بعلبك، مدينة الشمس، لا تعرف الظُلم ولا الظلام. قلعتها حصينة وشعبها يتحلى بالمروءة والخُلق وحسن الضيافة. موقعها الجغرافي المميز جعلها عرضة للفتوحات خلال الحقبات التاريخية لمن يريد الاستيلاء عليها، ورُب ضارة فيها نفعٌ لتصبح المدينة التي تعلو فيها الهياكل وجسر مرور للبضائع وما شابه. تبعد بعلبك 85 كيلومتراً عن بيروت. تتميز بقلعتها المنبسطة على كتف السهول الواسعة، وهي من روائع العالم القديم، أكثر الآثار الرومانية عظمة، تبلغ استدارتها حوالى 5 كيلومترات. وباتت سنوياً على موعد مع “مهرجانات بعلبك الدولية”.

مدينة بعلبك، شكلت لنفسها موقعاً رائداً على خريطة السياحة العالمية وتضم آثاراً يَندر وجودها مثل “حجر الحبلى” وهو أكبر حجر منحوت في العالم. تضم المدينة الأثرية أيضاً معبد الإله بعل حيث قام الإمبراطور الروماني قسطنطين ببناء كنيسته فيه لاحقاً عندما اعتنق الديانة المسيحية. واسمها هو سام قديم مركب مشتق من السريانية “بعل بقاع”، والبقاع هو السهل الواقع بين سلسلتي جبال لبنان الغربية والشرقية والواقعة فيه مدينة بعلبك. وقد سميت نسبة الى إله الشمس بعل، لذا أُطلق عليها لقب “مدينة شمس”.
عندما احتلها الاغريق العام 332 ق.م عُرفت حينها بمدينةHéliopolis  وتُعتبر إحدى أقدم المدن في لبنان ومن أهم مدن العصر القديم حيث بنى فيها الرومان قصورهم الصيفية ومعابدهم الضخمة ومن ضمنها معبد الإله باخوس، إله الخمرة، وهو المعبد الروماني الوحيد في العالم الذي لا يزال قائماً ومحافظاً على رونقه بالرغم من مرور آلاف السنين والهزات الأرضية والحروب المتتابعة.

هذه القلعة التي جعلت مدينة بعلبك حاضرة في التاريخ وساهمت بوصولها الى العالمية من خلال المهرجان السنوي الذي يستضيف شخصيات عالمية تكرس أهمية المكان وتنفض عنها غبار الزمان. معابدها تجسد عظمة الشكل والزخرفة والتصميم. وعندما نريد التحدث عن مهرجانات بعلبك لا يسعنا إلا أن نعود بالتعريف سريعاً عن قلعة بعلبك ومسارها التاريخي الذي جعلها حصينة في وجه الزمن الصعب.

                                                     

حقبات تاريخية تجسدّت بمعابدها

تتعدد الروايات حول الزمن الذي بنيت فيه قلعة بعلبك. البعض يقول إنها تعود الى عصر سليمان الحكيم. والبعض الآخر كما ورد في كتاب “تاريخ الموارنة في دير الأحمر ومنطقتها” للأستاذ عصام كرم (كاتب من أبناء المنطقة) لما افتتح يوليوس قيصر سوريا في أواسط القرن الأول قبل الميلاد مدركاً عظمة بعلبك، جعلها مستعمرة رومانية، وأمر أن تلقب باسم ابنته “جوليا” وقد ظهر ذلك من خلال بعض النقود التي صكّها في المدينة وما معناه “مستعمرة جوليا أوغسطا هيليوبوليس السعيدة”. وفي القرن الأول للميلاد بدأت عملية بناء هياكل بعلبك الثلاثة لتنتهي في أواسط القرن الثالث. وكانت مكرسة للإله جوبيتر كبير آلهة الرومان، والمعبد الثاني لإله باخوس والثالث لفينوس إلهة العشق. ولما حكم قسطنطين الكبير رفع شأن المسيحية وحوّل المعابد الوثنية الى كنائس، ومنها هياكل بعلبك، وأمر ببناء ثكنة عسكرية وكنيسة. إلا أنه في عهد يوليانس الجاحد اضُطهد المسيحيون وأعاد الهياكل الى سابق عهدها. ثمّ عادت المسيحية الى بعلبك ومدن الامبراطورية الرومانية في عهد الامبراطور تيودوسيوس الذي حوّل معبد جوبيتر الى كنيسة.

