“المسيح يمر في حياتنا ونشعر بمروره اذا كنا في حالة انتظار”…
هذا ما أعلنه مطران الروم الكاثوليك في صيدا إيلي حداد في أيار الماضي، خلال المؤتمر الصحافي لإعلان وضع مقام سيدة المنطرة في مغدوشة، على خارطة السياحة العالمية.
وهذا ما اختبرته مريم منذ ألفي عام. هناك على التلة انتظرت عودة ابنها يسوع من رحلته الى صيدا، وهناك أيضا انتظر أهل مغدوشة، لا عودة يسوع، بل عودة القيمة رفيعة القداسة الى المقام المهيب: سيدة المنطرة.
فمنذ سنوات كثيرة، ينتظر أهل مغدوشة وكلّ لبنان وضع هذا المقام على خارطة السياحة العالمية، وها هي اليوم سيدة المنطرة تطلّ من على تلك الخارطة، لتعلّمنا أبلغ الدروس عن المعنى القديم- الجديد للإنتظار: الرجاء.
إنّ الأهمية التاريخية والدينية لمقام سيدة مغدوشة، موثقة علميا في العديد من البحوث، بينها، ورقة مبادئ أساسية للباحث جوزف خريش نشرت في العام 2010 جاء فيها: “تحتل مغدوشة، وفيها مقام سيدة المنطرة، مكانة مرموقة في مسار الرحلات التي قام بها السيد المسيح خلال حياته الارضية في السنوات الثلاث الاولى من البشارة المسيحية، في كل من فلسطين والاردن ولبنان.
تبدو الزيارة التي قام بها السيد المسيح الى مغدوشة، مصطحبا معه عددا من الرسل وامه السيدة العذراء، اكثر المحطات التي تدعم حدوثها التاريخي النصوص الانجيلية والاثار والروايات والتقاليد المسيحية عبر القرون.
ولذلك فان مقام سيدة المنطرة في مغدوشة يستحق كل الاهتمام الكنسي والثقافي، الوطني منه والعالمي، ليكون في طليعة مواقع السياحة الدينية في الاراضي المقدسة ومنها بنوع أخص في ما يعنينا، جنوب لبنان.
تحاول هذه الورقة وضع مبادىء أولى ترمي الى تأكيد تاريخية موقع سيدة المنطرة في مغدوشة واهميته، ومن بين اهم تلك المبادىء ما يلي:
1- إن مرور السيد المسيح ورسله في صيدا ثابت في النص الانجيلي بدليل ما جاء فيه: ” ثم خرج من تخوم صور ومر في صيدا” (مرقس 7/31 ومتى 15/21 – 29 ). كما هي ثابتة أيضا إقامة بولس الرسول في كل من صور وصيدا بضعة أيام:”مكثنا هناك سبعة ايام” ( اعمال الرسل 7|21) و”أقبلنا الى صيدا فعامل يوليوس (الضابط الروماني) بولس بالرفق وأذن له ان يذهب الى اصدقائه (الصيداويين) ليحصل على عناية منهم” ( أعمال الرسل 27/3 ).
2- إلى ذلك هناك تقليد قديم اشارت اليه القديسة ميلاني منذ اواسط القرن الرابع ( 343-410 ) بقولها انها رأت في صيدا بيت المرأة الكنعانية التي شفى السيد المسيح ابنتها وقد تحول هذا البيت، مع الزمن، الى كنيسة مكرّسة على اسم القديس الشهيد فوقا من بداية القرن الرابع (303 ) – ( راجع حياة المسيح في لبنان، بطرس ضو، ص 265).
3- في العهد الصليبي كان التقليد لا يزال يشير الى وجود حجر مرصوف في حنية كنيسة دأب المؤمنون على تكريمه، اعتقاداً منهم ان السيد المسيح كان يجلس عليه عندما كان يعلم الناس في صيدا في كل مرة كان يتردد اليها(المرجع نفسه،ص268).
4- تناقل الكثير من الحجاج بعد الحروب الافرنجية، امتدادا لحقب تاريخية سابقة، ذكرياتهم ومشاهداتهم حول المعالم الاثرية المتعلقة بزيارة السيد المسيح الى صيدا. ففي القرن السابع عشر يذكر احد الحجاج الأوروبيين، لدى مروره فيها انه زار كنيسة المرأة الكنعانية في حي “الكنان”، “والتسمية تحريف لـ “كنعان”، في إشارة الى “الكنعانية”.
