رجل والرجال قليل. شخصية استثنائية قلّ وجودها في زماننا. صاحب قيم ومبادئ. يجمع خصال الخير والمحبة والوفاء الى جانب الحكمة والثقافة الواسعة. صادق مع نفسه ومع الآخرين، رقيق الشعور، يعمل دوماً على احقاق الحق، يحترم الناس ويكرمهم وينصر الضعفاء. متواضع أبيّ من غير تكبّر،

وجهه يسطع بأنوار المودّة ومحبة الآخر وفرح العطاء. يغزو القلوب ببلاغة لسانه وعمق معرفته وبحبه اللامحدود لوطنه.

له عينان يتجلّى منهما ذكاء خارق وقدرة على فهم حقيقة الآخر ومراده. صاحب ضمير حيّ. صريح لا يخاف قول الحقيقة، وكيف يخاف وهو انسان حرّ وصادق ونظيف الكفّ لا يتعامل مع الآخرين الا بروح المحبة، وهذا ما يجعله ينام قرير العين مرتاح البال.

رغم تقدمه في العمر وقراره التقاعد من الوظيفة، لم يرس سفينته ولم يطوِ اشرعتها، فقد أبى ان يتخلّى عن الشأن الاجتماعي العام مخصصاً له الجزء الأكبر من وقته وتفكيره. فهو ابن بيت عريق يرمز الى الانفتاح وممارسة العيش المشترك. انه رجل وطني بامتياز، ثائر على الظلم والفساد والافساد وعلى سياسة الاقطاع. مؤسس “لقاء الاثنين” أي اللقاء مع الآخر الشريك في الوطن، بعيداً عن سياسات الطائفية والتقوقع ونبذ او رفض الآخر. فلبنان الرسالة والوطن النهائي لجميع أبنائه هو في سلّم أولوياته، وفي سبيله ينشط بكل جوارحه حتى الرمق الاخير.

“رب همّة أحيت أمّة “. هذا القول للإمام علي بن أبي طالب هو شعار “لقاء الاثنين” الذي اسسه نهاد أسعد الشمالي مع مجموعة من أصدقائه في العام ١٩٩٢ في “خيمة الوادي” في السهيلة، والذي حمل في البدء اسم “لبنان الوطن” قبل ان تتحوّل تسميته (لأسباب تتعلق بتسهيل معاملات الترخيص القانونية لهذه الجمعية) الى “لقاء الاثنين” ومعناه “لقائي مع الآخر بغية ان نتقبّل بعضنا ونتشاور ونتحاور”. وهذا اللقاء مفتوح امام جميع المواطنين بصفته منبراً حرّاً تُعقد تحت لوائه ندوات ثقافية وأدبية وشعرية وسياسية وغيرها.

“لقاء الاثنين” يهدف الى انشاء وتنمية ثقافة المواطنة وقبول الآخر. من أبرز نشاطاته اطلاقه منذ ١٥ عاما” مشروع “التبادل الطالبي” بين عدد من المدارس المتعددة الأديان والمذاهب والمناطق في لبنان، بهدف نشر ثقافة الحوار وقبول الآخر والتلاقي بين الأجيال الصاعدة.

ومن اهم إنجازات اللقاء أيضاً المشاركة في تأسيس يوم تكريم السيدة العذراء مريم في عيد البشارة، والسعي الى جعل هذه المناسبة عيداً وطنياً ورمزاً للتعايش المشترك، بعيداً عن الفولكلور…

نهاد الشمالي شديد الاهتمام بالبيئة، وكان لقاء الإثنين اول من اقام محاضرات للبحث في كيفية معالجة النفايات العضوية، وساهم في تنفيذ اول مشروع بيئي في هذا الإطار في بلدة كفرصير قضاء النبطية، بتمويل من السفارة البابوية. كما سعى اللقاء الى تنفيذ مشروع لإعادة تدوير النفايات في خمس قرى في وسط كسروان ولكنه اصطدم بعراقيل قانونية وإدارية أطاحت به.

الاقطاع علة العلل

إذا كان زمن الاقطاع قد ولّى، الا ان آثاره وتبعاته ما زالت راسخة في النفوس. هذا ما يوضحه نهاد الشمالي، مشيراً الى ان الاقطاع قديماً جعل الفلاح يواجه الظلم والاستبداد باستعمال وسائل ثلاث تحوّلت الى عادات راسخة عند كثير من اللبنانيين: السرقة والكذب وبوس الايادي، ويضاف اليها عدم الوفاء.

يؤكد الشمالي ان تراكمات النظام الاقطاعي هي التي أوصلت لبنان الى الحرب الأهلية. ويقول:”نحن لم نمارس المواطنية الصالحة أثناء الحرب، مارسنا الإرهاب بأبشع أوجهه ومعانيه. وإذا كان اتفاق الطائف قد أوقف الحرب، إلا انه سلّم السلطة الى قيادات الحرب الاهلية بكل ممارساتها الخاطئة. اما الترويكا التي نشأت عندئذ فقد أعادت زمن الاقطاع عبر سيطرة طبقة حاكمة تتقاسم الحصص عوضاً من ان تهتم بإعادة اعمار البلاد واعتماد معيار الكفاءة في العمل. وهذه الممارسات الشاذة أدّت الى إفساد وفساد عارمين، والى هدر الأموال العامة. فتراجعت الطبقة الوسطى التي تشكل حزام الأمان للمجتمع (من ٧٠٪ قبل الحرب الى حوالى٥١٪ اليوم)، في حين وصلت حالياً نسبة الفقراء الى ٧٠٪ من الشعب، وزادت طبقة الأثرياء من رجال سلطة وحاشيتهم”.

