مغامر حتى العظم، صاحب إنجازات رفيعة تتجاوز الألقاب الكبيرة وجوائز التقدير الأكبر. “رجل القمم السبع”، وغارس علم بلاده في القطبين وما بينهما. إنجازاته عابرة للقارات بحرا وبرّا، بتصميمه داس أعلى القمم وحفر على جليدها البكر تواقيع كبيرة، وبتحدّيه رسم على مياه المحيطات خرائط الطريق إلى المستحيل… إنّه الإسم الذي ملأ الدنيا وشغل الناس: مكسيم شعيا.

ولد مكسيم شعيا في الأشرفية- بيروت ولكنه يسكن بعبدات “على ارتفاع 800 متر” يقول، وكأنه لا يعرف السكن إلا “في القمم”. في السابعة والخمسين من عمره ما زال يخوض المغامرات وآخرها ما يخطط للقيام به في كانون الثاني وشباط 2020 وهو تكرار الرحلة التي قام بها على الدراجة الهوائية في العام 2016 في صحراء الربع الخالي، ولكنها هذه المرة ستختلف عن المرة الأولى بأنه سيعبر خلالها الصحراء من أبو ظبي إلى صلالة بدلاً من الدوران حولها كما في المرة الأولى. ويقول في هذا الإطار: “أقوم بالإتصالاات اللازمة لهذا الأمر مع السفارة السعودية، وإذا لم أنجح هناك، فسوف أنفذ الرحلة ولكن في صحراء الصين.” بهذا الإصرار يقوم مكسيم شعيا بكل إنجازاته، وتاريخ هذه الإنجازات حافل بمحطات مضيئة في لبنان والعالم.

من الأرقام الإقتصادية إلى الأرقام القياسية

من عالم المال والأعمال الذي تخصص به، وتخرّج منه حاملا “ماستر” في الإقتصاد من جامعة لندن، وعمل بين أرقامه ومصطلحاته في بداية حياته، وبخاصة في بدايات حياته العملية في كندا، انتقل مكسيم شعيا إلى عالم الرياضة والمغامرات، لأنه اكتشف “أنّ شغفه لا يمكن أن يحبس بين جدران المكتب وشاشة الكمبيوتر…” ولمّا تأكد أنه لم يولد إلا لعالم الرياضة والتحدي، وأن الأرقام خارج تحطيم “الأرقام القياسية” لا يمكن أن تعني له شيئا، قرّر السير وراء الحلم.

وبالإرادة تحوّل الحلم إلى طموح ثمّ إلى حقيقة. الإنجاز التاريخي الأول “كان بالتعاون مع بنك عودة، وهو المغامرة الأولى في 27 حزيران 2003 إلى ماك كينلي-ألاسكا- شمال القارة الأميركية، ثم توالت المغامرات، من تسلق القمم السبع (2006)، القطب الجنوبي (2008)، القطب الشمالي (2009)، عبور المحيط الهندي في مركب تجذيف بطول 8 أمتار ونصف المتر(2013)، وصولاً إلى عبور صحراء الربع الخالي على دراجة هوائية (2016)، على أن تتكرر إن شاءت الظروف عام 2020 بطريقة أخرى أكثر خطورة بالتأكيد…”

الخطر تآلف معه، والخوف كذلك، اعتاد عليهما، ويغلبهما بطريقة واحدة: الخبرة. وهذه الخبرة لا تنمو إلا بالتكرار. “الخوف شعور طبيعي”-يقول- ولكن ” يجب أن نتغلّب عليه لا أن نتحجّج به، والغلبة لا تكون لنا إلاّ بالخبرة والممارسة.” أخطر المغامرات التي خاضها يراها في رحلة عبور المحيط الهندي، وعنها يقول: “كنا 3 أشخاص، وكنت أنا القبطان، بالرغم من أن زميليّ كانا يملكان الخبرة أكثر مني كونهما عبرا سابقا المحيط الأطلسي… مركب التجذيف الذي حملنا كان بطول 8 أمتار ونصف المتر، غير مجهز بماء ولا بحمّام، واجهنا صعوبات كثيرة، حتى أنني طلبت النجدة 3 مرات… ولكننا في النهاية نجحنا وأنهينا الرحلة في 57 يوماً، محطّمين 3 أرقام قياسية عالمية.”

مع الشباب

وبين هذه المغامرات التي تحمل الطابع العالمي، لا ينفك مكسيم شعيا يخوض مغامرات في لبنان وبخاصة مع الشباب، وإن كانت أقل خطورة بكثير، وذلك لتحفيز هؤلاء الشباب على الإيمان بقدراتهم وتحقيق أحلامهم، “فلكل إنسان قمّة يتسلّقها”- يقول – ويضيف: “كلّ إنسان قادر شرط أن يكتشف شغفه ويضحّي من أجله، فالأحلام والطموحات لا تحقق بالجلوس أمام التلفزيون أو شاشة الهاتف المحمول، أو بإضاعة الوقت مع الألعاب الإلكترونية مثلاً… الطموح يتحقق بالإيمان والعمل والتضحية، وإلاّ بقي حلماً نتغنّى به ونبكي على أطلاله.”

