المحامية جيهان القاصوف

عندما يلتصقُ تاريخ “البلد” بالإحتلالات والوصايات… وما يُشابهها من التّسميات التي تضعُ يدها على مفاصِل الحُكم… يَتولّد شعورٌ دفينٌ لدى “المواطن” برفض “الّسلطة” وما تمثّله، بالمطلق، فتختلط في نظره “دولته ” ب”غاصبه”، ولذلك يعمد الى رفضها والإساءة إليها بشتّى الأشكال، ويتحوّل الى مقتنص فرصٍ، مستغلٍّ للمناصب فيها، غارفٍ من مقدّراتها، ومتعالٍ على هيبتها!

وعندما، يتمّ إغراق “المواطن” بصعوبات إقتصادية، وإلهاؤه بحاجات ماديّة صعبة المنال! بعد قتل مبادرته الفردية والتسلّط على “جنى عمره” ولو البسيط، يعمد المُغرِقون المستغِلّون الى تحويل عيون هذا المواطن الى “مصدر” يُصورّون له أنهم “يخدمونه” فيه، وأنّه بالتالي يستطيع أن ينهل منه دون أي شعور بالذنب! فيلتفت الى نفس تلك “الدولة”، مُمارِساً فعل “الغرف” نفسه من مَعينها!

ولكن، وفي كلتا الحالتين، وبدل ان يُصنّف الغارِف “بالحرامي”، إذ به يجعل من نهب الدّولة عمل بطولةِ وشطارة يستردّ من خلاله، وفق اعتقاده، حقوقه المسلوبة! فإذا “بالأربعين حرامي” يتحوّلون بنظر أنفسهم الى أربعين “روبن هود”!!
“النّهب” المقصود، قد لا يقتصر على تمديد “شريط كهرباء” من هنا، أو “فتح عيار ماء” من هنا!! انّما قد يمتدّ الى وضع اليد على “وظائف الدولة” المِدرارة في زمن “الشّح”! وهكذا، ينتقل النزاع من عِدائية تجاه الدولة الى عدائية تجاه كلّ شريك يحاول الولوج الى “كيس الدولة”! ومن هنا يبدأ “القتال” على تلك الوظائف!

تاريخيّاً، “التّوظيف في الدولة” كان حُظوة لكلّ غانم منتصر!! فمُنح للسّلطان أو للإقطاعي أو للمتصرّف أو للمندوب الّسامي … الى أن صدر عام 1959 المرسوم الاشتراعي رقم 112 الذي حصر شؤون اختيار الموظفين بمجلس الخدمة المدنية!
ولأن التّوظيف العام يُعتبر نوعاً من المشاركة في إدارة الدولة والمساهمة في بنائها، فهو ينعكس على نجاح تلك الإدارة، لذلك، يتوقّف هذا النجاح على وضع الموظف المناسب في المكان المناسب!!! ولنا من واقعنا ما يُثبت أنّ سوء اختيار الموظفين أو اعتبار الوظيفة “تنفيعة” لقاء مصلحة أو آلة “شفط”!! يؤدي الى إفساد الإدارة! فكيف إذا بات”الفساد” لعنة الإدارة عينها!!
بكل الأحوال، يشترط “القانون” في من يتقدّم من وظيفة عامة، أن تجتمع فيه مجموعة من الشروط معاً، بحيث أنّ توفّر أحدها دون الآخر يحول دون قبول توظيفه:

