يقول مثل صيني حول تقديم المساعدة إلى الآخر: “بدلاً من إعطاء المحتاج سمكة، أعطه صنّارة وعلّمه الصيد”، وذلك انطلاقا من مفهومين، الأوّل يقوم على أنّ هذا المحتاج سيأكل السمكة التي أعطيتها له، ليعود جائعاً من جديد، والثاني يقوم على أنّ العطاء لا يكون حقيقيا إلاّ إذا حافظ على كرامة المعطى له، بمعنى تأهيل المحتاج، وتحويله إلى عامل منتج، يأكل خبزه أو “سمكه” بعرق جبينه…

شاب لبناني طبّق المثل الصيني بحذافيره، لا بل تجاوزه إلى ما هو أبعد بكثير من العطاء المادي. كيف لا، وقد حوّل من كانوا يسمّون ب”ذوي الإحتياجات
الخاصة” إلى “ذوي الإرادة الصلبة”، بالفعل لا بالقول فقط.

تعرّف عليهم في ميدان عمله، وتحديدا على المصابين منهم بمتلازمة داون، أحبّهم، وتأكّد أنهم مختلفون لا “متخلّفون”، وأنهم قادرون لا عاجزون، وأنّ مكانهم ليس على الهامش، سواء في المنزل أو في الجمعيات المتخصصة، بل في ميدان العمل، حيث هم قادرون على الإنتاج والإندماج في المجتمع. وعندما قرّر مساعدتهم، لم يفكّر بإعطائهم “سمكة” بل رمى إليهم بصنّارة، وليس أيّ صنّارة… رمى إليهم بصنّارة لم يكن يملكها، بل اقترض ثمنها على عاتقه الخاص، ومشى معهم درب المغامرة صوب “البحر” حيث تحوّلت الصنّارة إلى شباك ألقوها معا في المياه… ولأنّ الإيمان كبير، “أصابوا مِنَ السَّمَكِ شَيئاً كثيراً جداً، وكادَت شِباكُهُم تَتَمَزَّق”…

وسيم الحاج الدكتور في المعالجة الفيزيائية والأستاذ المحاضر في الجامعة اللبنانية، هو” صيّاد البشر” هؤلاء، شباكه مقهى في الزلقا أسماه Agonist ، وبحره مجتمع ما زال ينظر إلى المختلف نظرة دونية، وإن كانت مصحوبة بالشفقة. هذه النظرة هي التي أراد المعالج الفيزيائي معالجتها، بل تغييرها، إيماناً منه بقدرة الأشخاص المختلفين على العطاء مثل الأصحاء تماما. فخاض معهم ولأجلهم مغامرة استثمار مال اقترضه من مصرف على شكل قرض شخصي، في مقهى يكون العاملون فيه من المصابين بمتلازمة داون، وذلك لإثبات قدرتهم على العمل والإنتاج والإندماج… الجهات الداعمة من راعين أو شركات داعمة لم تؤمن بنجاح الفكرة، وبالتالي لم تقدّم الدعم، “وهو أمر كان لصالحي وصالح الفكرة” يقول الدكتور وسيم الذي “اشترى سمكاً في بحر”، ويضيف: “لأنّ المغامرة بمالي الخاص وقيام هذا المقهى بمبادرة فردية خاصة في أصعب الظروف الإقتصادية التي يمرّ بها لبنان، كان دليلا جديدا على أنّ الإستثمار في الفكرة هذه لا يختلف في شيء عن الإستثمار في أي مشروع آخر مع أشخاص أصحّاء. جرأتي في المغامرة والإقتراض لتنفيذ هذا المشروع عكس إيماني بالمشروع وانعكس إيجابا على نجاحه.” هذا النجاح يفنّده الدكتور الحاج ويقول: “حصد المشروع تقبلا لافتا من الجميع وإقبالا كبيرا على المقهى، وفرحا عارما للعاملين والزوار وتفاعلا رائعا في ما بينهم، ومردودا ماديا جيدا نسبة إلى الأوضاع الإقتصادية، بالإضافة إلى التطوّر الملحوظ لقدرات العاملين فيه البالغ عددهم 12 شخصا، وهم من ذوي الإرادة الصلبة.”