إيمانه بالشباب يدفعه إلى مساعدتهم بالفعل من خلال لقاءات رياضية أو لقاءات تعارف في المدارس والجامعات والجمعيات، لا ليتوجه إليهم بأسلوب الوعظ، بل ليقدّم نفسه “برهاناً حيّاً على القدرة على تحقيق المستحيل، فأنا لم أعرف في البداية أنّ في داخلي بطلاً، ولكننّي اكتشفته، وتعبت لإخراجه إلى العلن، وكما نجحت أنا، يمكن لأي شاب أن ينجح، وبخاصة إذا جعل عمله هو هوايته كما فعلت أنا… حرام أن يموت الإنسان من دون أن يكتشف شغفه، الحياة قصيرة، وحرام أن نرحل عن هذه الدنيا، وفي داخلنا موسيقى لم تعزف بعد…”

هل عزف مكسيم شعيا موسيقاه كلّها؟ “إذا متّ غدا لا أندم”-يقول- ويضيف: “لا يوجد عندي شيء على اللائحة، ولكنني أعرف أنّه سيأتي يوم أعلّق فيه دراجتي الهوائية وعدّة التسلق والإبحار… ولكن طالما عندي القدرة البدنية والذهنية، فسأواصل المسير.”

إلى الشباب أيضا يتوجّه مكسيم شعيا من خلال كتب يصدرها حول مغامراته، أوّلها كتاب “أحلام شاهقة” الذي حقّق أعلى أرقام المبيعات في العالم وفق صحيفة “نيويورك تايمز”، وعن هذا الكتاب يقول: ” إنّه عبارة عن روايات مصوّرة ومفصّلة لرحلاتي إلى أقطاب الأرض الأربعة، وكلّ ما شعرت به من خوف ويأس ونشوة الوصول إلى الهدف.” وبعد الكتاب الأول، كتاب آخر بعنوان Maximum Max، هو عبارة عن مجلدات من “الرسوم المصوّرة، حول مغامراتي أيضا، أستعد لإصدار المجموعة الثانية منها قريبا…”

بالرغم من الإنجازات العالمية لا يهتمّ مكسيم شعيا بالألقاب أكثر من اهتمامه بالنجاح عينه، وعن هذا الأمر يقول: “أحبّ أن أحقّق المستحيل ولا أهتمّ بالباقي، فتحقيق المغامرة هو الغاية وليس الوسيلة لأصل إلى لقب أو إلى شهرة. قمّة فرحي هي اللحظة التي أشعر فيها أنني حققت ما كان مستحيلاً، أو أنّ شابّا ما حقق مستحيله الخاص أو تسلّق قمّته من أي نوع كانت، وفي أي ميدان…”

بين الوطن والدولة

و”تحقيق المستحيل” عرفه مكسيم شعيا مرات عدة، وعرّف الناس به، وأوصله إلى حصد الألقاب وجوائز التكريم، بينها وسام الأرز برتبة فارس من الدولة اللبنانية أكثر من مرة، وإصدار طابعين بريديين باسمه من قبل وزارتي الإتصالات والمالية، وهي تقديرات يفتخر بها ويقدّرها، ليس لأنها حققت له الشهرة، بل لأنها دليل على أنه قد ساهم في رفع اسم بلده في العالم على طريقته. وعن الدولة اللبنانية يقول: “لقد أعطتني الكثير، وأنا شاكر لها، وأتمنى منها دعم كل شاب لتحقيق طموحه، علماً أنني أعرف أنّ هذا الأمر صعب جداً عليها، بالنظر إلى الأوليات المطلوبة منها أولا، من أبسط الأمور الحياتية، من الماء إلى الكهرباء والطبابة والتعليم، وصولا إلى قضية النفايات وغيرها… ولذلك أعذر الدولة على تقصيرها تجاه الشباب، ولكن هذا لا يعني أن هذا الأمر غير مطلوب منها…”

ويشير مكسيم شعيا في هذا الإطار إلى أنه يساعد بقدر استطاعته، مؤكّداً “أنّ جمعيات المجتمع المدني تحاول أن تعوّض تقصير الدولة في هذا الموضوع، كما أنّ الشباب أنفسهم مدعوّون إلى التعب والتضحية لاكتشاف شغفهم، والعمل على تحقيق طموحاتهم.”

لبنان بالنسبة إلى مكسيم شعيا، ليس دولة مقصّرة وحقوقا مسلوبة أو مشاكل إقتصادية، بل “قمما شاهقة مشرفة على البحر الأبيض المتوسّط، وشعباّ طيّبا، وطبيعة جميلة”، يراه “صورة جمال تطغى على بشاعة الواقع السياسي أو المعيشي…” ولذلك يردّد مع جبران خليل جبران: “لكم لبنانكم ولي لبناني…”
أما الله فيراه أكثر في مغامراته، في أعلى القمة، أو في عرض المحيط أو الصحراء، في لحظات الخطر “حيث تدرك أنّك محتاج إليه”، وحيث تفتقد فعلا ما كنت قبل قليل تعتبره “تحصيلا حاصلا”، مثل الأوكسيجين، أو الماء أو الطعام… “هناك أرى الله أكثر وأصلّي أكثر…”

لارا سعد مراد
العدد 12