في الزمن الصعب كانت صورة الجامعة اللبنانية براقة جميلة، لا شعارات ولا صور لزعماء تُعلق على جدرانها، لا مرجعيات إلا أصحاب العلم والاختصاص، لا أحلام إلا بإنجازات تطبيقية مطلبية، لا كوادر تعليمية وإدارية إلا نخبوية … الصفحات المشرقة قدّ طُويت لتفوح من صفحات اليوم رائحة الصفقات والانقسامات والحسابات الفئوية الضيقة.

الجامعة اللبنانية التي تنافست فيها التيارات الفكرية والثقافية والأدبية منذ إنشائها في الخمسينات تنوء اليوم تحت عبء الصراعات السياسية والطائفية والمذهبية. هذه الجامعة التي انطلقت من دار معلمين الى 13 كلية ومعهداً بفضل النضالات الطالبية وشغف الهيئة التعليمية بديموقراطية التعليم ترزح اليوم تحت ثقل الاهمال والتدخلات العشوائية …
من فؤاد افرام البستاني الذي جاء أول رئيس للجامعة اللبنانية في العام 1953 عرفت هذه المؤسسة عهداً ذهبياً استمر الى حين اندلاع الحرب، وتمتعت باستقلالية ذاتية، سمحت لها أن تبقى على مسافة من الارتهان على امتداد مساحة الوطن من خلال أهلها (أساتذة وطلاباً وموظفين)، بينما تمّرُ حالياً بأزمة شديدة ودقيقة (انتخاب رئيس لها) يصعب الخروج منها إذا لم يتكاتف أهلها من جديد، لأن المراحل التي عرفتها الجامعة اللبنانية تُظهر للعلن أنها تستطيع تخطي المحن بتضافر وتضامن مَن ينتمون إليها، وبإمكانهم في أي وقت تحقيق ما يريدون وعدم الانصياع لقيادات خارجية تحكمها التحالفات والمصالح الشخصية.
وعليه، يجدر القول إن مشاكل الجامعة اللبنانية هي انعكاسٌ لمشاكل الدولة اللبنانية السياسية والاجتماعية وصورة للنظام الطائفي والمذهبي المعمول به في مختلف المؤسسات العامة. فالأحزاب والزعامات والتيارات من جميع الأطراف كانت موجودة في السابق، لكن أهل الجامعة على اختلاف انتماءاتهم كانوا يعتبرون جامعتهم فوق كل حزب وقبل كل طائفة. والسؤال المطروح: هل يمكن إيصال رئيس للجامعة اللبنانية اليوم بالاعتماد على “الروحية الأكاديمية” الى حدٍ ما.

تفاصيل العملية الانتخابية
في تفاصيل عملية الانتخاب رفع مجلس الجامعة خمسة أسماء، وفقاً للقانون 66، الى وزير التربية والتعليم العالي ليعيّن أحدهم بمرسوم بناء على اقتراحه، وهناك الكثير من العوائق في التعيين، الأمر الذي سيؤدي الى شغور هذا الموقع على غرار رئاسة الجمهورية. علماً أنه يقتضي تعيين رئيس قبل وصول رئيس الجامعة الحالي في 13 تشرين الثاني المقبل الى نهاية ولايته. واذا تأجل تعيين الرئيس بسبب مقاطعة وزراء التيار الوطني الحر جلسات مجلس الوزراء، خصوصاً وأن الموضوع يجب أن يطرحه وزير التربية، فقد يتمّ تكليف العميد الأكبر سناً رئاسة الجامعة الى حين تعيين الرئيس، وهو في هذه الحالة عميد كلية العلوم الدكتور حسن زين الدين، بعد إحالة الدكتور غسان شلوق الى التقاعد في تشرين الثاني المقبل بعد انتهاء الولاية الحالية للرئيس، وإما التمديد لرئيس الجامعة الحالي، حيث القانون لا ينص صراحة على هذا الأمر، ما يهدد استقرار الجامعة لأن الاجتهادات التي قد تحصل لا تخدم استقلاليتها.
هذا، وبلغ عدد المرشحين لموقع رئاسة الجامعة اللبنانية 40 مرشّحاً، في حيث اجتمع 33 عضواً من أصل 35 عضواً في مجلس الجامعة، في جلسة خُصصت لانتخاب المرشحين الخمسة لتولي منصب رئاسة الجامعة اللبنانية، الذين رُفعت أسماؤهم إلى مجلس الوزراء. وكان رئيس الجامعة عدنان السيد حسين افتتح الجلسة بكلمة عن الاستحقاق الذي يحصل للمرة الأولى في الجامعة، ثم بدأ الاقتراع الذي شارك فيه 33 عضواً في مجلس الجامعة، وغاب عضوان، فيما لا يحق لثلاثة عمداء بالتكليف، الانتخاب. وهكذا يكون أعضاء المجلس قد اختاروا المرشّحين الخمسة لمنصب الرئاسة، في أوّل عملية ديمقراطية، رغم التوافقات والحسابات الحزبية التي تحكّمت بالعملية الانتخابية، وبالتالي بعد حسم خيار اللائحة المتنوّعة طائفياً بحيث تضم مرشّحاً سنياً ومرشحاً مسيحياً وثلاثة مرشّحين شيعة، لا سيما وأن العُرف حالياً يقضي بأن تكون رئاسة الجامعة للطائفة الشيعية.