وكانت تلك الكنيسة تقع قرب الموقع الذي أصبح لاحقاً كنيسة مار نقولا الصغيرة وكاتدرائية الروم الكاثوليك. (راجع مقام سيدة المنطرة، الأرشمندريت سابا داغر، ص 13 سنة 2003). هذه الكنيسة هي اليوم موضع اهتمام من السياحة اللبنانية والمنشغلين بالتراث اللبناني لتتحول الى متحف للإيقونات.
5- أما موقع سيدة مغدوشة الذي يرتفع فوق تلة على مقربة من مدخل صيدا الجنوبي فهو كناية عن مقام عظيم يحمل اسم “سيدة المنطرة”، إحياءً لذكرى زيارة السيد المسيح وامه السيدة مريم العذراء وعدد من تلاميذه الى صيدا وجوارها. وقد سمي المقام بـ “سيدة المنطرة”، لأن السيدة العذراء والنساء المرافقات لها كنّ ينتظرن فوق تلك التلة القائمة خارج المدينة عودة السيد المسيح الى هناك. أما سبب انتظاره هناك فيعود الى عادة كانت تحرّم على النساء اليهوديات دخول المدن الوثنية.
أما تأسيس المقام فيعود الى القرن الرابع، وذلك أثناء زيارة قامت بها القديسة هيلانة والدة الأمبراطور قسطنطين الأول، بعد فترة الهدوء الذي ساد الامبراطورية لدى رفع الإضطهاد عن المسيحيين عام 313، تطبيقا لبيان ميلانو الذي اقرت بموجبه صيغة سياسة رومانية جديدة تتعلق باعلان الحرية الدينية لجميع المواطنين وفي جميع أقاليم الأمبراطورية. في تلك الحقبة قامت القديسة هيلانة بعدة مشاريع عمرانية، منها تشييد كنيستي القيامة والمهد في الأراضي المقدسة، ورعاية بناء وترميم مقامات عديدة أخرى في المنطقة، منها على سبيل المثال لا الحصر كاتدرائية مدينة صور وكنيسة “ايبلا” في البقاع.
6- ان بين تاريخ زيارة القديسة هيلانة الى منطقة صيدا قبل حوالي 1400 سنة واهدائها كنيستها في حينه “ايقونة السيدة حاملة الطفل” وبين اكتشاف تلك الايقونة (عام 1721) قبل قرنين من الزمن على يد احد الرعيان عن طريق الصدفة، قصة ايمان طويلة انطلقت كلماتها مع السيد المسيح وامه العذراء القديسة ورسله الاطهار.
وكما تزامن في تلك الايام اكتشاف تلك المغارة مع ظهور يقظة دينية وثقافية داخل الكنيسة الشرقية أدت في ظل “امارة لبنان” الى قيام حركة مسكونية وحركة انفتاح ثقافي مميز في لبنان كان من بين ثمارها تأسيس جمعية الاباء المخلصيين الذين تطور مقام “سيدة المنطرة” على يدهم وتحوّل من مزار متواضع الى مقام ديني رفيع…”.
بين الأسطورة والقداسة
تبعد بلدة مغدوشة عن العاصمة بيروت نحو 50 كلم. سكانها المقيمون نحو ثمانية آلاف نسمة. عدد منازلها نحو الألف. الاتــجــاه الــيــهــا: بــيــروت، الـــدامـــور، صــيــدا، مفرق جنوبي صيدا على جسر سينيق (معروف بـ مفرق مغدوشة) ومنه خمسة كيلومترات شرقا فتطل مــغــدوشــة متربعة على رابية جميلة ترتفع عن البحر نحو 250 الى 290 متراَ.
بلدة عريقة في القدم، ترقى الى عمر الانسان في لبنان، سكنها اللبناني الاول بعد ان حفر بيته في صخورها، ولا تزال آثار خمس من هذه المغاور والكهوف واضحة حتى اليوم في مشارف مغدوشة، ابرزها مغارة سيدة المنطرة. تمتاز تلة مغدوشة بموقع جميل فريد: ينبسط البحر امامها غــربــا، ويــرنــو اليها الجبل شرقا، وشمالا تبدو قرى ومدن متناثرة مــدروزة واحدة تجاور الاخرى في اقليمي التفاح والخروب، وصولا الى العاصمة بيروت، وجنوبا تطل منها قرى الجنوب الخلابة.