معظم هذه المعابد كانت مدفونة تحت الأنقاض، وقامت بعثة ألمانية بأول محاولة للتنقيب عنها في العام 1898.وإبّان الانتداب الفرنسي على لبنان، قامت بعثة فرنسية باستكمال التنقيب عن الآثار وتنظيف المعابد الرومانية في العام ١٩٢٢ ولتستكمل بعدها المديرية اللبنانية العامة للآثار العمل.

وتقسم قلعة بعلبك إلى مواقع أثرية عدة: الرواق، هو مدخل الهياكل، له في طرفيه غرفتان مزدانتان بنقوش كثيرة ومواقف للأصنام. الجدار الداخلي من الرواق مزخرف بنقوش جميلة.  البهو المسدس أو الدار الأولى، هي دار مسدسة الشكل قطرها نحو 50 متراً ما عدا الأبنية المحيطة بها.  البهو الكبير أو هيكل كل الآلهة، هو بناء مربع الشكل يحيط به اثنا عشر معبداً، أربعة منها بشكل نصف دائرة في الجهة الشمالية والجنوبية وما تبقى فمستطيلة، وجميعها مفتوحة الواجهة وأمامها أعمدة من الغرانيت. الهيكل الكبير أو هيكل جوبيتر، هو الهيكل الذي كانت ولا تزل شاخصة إلى عظمته وفخامته عيون جميع زائري بعلبك. الهيكل الصغير أو هيكل باخوس الذي تمّ بناؤه الى جانب الهيكل الكبير في منخفض من الأرض وعلى طراز يشبه بهندسته ونقوشه ذاك الهيكل، دون أن يكون أمامه بهو ولا أروقة.

 

أعمال فنية عالمية

تأكيداً على دور لبنان التاريخي والثقافي، غدت هياكل بعلبك مركزاً لاستقطاب الأعمال الفنية العالمية من مسرحية وموسيقية منذ العام 1922، بالاضافة الى ما تنطق بالارث الحضاري اللبناني. وافتتحت المهرجانات رسمياً العام 1955 مع فرق عالمية أمثال كوكتو وفرقة لاماما للمسرح التجريبي. وتوافدت في السنة التي تلتها 1956 فرق الموسيقى الكلاسيكية العالمية ومنها أوركسترا نيويورك وبرلين. كما احتضنت فرق الرقص الكلاسيكي، ومغنيين عالميين أمثال أم كلثوم وغيرها. وكانت بعلبك الأولى التي احتضنت الأعمال العالمية لموريس بيجار وأراغون.

وكما كانت قلعة بعلبك مركزاً للقادة في حقبات تاريخية، استطاعت أن تبقى في مركز القيادة من خلال هذه القلعة الحصينة التي تحتضن مهرجانات بعلبك الدولية وأن تكوِّن جسراً حضارياً بين الشرق والغرب. هكذا انطلقت بالفلكلور الذي وضعه مؤلفون لبنانيون أمثال الأخوين الرحباني وروميو لحود مع أسياد الغناء العربي فيروز، صباح، وديع الصافي ونصري شمس الدين …. وآخرين، وكذلك المبدعون في الرقص أمثال عمر كركلا، فهؤلاء أعطوا من فنهم وابداعاتهم لإحياء المهرجان بأبهى حلة وهي بدورها، أي المهرجانات، عكست صورة جميلة عن لبنان واجهة الشرق لتغلق أبواب المجد مع بداية الحرب الأهلية، ثمّ عادت ولملمت جراحها وآثرت على المضي قدماً في العام 1998 بعد توقف قسري استمر لعشرين سنة وأكثر. وها هي اليوم تنتفض من جديد لتعيد المجد الى مجده.

