي يقدّمها المصرف المركزي بقيمة 3000 مليار ليرة” .

و باتت القروض السكنية تشكّل 10% من حجم السوق.

ويرى لحود لو أعطِيَت الكوتا المالية للمؤسسة، لأمكنَها معرفة حجم الطلبات التي يمكن قبولها، ولأقفلت باب تقديم الطلبات عند موافقة عدد الطلبات مع حجم الكوتا المالية، ووفّرت المؤسسة بذلك العناء على المواطنين، الذين يقدّمون طلباتهم إلى المؤسسة، ويعيشون على أمل قبول المصارف للطلبات.

دراسة “المركزي”

الجدير ذكره انه في وقت سابق ، عمم مصرف لبنان دراسة موجزة عن القروض السكنية الممنوحة من المصارف بتحفيزات ودعم من مصرف لبنان عن الفترة الممتدة من 2009 ولغاية 2018.

ففي العام 2009، وفي ظل استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية، بادر المصرف المركزي إلى تفعيل الحركة الإقتصادية من خلال تحفيز المصارف على إستعمال فائض السيولة المتوفر لديها. فقد صدر في ذلك العام سلسلة قرارات تسمح للمصارف باستعمال جزء من أموالها المودعة لدى مصرف لبنان كإحتياطي إلزامي لتمويل مشاريع لها علاقة ببعض القطاعات الإقتصادية الإنتاجية والتي لا تستفيد من برنامج دعم الدولة للفوائد المدينة الذي بدأ العمل به في مطلع العام 1997. وقد استفاد من هذه القرارات قطاعات عدة منها القطاع التربوي والإستشفائي والتجاري والمشاريع التي لها علاقة بالبيئة والطاقة المتجددة والقروض لتمويل التعليم العالي والقروض الصغيرة، وقد استفاد ايضا من أحكام هذا القرار العملاء الذين يرغبون في الحصول على قرض بغية شراء مسكن رئيسي.

في بداية العام 2018، كان قد تم استهلاك، وبشكل غير مسبوق، كل التسليفات بالليرة اللبنانية التي وضعها مصرف لبنان في تصرف المصارف لتمويل القروض السكنية، مما جعله وبدافع المسؤولية ألى إصدار قرار جديد رقمه 12755 بتاريخ 1/2/2018 المرفق بالتعميم رقم 485، يسمح فيه للمصارف الاستفادة  من دعم مباشر من مصرف لبنان مقابل القروض السكنية بالليرة اللبنانية التي تمنحها لعملائها قبل تاريخ 31/12/2018 ضمن سقف إجمالي لا يتجاوز 750 مليار ليرة لبنانية.

تجدر الإشارة إلى أن مصرف لبنان قد أصدر القرار رقم 12772 تاريخ 15/3/2018 والمرفق بالتعميم الوسيط رقم 478 والمتعلق بالسماح للمصارف من الإستفادة من حوالى 460 مليار ليرة لبنانية كقروض سكنية بالليرة اللبنانية مدعومة بشكل مباشر من مصرف لبنان والتي كانت قد حصلت على موافقة المصارف المعنية أو على موافقة الجهات المعنية بالبروتوكولات، ولكنها قد تجاوزت الحد الأقصى للمبلغ المخصص لكل مصرف عن رزمة العام 2018 المذكورة اعلاه، وعلى أن يسري دعم مصرف لبنان عن هذه القروض اعتبارا من بداية العام 2019.

نتيجة للتدقيق المستمر من قبل لجنة الرقابة على المصارف ومصرف لبنان، وتحديداً منذ العام 2011 ولغاية 2018 في محفظة القروض السكنية لعدد من المصارف، تبيّن لمصرف لبنان أن بعض العملاء والمصارف لم يلتزموا بصحة تنفيذ بنود وأحكام التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان والتي تحكم آلية الإستفادة من القروض السكنية والغايات الممنوحة من أجلها. وقد بلغ عدد المخالفات، حوالى 389 مخالفة بلغت غراماتهم حوالى 6.9 مليار ليرة لبنانية من ضمن القروض السكنية المستفيدة من تخفيض في الإحتياطي الإلزامي. أما بالنسبة للقروض السكنية المستفيدة من تسليفات من مصرف لبنان فقد بلغ عدد المخالفات 48 مخالفة وبلغت الغرامات المتعلقة بها حوالى 746 مليون ليرة لبنانية.

كما أنه هناك بعض  المخالفات قيد الدرس تمهيدا للبت بالغرامة التي ستتوجب على اصحابها. وتبقى نسبة عدد المخالفين من مجموع المستفيدين من قروض سكنية مدعومة من مصرف لبنان لا تتعدى نسبة 3.5 بالألف.

تأكيداً على التعاميم السابقة،  جدّد مصرف لبنان إلتزامه بمتابعة التدقيق في كل القروض السكنية المدعومة من قبله والتأكد من تقيّد المصارف والعملاء بكل الأحكام المتعلقة بهذا الشأن وتغريم كل مخالف لتلك الأحكام.

في مطلق الاحوال، كل التدابير المتخذة لم تفلح في إعادة  إطلاق القروض السكنية التي هي بحاجة الى رؤية مختلفة عنوانها الرئيسي وضع الدولة لخطة إسكانية شاملة قابلة للتنفيذ في اسرع وقت ممكن.

مجلة اورا – العدد 12