يتلقى الدكتور الحاج العديد من طلبات التوظيف، ولذلك يأمل بفتح فروع أخرى للمقهى، “إذا سمحت الظروف المادّية طبعا، لأنّهم يستحقون، ولأن العمل معهم لا يختلف عن العمل مع الأشخاص العاديين إلا بفترة التدريب، فذوو الإرادة الصعبة تستغرق فترة تدريبهم على العمل وقتا أطول بقليل، ولكن الإنتاجية هي نفسها لديهم، لا بل أكبر منها لدى الأشخاص العاديين. ولذلك أشجّع الجميع، وبخاصة الشباب، على الإيمان بأحلامهم مهما رآها البعض مجنونة أو مستحيلة، وعلى الإستثمار بشكل خاص في المشاريع القائمة على اندماج ذوي الإرادة الصلبة في المجتمع، لأنها مشاريع ناجحة بعكس ما يعتقد الكثيرون. فهؤلاء الأشخاص هم طاقات إيجابية، علّموني اكثر مما علّمتهم أنا، أعطوني الثقة وفتحوا لي آفاقاً جديدة من المعارف والخبرات. هم يتميّزون بالأمانة والتفاني، والإلتزام، يعملون من كلّ قلبهم، ويأخذون عملهم على محمل الجدّ، لأنهم يجدون فيه السبيل إلى تحقيق ذواتهم وتحقيق الإستقلالية المادية والمعنوية، وهي أشدّ ما يحتاجون إليه.” ويضيف الدكتور وسيم: “هناك مبادرات أخرى في نفس نطاق عملي قامت بتمويل من جهات مانحة، كما في زغرتا وصور مثلا، ولكنها بسبب موقعها الجغرافي ربما، تعتبر مقاه أو مطاعم موسمية، أتمنى لها التطور والنجاح والإستمرار لأن مجتمعنا يحتاج إلى مثل هذه المشاريع التي تهدف -قبل الربح المادي أو المساعدة الإنسانية حتى- إلى تطوير مفاهيم المجتمع لدور هؤلاء الأشخاص، وتغيير النظرة إليهم، والأفكار المسبقة التي يتم التعامل على أساسها معهم.”

وتطوير هذه المفاهيم المجتمعية تحتاج بحسب الدكتور الحاج، “بالإضافة إلى الوعي العام والمبادرات الفردية، مسؤولية من الدولة تجاه حماية هؤلاء الأشخاص وصون حقوقهم، بدءاً من تجهيز المراكز الخاصة والعامة لاستقبالهم كزبائن أو كموظفين، وصولا إلى تطبيق القوانين المتعلقة بهم، وعلى رأسها مثلا القانون 2000/ 220 الذي يجبر كل صاحب عمل على أن يكون 3 بالمئة من موظفيه من ذوي الإرادة الصلبة. وبالنتيجة فإنّ اندماج هؤلاء في المجتمع يتحح بتضافر جهود الدولة والمجتمع المدني.”

هذا الإيمان بقدرة دمج المجتمع بين جميع أبنائه، يعكسه اختيار اسم المقهى الذي افتتح في 16 /12 / 2018
وهو” Agonist” ويعني بالمعنى الطبي العلمي “عمل عضوين أو أكثر من أعضاء الجسم لإنجاز حركة أو تفاعل”. وأتى اختيار هذا الإسم، دعوة إلى عمل أعضاء المجتمع الواحد معا من أجل حركة مجتمعية سليمة. وفي مجتمع Agonist يعمل الأعضاء معا في جو مفعم بالإيجابية والمحبة، يقومون بمهامهم بكل إخلاص، بدءا من الإستقبال الحار إلى الخدمة المحترفة، وصولا إلى ابتسامة الوداع. وبين الإستقبال والوداع، يصبح للقهوة والماء والطعام طعم آخر، ويصبح ل”سمكة” وسيم الحاج وفريق عمله طعم سكّري، تذوب فيه كلّ “حلاوة” العالم وجمالات السماء…

لارا سعد مراد
العدد 12