يحتضن معبدا “جوبتير” و “باخوس” مهرجانات بعلبك الدولية منذ العام 1956، يُعدّ أقدم وأعرق حدث ثقافي في الشرق الأوسط، يحوي آثار المعابد الرومانية الشاهدة على حقبات تاريخية مهمة في مدينة بعلبك، ويستضيف سنوياً أشهر الفنانين العرب والأجانب العالميين.عروض الأوبرا المميزة تجذب العديد من الزوار إليه وخاصة محبي الفنون والموسيقي، ومن أبرز ما يميز المهرجان هو حضور العديد من المسؤولين سواء على الصعيد السياسي أو الانمائي أو غيره، ما يدل على الاهتمام بالمهرجانات من ناحية وإزدهار مكانتها السياحية دولياً من ناحية أخرى.

اهتمام رسمي وشعبي

تستحوذ مهرجانات بعلبك منذ القِدم اهتماماً رسمياً وشعبياً لما لها من رمزية تاريخية وحضارية، ولما تعكس وجه لبنان السياحي وبالتالي لما تضفي من جمالية لسحر بنائها وهندستها وموقعها، وما تترك لدى اللبنانيين والسياح انطباعاً بأن الأمن مستتب في لبنان نظراً للأوضاع الأليمة التي مرّت بها المنطقة خلال سنوات خلّت. وأثنت نائب مديرة المهرجانات مايا حلبي في حديث الى مجلة “أورا” على الأثر الثقافي والفني المتميز، وعلى نوعية وجودة النشاطات التي تمتد خلال المهرجانات. ولفتت حلبي الى أن هذه النشاطات ترضي مختلف الأذواق من الأعمار كافة. وهي ذات طابع فني ثقافي حضاري يعيد للقلعة أمجادها. فهي معلم سياحي مهم ويضفي عليها المهرجان أهمية أيضاً.

هكذا قال وزير السياحة اواديس كيدانيان خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد للاعلان عن المهرجان “لمهرجانات بعلبك رونق مختلف لما للمكان من رهبة”. الله وهبنا هذا المكان في وطننا الصغير ومن خلاله استطعنا الوصول الى كل العالم، فكل دولة تحلم أن يكون لديها أحد أعمدة بعلبك”. وأشار الى “ان لبنان استقبل هذا العام في بعلبك وفدا من أهم 50 شركة خاصة تنظم المؤتمرات والاحتفالات في العالم”. واكد أنه “لم يعد هناك اي حواجز تمنع احداً من الوصول الى اي مكان في لبنان”. وأعرب عن دعمه مهرجانات بعلبك على رغم خفض موازنة الوزارة “لما لها من مكانة خاصة لدي”. أما رئيس بلدية بعلبك حسن اللقيس فقال: “ان مدينة بعلبك التراثية التاريخية تنظرالى مهرجانات بعلبك بأمل كبير وتدعو الى استمرارها واستمرار المستوى الثقافي والفني الذي يتلاءم مع مستوى هياكل بعلبك وعظمتها”.
وأضاف “مدينة بعلبك ترتدي حلة جديدة مع المهرجانات. وفي الوقت نفسه هناك مشروع داخل القلعة تنفذه الدولة الايطالية وهو مهم يُعنى بتأهيل وصيانة الهياكل، وخصوصا هيكل جوبتير، ولولا هذا المشروع لكانت الاعمدة الستة معرضة للأذى”.

ويُعد مهرجان بعلبك الذي أسسه عام 1956 الرئيس كميل شمعون من أبرز المهرجانات وأشهرها.  وافتتح هذا العام بلفتة تكريمية لرئيسة مهرجانات بعلبك السابقة الراحلة مي عريضة من خلال عرض مقابلة لها باللغة الفرنسية تعبّر فيها عن حبها لمهرجانات بعلبك الدولية كحبها لأولادها علما انها المرة الاولى التي لا تكون السيدة عريضة متواجدة منذ 50 عاماً.

نشاطات المهرجان

في أدراج معبد باخوس ستة أعمال فنية رائدة تزين بها المهرجان وأضفت عليه مزيداً من التألق والنجاح.