اغــدق الله على مغدوشة هذا الجمال الطبيعي، واقترن اسمها بالسيدة العذراء وسميت “بلدة العذراء”، كما حيكت حولها الاساطير، ومنها ان عشتروت (الهة الحب والجمال عند الفينيقيين) رفضت ان تسكن في صيدا، بل آثرت السكن في التلال المجاورة، فــطــارت وهبطت مــخــتــارة تلة مغدوشة مسكنا لها بين اشجار الصنوبر والزيتون وكروم العنب الخصيبة. ويقال ان الناس قديما كانوا يــؤدون لها فرائض عبادة وثــنــيــة، تــقــضــي بـــأن يجتمعوا فــي مــكــان لا يــزال يعرف حتى اليوم بمغاور طبلون، ثم ينتقلوا من هناك عبر دهليز تحت الارض في احتفالات دينية، حاملين الذبائح ومزودين بأضحيات يقدمونها لعشتروت استرضاﺀ لها واكراما، في المكان حيث تقطن، وهــو الـــذي اصبح لاحقا مقام سيدة المنطرة.
ازدهـــرت مغدوشة على عهد الامير فخر الدين المعني الثاني، حين توافد اليها من باتوا اهلها الــيــوم، بتشجيع مــن الــمــطــران افتيموس الصيفي الذي سيم مطرانا على ابرشية صيدا وصــور سنة 1683.
وعن انيس فريحة فـي مؤلفه “كتابة اسماﺀ المدن والقرى اللبنانية”، ان كلمة “مغدوشة” سريانية الاصل، مشتقة من “مكدسون” (جامعو الغلال اكداسا وعرمات). والارجــــح ان اســم “مــغــدوشــة” محرف من جذر “قدش” السرياني (القاف فـــي الــلــغــات الــشــرقــيــة الــقــديــمــة تــنــقــلــب عــلــى غــيــن، والسين الى شين)، وتاليا “قدش” (ومشتقاتها قاديشو، قاديشات، مــقــدوشــو) … السريانية، تعني قدس وقدوس ومقدسة بالعربية، فيكون اسم مغدوشة مشتقا من جذر “قدس”، وتعني “مقدسة.”

تاريخ ومستقبل
عندما وفد اهل مغدوشة اليها، انكبّوا على زراعــة القمح وطحنه في بلدتهم،ولا تــزال آثــار خمسة طواحين باقية حتى الــيــوم، ثم رزعــوا الزيتون وحــوّلــوه زيــتــاً في معاصرهم البدائية (ثلاث لا تزال منها إثنتان حتى اليوم)، ثم زرعوا الكرمة وأصّــلــوهــا وجلبوا العنب الحيفاوي من فلسطين، فاشتهر بــــ “عـــنـــب مـــغـــدوشـــة” وصــنّــعــوه واستخرجوا منه كحولاً وخموراً. ثم زرعــوا النارنج (ليمون البوسفير) وأجــــادوا صنعه، حــتــى لــيــنــدر ان يخلو بيت في مغدوشة اليوم من “الكركه” التي تنضح دائما بماء الزهر المغدوشي، الشهير بدقة التقطير والطعم الفريد.
وبــــرع الــمــغــادشــة أيـــضـــاً في الــصــنــاعــة، الــخــيــاطــة النسائية والــرجــالــيــة، الــنــجــارة والـــحـــدادة والاسكافة والنحت الحجري. و كذلك في فنّ البناﺀ الذي اخذوه عن بنائين من آل الخرياطي في جون، ساعدوهم في بناﺀ كنيستهم سنة 1895 ومنذ ذلك الحين، برعوا، وأبدعوا أبنية حجرية منحوتة ومــصــقــولــة، تجاوزت حدود لــبــنــان، الى ســوريــا وفلسطين.
وأهل مغدوشة أبناﺀ علم، فأول مستشفى في صيدا مورست فيه الجراحة العامة كانت لمغدوشي، وهم أيضا أبناء معرفة، كان بينهم المعلمون الاول في عــهــد الاســتــقــلال الذين انــتــشــروا في الجنوب اللبناني يلقنّون العلم وينشرون الــمــعــرفــة بــيــن جــنــوبــيــيــن كــانــوا محرومين منه آنذاك…
وبعد… بين الأمس واليوم مغدوشة باقية شاهدا حيا على الإيمان، بمقامها الروحي الفريد ومكانتها التاريخية كأرض للقداسة والعلم ومحبة الأرض والتعلق بالجذور، ولكنها قطعة من لبنان، تعاني ما يعانيه أبناؤه، وآخر هذه المعاناة ما ترجمته أصوات الإستنكار التي علت أوائل العام الحالي ضد ما سمّي “هجوما ممنهجا” لشراء أراض فيها، في إطار عمليات بيع مشبوهة و”بالجملة”… فهل من يسمع ويحمي “بلدة العذراء”، أم أنّ “الإنتظار” سيطول كثيرا…؟
لارا سعد مراد