بعد أزمنة النفور و التباعد بين أولياء وسائل الإعلام الحديثة و الكنسيّة، ها نحن اليوم، عند منعطف جديد. بين الكنيسة و وسائل الإعلام تاريخ مديد من عدم التفاهم و الإعجاب  المتبادل في آن، ترتّبت عليهما تداعيات مثقلة بالنتائج. لائحة الخلافات من كلا الجهتين تطول. فبينما تحبذّ وسائل الإعلام سبل التبسيط والإختزال، وتؤثر عرض الفضائح على عرض الحقائق الصريحة و الواضحة، نجد أن الإعلام الكنسي يميل الى تسليط الضوء على الرعاة و الأشخاص المسؤولين و الموهوبين، كما على الاحداث و المناسبات الجامعة للرعيّة ورؤسائها. و غالباً ما تخاطب المتلقين بلغة خاصة قلّما يفهمها غير العارفين بخفاياها. هكذا يقول المنتقدون !

 

هناك ثقافاتان، و منطقان متعارضان. على الرغم من ذلك فهما متشابهان من بعض النواحي، لجهة تلك المفاهيم و الافكار الجاهزة ، و البديهيات الخاطئة للحسّ العامّ الذي لا بد من التنبّه له و مواجهته بالحسّ النقدي الذي يتوسّل الحقيقة و الإنصاف لها ، بقدر المستطاع.

 

من يُنكر أن وسائل الإعلام ميّالة الى التضخيم، وتفضيل جزء من المشهد على كلّه، والتوقّف على لوحة مشهديّة جميلة بدلاً من العرض الكامل لها: غالباً ما تكون الصورة الحقيقية في مكان آخر.  لذلك قال يوماً أحد الكرادلة الى الاعلاميين: “فتشّوا في زوايا المكان عن شيء مخفي يكشف حقيقة الحدث”، داعياً إياهم الى عدم الخوف من كشف أصنام العصر.

 

نعم فتشّوا في مكان آخر، أو في زاوية أخرى من المشهد المعروض احتفالياً أمام وسائل الإعلام. لأنه اذا اردنا أن نفهم الحقيقة ينبغي أن نقف على ساحة التاريخ واللاهوت، وسماع صدى الخلافات القديمة التي ترددت داخل المؤسسات على أنواعها. .

 

ما الفرق على سبيل المثال، في أيامنا، عصر الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعية بين حرب الأيقونات، وبين الخلاف بين مختلف المدارس الاعلامية، بالنظر الى مكانة الصورة ونوعيّتها في النظام الاعلامي ؟

 

في هذا المجال تُنسب الى مارشال ماك لوهان أحد كبار أنبياء الاعلام المعاصر هذه العبارة : “بدون المسيحية لم يكن من وجود للتلفزيون”. يتساءل البعض: هل كانت غلطة أم نعمة؟، خصوصاً عندما ينظر الى ذلك الكمّ من الشرور والرذائل التي تعرضها الشاشات الكبيرة والصغيرة على تنوّعها.

 

إن عدم التفاهم بين الجهتين، الكنيسة من جهة ووسائل الإعلام من جهة أخرى، يبدو مثقلاً أمام التاريخ والحضارة، لأن كل جهة تتوقّع من الأخرى ما لا تستطيع أن تقدّمه لها.  كيف تصل رسالة السلام والفرح والرجاء؟

 

كيف نستطيع تحاشي لغة الغموض، اسقاط الّلغات الخشبية، بدلاً من التعبير بلغة الحقيقة والصراحة، بدلاً من التهرّب أمام المسائل الصعبة والمحرجة؟  كيف تُكسَر المرآة التي تجمّل ما هو بشع، لمواجهة صريحة مع الواقع الحاضر، والحضارة، مهما كانت اللوحة غير مقبولة، لمواجهة صريحة من دون تحوير… تلك هي المسألة .

 

فيصحّ  قول القديس اغوسطينوس: ” أرني وجه انسانك، قبل أن تريني وجه الهك”، وبخاصة في هذا الشرق حيث طغت، للأسف، ثقافة الوجه المحجوب على ثقافة الوجه المكشوف.

جوزف خريش