– تكريم ذكرى كوكب الشرق الراحلة أم كلثوم التي أحييت ثلاث حفلات في قلعة بعلبك عام 1966 و 1968 و1970 بتنظيم حفل موسيقي افتتاحي وهو ثمرة تعاون مصري – لبناني مع المؤلّف الموسيقي وقائد الأوركسترا المصرية المايسترو هشام جبر. شارك فيه مطربتان من مصر هما مي فاروق ومروة ناجي إلى جانب الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق-عربية. وأدّت النجمتان باقات من أجمل ما غنّت أمّ كلثوم مثل “اغداً ألقاك”، و”أنت الحبّ”، و”أنا في انتظارك ملّيت”، و”يا مسهّرني”… في جوٍ لن ينساه عشّاق الطرب ومن يأخذهم الحنين إلى أيّام جميلة مضت.

– في ذكرى مرور 150 عاماً على رحيل المؤلّف الموسيقي الإيطالي “جواكينو روسيني”، قدّمت لجنة المهرجانات “ستابات ماتر” العمل الموسيقي الديني الرائع، تلاه الجزء الأخير لموسيقى قدّاس الموتى بعنوان Libera Me” ” الذي قام بتأليفه من أجل روسيني. أحيا هذا الحفل أربعة مغنيين منفردين من ذوي الشهرة عالمياً وهم السوبرانو جويس خوري التي تألقت في العام الماضي في دار الاوبرا الملكية في لندن بدور لاترافياتا، وشاركها في الأداء دانييلا بارسيلونا المتخصصة في تأدية أغاني الـ belcanto كما شارك هاتين النجمتين، نجمان صاعدان من عالم الغناء الاوبرالي وهما باولو فانالي وكريزستوف باتشيك. وتولّى الأب توفيق معتوق قيادة أوركسترا الحجرة للإذاعة الرومانية في بوخارست إضافة إلى كورس الجامعة الأنطونية وجامعة سيّدة اللويزة. هذا الحفل الفريد ثمرة تعاون مع المعهد الثقافي الإيطالي وسفارة إيطاليا في لبنان.

– ماثيو شديد المعروف باسم “إم” هو الفنّان الفرنسي الحائز على الحصّة الكبرى من جوائز Victoires de la Musique  الفرنسية مع 13 جائزة في رصيده. هو ابن الموسيقي لويس شديد وحفيد الكاتبة أندريه شديد وهو يقدّم هذا العمل تحيّة لذكراها. عزف على أدراج معبد باخوس أشهر مقاطعه الموسيقية في حفل ضخم صُمّم خصيصاً لمهرجان بعلبك بمشاركة إبراهيم معلوف عازف آلة البوق وغيره من ضيوف الشرف.

– عرض مسرحيّ موسيقيّ “إلا إذا” للفنان جورج خباز حوّله الى عمل استعراضي مع اوركسترا مباشرة وفرقة راقصة تراثية أضفت على العمل روحاً بعلبكية مزجت سحر قلعة بعلبك بتناغم مع عظمة تاريخها الاثري والثقافي والوطني …

– حفل موسيقي جمع بين الطرب والجاز مع عازف البيانو والمؤلّف الموسيقي إيلي معلوف صاحب الخبرة الواسعة في الملتقى بين الشرق والغرب وسيّدة من سيدات الغناء العربي جاهدة وهبه. وتضمّن الحفل الموسيقي مجموعة من مؤلّفات إيلي معلوف مع فرقته الموسيقية، وأغانٍ لجاهدة وهبه من المكتبة الموسيقية العربية تمّ اختيارها وترتيبها بعناية بالإضافة إلى افتتاحية موسيقية تمّ تأليفها خصيصاً لافتتاح المهرجان.

– أحيا الكاتب والمؤلّف الموسيقي والمغنّي الملتزم وناشط كبير في مجال حقوق الإنسان بن هاربر ليلة استثنائية مع فرقته الموسيقية The Innocent Criminals.

مهرجانات بعلبك هي واحدة من المهرجانات اللبنانية التي تستقطب أذواق اللبنانيين والمغتربين، وتساهم في تنشيط القطاع السياحي وبالتالي إحياء تلك المناطق البعيدة عن العاصمة. وتبرز وجه لبنان الثقافي والحضاري.

م.ط