فاز بنتيجة الانتخابات ممثل أساتذة كلية العلوم محمد صميلي المدعوم من تيار المستقبل (25 صوتاً)، عميد كلية طب الأسنان فؤاد أيوب المقرب من حركة أمل (23 صوتاً)، عميدة كلية التربية تريز الهاشم المدعومة من التيار الوطني الحر (23 صوتاً)، العميدة السابقة لكلية الآداب وفاء بري المقربة من حركة أمل (21 صوتاً) وكذلك ممثلة أساتذة معهد العلوم الاجتماعية رجاء مكي (19 صوتاً). واستطاعت مكي أن تحصل على 19 صوتاً خوّلتها خرق توافق حركة أمل وحزب الله، وبالتالي خسارة المرشح المدعوم من حزب الله الدكتور جمال شرارة. ويبدو أن الحزب يحتاج إلى دراسة ملفات المرشحين الدكتورين فؤاد أيوب ووفاء بري، والدخول في نقاش جدي معهما قبل اتخاذ قراره النهائي.
بهذه العملية الانتخابية حسم مجلس الجامعة خياره كمجلس أكاديمي أصيل لم يكن قائماً عند تعيين رئيس الجامعة الحالي الدكتور عدنان السيد حسين في العام 2011، والذي عينه مجلس الوزراء من خارج الترشيحات الأكاديمية.
وعليه، تداخلت المعايير الأكاديمية بالانتماءات السياسية والطائفية في عملية انتخاب المرشحين الخمسة لمنصب رئيس الجامعة، علماً أن منصب الرئيس يعود حصراً حالياً الى الطائفة الشيعية وفق توزيع المناصب على الفئة الأولى في الدولة، على الرغم من أن لا نص قانونياً في قانون الجامعة يقضي بذلك.
وتؤكد مصادر أكاديمية أن موضوع رئاسة الجامعة محسوم للطائفة الشيعية، لكن إذا تمّ التوافق بين الطوائف على تبادل الوظائف، فإن مفاجآت كبيرة قد تحدث، وعندها قد يأتي رئيس جامعة من الطائفة السنية أو المسيحية. وهذا ليس مستبعداً تبعاً للمشاورات التي تتمّ في الكواليس.
من ناحية أخرى يتخوّف أكاديميون من نية وزير التربية برفع ثلاثة أسماء إلى مجلس الوزراء هي محمد الصميلي وتيريز الهاشم وأحد المرشحين الشيعة، ما قد يعقد الأمور لأن الأصول تقتضي رفع ثلاثة أسماء من الطائفة الشيعية لأنها صاحبة هذا الموقع.
برامج المرشحين
في هذا الوقت، عقدت الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية سلسلة من الاجتماعات طالبت فيها مجلس الوزراء بالإسراع في إجراء التعيين من بين الأسماء المرفوعة وفقاً للقانون 67/75 معدلاً بالقانون 2009/66 وتعيين عمداء أصيلين للمعاهد والوحدات حيث هناك شغور في مركز العميد.
ويقتضي مبدئياً أن يكون لكل مرشح برنامج انتخابي يُنتخب على أساسه، لكن قلّما يحصل في وطن لا تتوفر فيه مقومات المحاسبة، إذ كان لبعض المرشحين برامج انتخابية، تتضمن أموراً مثيرة للجدل لا سيما وأنها تشير الى الكثير من المشاكل الأكاديمية والادارية العالقة في الجامعة. هذا يعكس الوضع المتردي الذي تعاني منه الجامعة ولو بصورة غير مباشرة.
