على رغم أهمية المساحات العقارية التي تم استردادها او الدفاع عنها والتصدي لمنع بيعها في مختلف المناطق اللبنانية، وعلى رغم أرتفاع منسوب الوعي الشعبي الى مدى خطورة هذا الملف على العيش المشترك وقيم التعددية والتنوع الثقافي في لبنان، الامر الذي يتجلى في الانتفاضات الشعبية العفوية التي شهدتها القبيات، والحدت ومغدوشة ودير ميماس وغيرها من البلدات ضد اسراب السماسرة وتجار العقارات، إلا ان ملف السيطرة على اراضي المسيحيين لا يزال يلقي بظله الثقيل على كل الوجود المسيحي وفي مختلف المناطق اللبنانية نتيجة عوامل عدة، ينبغي الاضاءة عليها والعمل على معالجتها والتصدي لها.

غالباً ما يبادر بعض المسيحيين ممن يبيعون اراضيهم، الى تبرير فعلتهم بأنهم يريدون “تعليم الاولاد”، او “شراء شقة للاولاد في بيروت”، أو حتى “تزويج الاولاد”، وهذا الكلام التقليدي مبرر من الناحية المنطقية وينسجم مع رغبة الغالبية الساحقة من العائلات في تعليم اولادها وتأمين أفضل فرص التعليم الثانوي والجامعي لهم على أمل الفوز بمستقبل باهر، سواء على المستوى الشخصي او على مستوى المجتمع المحلي حيث يحتل الاطباء والمهندسين وغيرهم من حملة الشهادات العليا مراتب متقدمة سواء مالياص ام اجتماعياً وعلى كافة الصعد. لذا يصبح طرح موضوع بيع الاراضي في سبيل “تعليم الاولاد” مبرراً بالحجة والمنطق والغاية، لكن كل ذلك يصبح من دون مبرر فيما لو كان من يبيعون العقارات هم من المحتاجين فعلاً الى بيعها.

تبين لي نتيجة تجربتي الشخصية في مجال مقاومة عمليات السيطرة على اراضي المسيحيين ان من يبيع عقاراته هم الاثرياء وليس الفقراء، وامامي عشرات الامثلة عن عائلات غنية ومرتاحة مادياً، باعت وتبيع وتعرض للبيع كل يوم الالاف من الامتار وفي قلب مناطق الانتشار المسيحي لاسباب كثيرة لأكن الاكيد انها ليست بسبب الحاجة المادية و “تعليم الاولاد”، وهذه الاشكالية لجهة العلاقة بين الارض ومالكيها الاثرياء والفقراء تحتاج ربما الى بحث أخر وطويل، لكن قناعتي، ان الفقراء يتمسكون بعقاراتهم القليلة وذكرياتهم فيها وحنينهم اليها ويتركونها للايام الصعبة، في حين يتعامل قسم من الاثرياء مع عقاراتهم كسلعة تجارية بحت، دون اي رابط عاطفي.

لا يمكننا القفز فوق الاسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي دفعت وتدفع قسماً لا بأس به من المسيحيين والدروز اللبنانيين الى بيع عقاراتهم، والمسألة من الخطورة بمكان بحيث أنها تمس جوهر وجود لبنان وكيانه وحياته الوطنية اذا استمرت من دون معالجة.

اختصر في الاسباب السياسية لأقول: ان اتفاق الطائف والانتقاص من حقوق المسيحيين وتحطيم صورة “دولة القانون” خلال الحرب الاهلية، والدور المدمر الذي قام به الاحتلال السوري ضد الحضور المسيحي في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص ادى الى زعزعة ثقة المسيحيين بلبنان معنوياً ومادياً، ولم تستطع كل القوى السياسية استعادة هذه الثقة كاملة في مرحلة ما بعد الجلاء السوري العام 2005، وتلك مسؤولية الطبقة السياية المسيحية التي انصرفت الى موالاة الشيعية السياسية والسنية السياسية، تحت عناوين 8 و 14 اذار دون كثير اعتبار للمصلحة المسيحية الوطنية.

اختصر في الاسباب الاقتصادية لأقول: ان المسيحيين تعرضوا خلال 15 عاماً الى سياسة اقصاء وحرمان ممنهجة قادها الاحتلال السوري والمتعاونين معه ادت الى أفقار شرائح واسعة من المسيحيين، في مقابل تدفق الرساميل والامكانات على الطوائف الاخرى التي تنعمت بـ “خيرات اتفاق الطائف” مباشرة أم بالواسطة، في حين ترك المسيحيين لمصيرهم في القطاعين العام والخاص دون اي رعاية او مظلة ترعى مصالحهم بحجة أنهم “الطرف الخاسر في الحرب”. وكان للمال المتدفق من الخليج نتيجة الفورة النفطية الاثر البالغ في تعميم ثقافة “المال والبيع والشراء الحلال لكل شيء وبأي سعر كان”. وهكذا استبيحت اراضي المسيحيين وبيعت الالاف من العقارات في الشوف وعاليه واقليم الخروب وشرق صيدا والبقاع دون ان يرف جفن للشركاء في الوطن.

اختصر في الاسباب الاجتماعية لأقول: ان المؤسسات التاريخية الراعية للحضور المسيحي التاريخي في لبنان، وتحديداً المؤسسة الكنسية بكل فروعها وفي مقدمها الكنيسة المارونية الكاثوليكية، أنما اصيبت بالترهل واصبحت قاصرة عن اداء واجبها التاريخي كما كانت دائماً: “كنيسة مناضلة شهيدة تعمل من أجل شعبها وتحتضنه عند الملمات والصعاب”. وهكذا انهارت الاحزاب المسيحية وجرى قمعها، وانكفأت الكنيسة المارونية ولا تزال عن اداء مهامها التاريخية في رعاية شعبها تربوياً واقتصادياً وسياسياً وصحياص وما يتطلبه العصر، فكان ان وصلت الامور الى الكارثة و “كفر الناس بكل شيء”.

بيع الكثير من عقارات المسيحيين وتم الاستيلاء على الملايين من اراضيهم في بحوارة والقاع وغيرها، ولكن رغم ذلك يمكن استعادة كل شيء واعادة بناء جدار الثقة بين المسيحي وارضه ووطنه وكنيسته اذا توفرت قيادة واعية وحكيمة تعيش الام شعبها وتتحمل مسؤولياتها بكل جدارة ووعي.

بيار عطاالله
صحفي وكاتب معني بشؤون الديموغرافيا والارض