يبدي الشمالي تشاؤمه تجاه الاوضاع الاقتصادية في لبنان بسبب ممارسات الفساد والسرقات التي تودي بالبلاد والعباد الى الهلاك. ويؤكد ان المشكلة الكبرى تكمن في وجود المركزية الإدارية. لذلك يطالب الشمالي بإصلاح شامل يبدأ بتحقيق اللامركزية الإدارية وبهندسة اقتصادية للبلد تقوم على ترشيد الانفاق والكف عن النهب. ويشير الى ان الهندسة المصرفية التي وضعت الى الآن ليست إلا عملية تجميل وهمية للواقع المرير.

المسيحيون والأصالة

يقول الشمالي ان المسيحيين في لبنان كانوا اسياداً عندما كانوا مسيحيين اصيلين يتمسكون بقيمهم وليس بتقاسم الحصص. ويتحدث الشمالي بشيء من التشاؤم عمّا يعتبره قلة اهتمام المراجع الدينية والسياسية المسيحية بالملف المسيحي في المنطقة، داعياً القيادات المسيحية الى العودة الى أصالتها السامية لتستحق المشاركة في قيادة البلاد.

كذلك يطالب الشمالي المراجع الدينية بمساندة عمل “لابورا” ورئيسها الأب طوني خضره وذلك عبر القيام بمؤتمر عام برعاية البطريرك الماروني يضم مسؤولين روحيين ومدنيين وأصحاب الاختصاص، لوضع خريطة طريق شاملة ومدروسة بالعمق لتوجيه الأجيال الصاعدة الى مستقبل يليق بقيمهم الموروثة عن اجدادهم، مع الانتباه الى ان تكون هذه الهيئة الاستشارية غالبيتها من الشباب المثقف وأصحاب كفاءات مهنية وتقنية.

 

نبذة حياتية

أصل آل الشمالي من قرى عدة في كسروان أهمها قريتا السهيلة ودرعون . ولد نهاد أسعد الشمالي في جبل الدروز حيث كان والده يشغل منصب رئيس محكمة في المحاكم المشتركة الفرنسية اللبنانية السورية لمدة ١٢ سنة، خلال أيام الانتداب الفرنسي. ثم عند تعيين الوالد مدّعياً عاماً في طرابلس انتقلت العائلة الى عاصمة الشمال حيث مكثت مدة ١٧ عاماً. بدأ نهاد الشمالي دراسته الابتدائية في مدرسة الفرير في طرابلس، ثم انتقل الى مدرسة الجامعة الوطنية في عاليه حيث تتلمذ على يد الأديب والشاعر الشهير مارون بك عبود، واختبر قيم العيش المشترك مع الاخوة المسلمين والدروز. وبسبب عدم توفر قسم للرياضيات في هذه المدرسة، توجه الى مدرسة القديس يوسف – عينطورة حيث نال شهادتي البكالوريا اللبنانية والفرنسية بدرجة متفوّقة. بعدها حصل على شهادة في إدارة الاعمال والإدارة المالية. وخلال سنوات دراسته هذه عمل في مديرية الجمارك مدة ٦ اعوام، حافظ فيها على كرامته وكرامة زملائه. بعد زواجه من غلادس افرام، شقيقة المرحوم الوزير جورج افرام، سافر الى المملكة العربية السعودية حيث عمل في مجموعة اندفكو بصفته المراقب العام على المجموعة التي تضم اليوم ٤٢ مصنعا” في العالم. خمسون سنة بالتمام والكمال أمضاها نهاد الشمالي في شركات اندفكو من العام ١٩٦٣ الى العام ٢٠١٣. نهاد وغلادس الشمالي انجبا خمسة أولاد (زينة وحنان وفاديا والياس ورندة ) ولهما الى الآن ١٥ حفيداً وحفيدة.

على الصعيد المدني والاجتماعي، يشارك نهاد الشمالي وزوجته، بالإضافة الى لقاء الاثنين، في منتديات ثقافية عدة منها نادي عاليه الثقافي والمجلس الثقافي لبلاد جبيل والمركز الإسلامي عائشة بكار، وفي جمعيات عدة منها رابطة الأصدقاء وبيت العجزة.

 

القراءات

يحب نهاد أسعد الشمالي الشعر، ويقيم في خيمته ندوات شعرية.

وقد ردّ “لقاء الاثنين على المتنبي:

“ما كل ما يتمناه المرء يدركه            تجري الرياح بما لا تشتهي السفن”.

فلقاء الاثنين يردد ما قاله احد شعرائه:

“تجري الرياح كما تجري سفينتنا      نحن الرياح ونحن البحر والسفن

ان الذي يرتجي شيئاً بهمته            يلقاه ولو حاربته الأنس والجن

فاقصد الى قمم الأشياء تدركها          تجري الرياح كما رادت لها السفن”.

 

لا يحب الشمالي قراءة الأخبار في الصحف بل المقالات والتحاليل، ويفضل كتب التاريخ.

آخر كتاب قرأه كان باللغة الفرنسية وعنوانه Dr Saoud et monsieur Djihad للكاتب بيار كونيزا. وهو حاليا” يقوم بقراءة كتاب “الحداثة والقرآن” للكاتب سعيد ناشيد.

لو كان له ان يختار اختصاصه ومهنته من جديد، لكان على الأرجح اختار ان يكون طبيباً، ولطيب نيته أنعم الله عليه بابنته البكر زينة الطبيبة الاختصاصية في معالجة الاعصاب والامراض النفسية، ورئيسة هذا القسم منذ عشر سنوات في مستشفى MGH التابع لجامعة هارفرد الاميركية.

ك.أ.ص