من البرامج الانتخابية برنامج الدكتورة رجاء مكي التي أعلنت فيه عن عدد من “المهمات الملقاة على عاتق الرئيس الجديد للجامعة كالاتي: إعادة هيكلة للجامعة تتناسب مع حجمها والوظائف الجديدة التي يجب أن تسند إليها، وضع نظام جديد مرن يأخذ بالاعتبار المستلزمات الجديدة للتعليم العالي، وضع حد للتغلغل السياسي، تعزيز معاهد الدكتوراه، وضع أنظمة ومعايير جديدة للتعاقد والتفرغ والتدرج والدخول الآلي في الملاك، وضع أنظمة ومعايير للتقييم السنوي، إعادة النظر ببرامج التدريس بما يتناسب مع المستلزمات الحقيقية لنظام ال LMD وتمهين التعليم الجامعي، إنشاء مجلس علمي ذات صلاحيات جدية للسهر على اصلاح برامج التدريس وتطبيقها، توصيف وظيفي واضح للأساتذة حسب رتبهم وتقييمهم على أساسه سنوياً، إنشاء مراكز أبحاث ومختبرات في جميع المعاهد والكليات وتزويدها بأنظمة مرنة تسمح لها التعامل مع القطاع الخاص، استحداث شهادة الاهلية في ادارة اطروحات الدكتوراه، الاعداد المستمر للكادرات في القطاع العام والخاص من خلال دورات تنظمها الكليات والمعاهد، إنشاء مجمعات في المحافظات كافة وإعادة هيكلة الادارة المركزية وتزويدها بدوائر جديدة”. وأكدت أن “جميع هذه الاصلاحات وسواها، ستكون في صلب النظام الجديد للجامعة”.
كما أصدر عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية والادارية في الجامعة اللبنانية الدكتور كميل حبيب بياناً جاء فيه “نحن نعرف ان التوازنات في البلد تقضي بأن يكون رئيس الجامعة اللبنانية من الطائفة الشيعية الكريمة، ولكن ترشحي للتنويع في الترشيحات. كميل حبيب لا يخرج عن إطار عمل الرئيس نبيه بري أو “حزب الله”. هذا موقف يمكن أن يفهم بالسياسة أو غير السياسة، لكن كميل حبيب كعميد لكلية الحقوق والعلوم السياسية هو عميد لكلية متنوعة من كل الناس، وفيها من كل الناس، وأنا أحب كل الناس وأساتذتي أيضاً. لكن الحقيقة تقضي الاعتراف بأن الرئيس نبيه بري هو خريج كلية الحقوق وهو رئيس اتحاد طلاب لبنان، وهو الضنين على الجامعة اللبنانية، وترشيحي يعود حصرياً للرئيس نبيه بري، الى أن نرفع الترشيح أقول هذا الكلام من كل قلبي وبكل صدق وارتياح نفسي وعقلي”.
كما وزع العميد السابق لكلية الزراعة ومدير مختبر MCEMA للأبحاث حول المواد والتحفيز والبيئة والطرائق التحليلية الدكتور المهندس تيسير حمية، برنامجه لرئاسة الجامعة اللبنانية وللنهوض بها. بدأ البرنامج بشرح دور الأستاذ الجامعي، حريته الأكاديمية ودوره الإنساني، ثم تطرق الى كيفية العمل على تطوير الجامعة اللبنانية مقترحاً عدداً من النقاط منها: “تحديد رؤية استراتيجية واضحة لجهة وظيفة الجامعة اللبنانية ودورها وهويتها عبر إنشاء ورش عمل يشارك فيها أهل الجامعة في مختلف وظائفهم (ما هو المطلوب منها؟ أي دور علمي ووطني؟ أي علاقة بسوق العمل؟)، وتحديد رؤية أكاديمية وتنموية للجامعة آخذة بالاعتبار دورها في تأمين التعليم العالي لجميع اللبنانيين، حيث يستوجب التأكيد على مركزية البرامج والمناهج في التعليم، وتحديد رؤية تنموية شاملة تكون الجامعة اللبنانية جزءاً منها، إلى جانب المؤسسات الأخرى السياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية والاجتماعية، وتخصيص موازنة للبحث العلمي”.
تحمّل المسؤولية بروح وطنية
يمكن القول مع رئيس الجامعة الحالي الدكتور عدنان السيد حسين الذي أكد مراراً في أحاديث صحفية “أن رئيس الجامعة هو مسؤول أكاديمي أولاً واخيراً، على أنه لا بدّ له من التعامل بمرونة وتعاون وتفهم للواقع اللبناني وأوضاعه السياسية والاجتماعية، لكن من دون اغفال لتطبيق القانون. وكلما تمكنا من تحصين الجامعة وإبعاد التدخلات السياسية الخارجية في شؤونها يساهم ذلك في تطويرها، فأهداف الجامعة أهداف وطنية وليست شخصية. ولا ننسى أنها أمدّت لبنان والخارج بكوادر علمية ومهنية عالية المستوى خلال العقود الماضية”.
ختاماً، الأساتذة المرشحون هم من صفوة أهل الفكر والثقافة ومشهود لهم بالمناقبية، إنما التدخلات السياسية تستضعف هذه الفئة وتؤثر عليها، لذلك فالمطلوب “وقفة ضمير وطنية” إزاء هذا الصرح الأكاديمي واحترام القوانين وتحمّل المسؤولية في إطار الشفافية والمساءلة.
منى طوق