– شرط الجنسية: يجب أن يكون طالب الوظيفة لبنانياً منذ أكثر من عشر سنوات! (مما يفتح الباب هنا على مسألة التّجنيس وأبعادها وتداعياتها وانعكاساتها على الإدارة !!!)
– شرط السّن: ومسألة السّن، يُنظر اليها بالنسبة لحدّها الأدنى او الأعلى، إذ يجب أن يكون طالب الوظيفة قد أتمّ العشرين كحد أدنى، باستثناء بعض الوظائف، كالمدرّسين الذين يشترط فيهم بلوغ الثمانية عشرة (فهل هذا السن ما زال مناسباً!!!)، وأمناء الصناديق في وزارة المالية الذين يشترط فيهم بلوغ الخامسة والعشرين من العمر (على افتراض ان المال لا يوضع بعهدة “الصغار”!!!!) وكذلك بالنسبة للحد الأقصى، فهو مُحدّد بالخامسة والثلاثين للفئتين الخامسة ( حاجب، حارس…) والرابع (كاتب محرّر…) أّمّا بالنسبة للوظائف في الفئة الثالثة ( رئيس دائرة، رئيس قسم …) والثانية (مدير، رئيس مصلحة…) او الأولى (مدير عام، محافظ، سفير …) فأربعة و أربعين سنة كحد أقصى ( لكي يستلحقوا أنفسهم بعشرين سنة خدمة قبل التقاعد!!)
– شرط اللّياقة الصحيّة: والهدف منها التأكّد من مقدرة طالب الوظيفة على تحملّ أعباء الوظيفة، وعدم الغياب المتكرّر او المتواصل!! (ذلك، اذا اعتبرنا أن الوضع الصحيّ المتحقّق منه هو مبرّر الغياب او سببه الوحيد!!!!!) … وقد يتعدّاه في بعض الوظائف الى اشتراط مهارات جسدية معيّنة و قوة بدنية، او مواصفات محدّدة كالطول مثلاً وغيرها … (وتدخل في هذا الباب مسألة اللياقة الذُهانية والنفسية!!)
– شرط اللّياقة الأخلاقية: لذلك على طالب الوظيفة، أن يُبرز سجل عدلي رقم 2، الذي تدوّن فيه الأحكام والغرامات كافة التي حكم بها المرشح، بما فيها تلك التي سقطت بمرور الزمن، وتلك التي شطبت. (بكل الاحوال، هل تقتصر اللياقة الاخلاقية على الجرائم المعاقب عليها في قانون العقوبات؟!!!)
– شرط المؤهلات العلمية: قد حدّد القانون تلك المؤهلات بالاجازة الجامعية لوظائف الفئات الثالثة والثانية والاولى، وبشهادة البكالوريا القسم الثاني لبعض وظائف الفئة الرابعة، وشهادة البكالوريا القسم الاول للبعض الآخر من وظائف الفئة الرابعة، كما أخذ القانون بالخبرة لبعض الوظائف، كذلك أجاز للموظف الذي أمضى مدّة زمنيّة معيّنة في بعض الوظائف أن يتقدّم لوظائف أعلى منها تتطلّب مستويات علمية عُليا ( ومن هنا تتبيّن خطورة “تفريخ” المؤسّسات والمعاهد التربويّة والجامعات غير المستوفية للشروط… ناهيك عن التزوير في الشهادات وما اليها…)
– شرط التنافس: أي نجاح المرشح للوظيفة العامة في المباراة او الإمتحان، والفرق بينهما هو أنّ الإدارة ملزمة عند التعيين، باحترام التسلسل في مراتب النجاح في المباراة، في حين أنّها غير ملزمة باحترام مراتب النجاح في الامتحان وتبقى لها سلطة استنسابية في تعيين من تشاء من المرشحين الناجحين في الامتحان !! ( وقد يكونون من المحظيين!!…)
ويبقى، أنّ المادة 95 من الدستور اللبناني في فقرتها “ب” تنص على أنّه:
“تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني، باستثناء وظائف الفئة الاولى فيها، وفي ما يعادل الفئة الاولى فيها، وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أية وظيفة لاية طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة.”

اذاً، تبقى شروط الوظيفة العامة، خاضعة لمقتضيات الوفاق الوطني!!!!
فما هي مقتضيات هذا الوفاق؟ ومن يجعل نفسه مفسّراً لهذه المقتضيات؟! وهل تبقى ذهنيّة التّوظيف في الدولة حظوة لكلّ غانمٍ مُنتصر، يرى المُقتضيات من زاويته والكفاءة وفق معاييره والإختصاص حسب حاجاته؟! والإستثناء الوحيد في هذه المادة، موضوع تجاوزات؟!
ليست العبرة في “القانون”، على أهميته، وإنّما في كيفيّة تنفيذه! وإن كان الدّستور هو تاج القوانين، فالأخلاق هي تاج كلّ الدّساتير! ومعيارها الضمير الحيّ!

مجلة أورا -العدد 12