الياس عون

نقيب محرري الصحافة اللبنانية

         الأزمة المحدقة بنا هذه الأيام، ليست وليدة الساعة. فهي وبرأيي كانت تبعث إشارات تنذر بهذا الأمر، وتدلّ على حدوثه دلالات، من انتبه لها توقّع ما نحن عليه اليوم. وتلك الأزمة عنيتُ بها أزمة الصحافة الورقية، التي غدت وكأنها في نحيبٍ شديد على ماضيها العريق، حيث كانت مرآة العالم العربي برمته. فحين كانت تفتقر تلك الدول لنهضةٍ صحافية فاعلة ومؤثرة، كان لبنان غنيّاً بنهضته الصحافية ملبيّاً حاجة تلك الدول الماسّة للإعلام، يسوّقُ معطياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولا أحد يجهل أنّ نشأة الصحافة كان مهدها لبنان. ومن لبنان انطلقت إلى مصر، وإلى غيرها من الدول العربية، وجريدة “الأهرام” لمؤسسها سليم وبشارة تقلا، خير دليل على ذلك.

هناك مثل شائع ” يدٌ واحدةٌ لا تصفّق”. ولأن الصحافة اللبنانية كانت اليد التي تصفّق وحدها، باتت في وضع حرج لتستمرّ، بحيث أصبحت تتطلع إلى رفدٍ خارجيّ يعينها على القيام بدورها، ومتابعة الطريق التي نذرت نفسها لها، وهي طريق التطوّر والرقيّ، وإعكاس صورة لبنان الزاهية على مختلف الأقطار والربوع. وعن الدولة وانتباهها لهذا الواقع، فقد كانت غافلة عن الأمر وكأنه لا يعنيها لا من قريب ولا من بعيد. فكلُّ مؤسسة مهما كانت وكيفما كانت إذا لم تجد إليها المعين والمساعد والساهر على وضعها، لا بُدّ وتنهار يوماً بعد يوم إلى ساعة يأتي السارق على حين غفلةٍ، فيسرقها من الحياة، مهدّماً أركانها وأساساتها شرّ تهديم، ومنهياً وجودها إلى الأبد.

هذا ما حدث بالضبط مع الصحافة الورقية اللبنانية. فإذا لجأت إلى دولةٍ ما لتمويلها قيل عنها عميلة ومأجورة، وإذا طلبت إعانةً نعتت “بالشحّادة”، وإذا اتكلت على نفسها، قلّت صفحاتها وباتت أخبارها هزيلة وشاحبة، وهذا الوضع يدركه الجميع، ويدرك تماماً، أنّ القوّة المادية المحليّة من الدولة أو من مساهمين، كثيراً ما تشدُّ بالصحافة إلى فوق وتعطيها الدفع المعنوي، للظهور بمظهر حرّ ومستقلّ وسيّد.

إننا نرفع الصوت عالياً، لاستدراك الاضمحلال والتلاشي اللذين يحيقان بالصحافة الورقية، ونهيب بالدولة ومسؤوليها، لنجدة الصحافة الورقية، والحفاظ عليها، نهضة حضارية مشرّفة للبنان ولحضارة لبنان ولريادة لبنان.

وطالما نحن في سياق هذه الحالة، فلا ضير من تعداد أسباب مختلفة ومتنوعة أوصلت الصحافة الورقية إلى حافة الهاوية، علّنا بذلك نعالج المرض معاً وننقذ ما يمكن إنقاذه بطريقة أو بأخرى:

  • الفئة العمرية والتي تمثل الكتلة السكانية الأكبر في العالم، لم تعد تجد ما يجذبها الى الصحافة الورقية، ولم تقدر على التكيف في وجود “الأنترنت”.
  • غير عملية، بحيث لم تستطع الصحافة الورقية، علمياً وتكنولوجيا، استباق ايصال الخبر للقارئ، وإراحته من مشكلة البحث.
  • التكلفة التي بات القارئ يهرب منها، ويمكنه الحصول على الخبر مجاناً، لأنه متوفر بسهولة على “الأنترنت”.
  • افتقاد الصحافة الورقية للحيوية، وتجنّب إصابة القارئ بالملل، وافتقارها لأسلوب مبهر في عرض المعلومات.
  • الربح على “الأنترنت” أسهل، لأن مبيعات أي جريدة لا يغطي التكاليف المادية التي تدفعها الصحف الورقية لتصدر، والصحف “الألكترونية” لا يقع عليها عبء تكاليف الطبع والتجهيز وغير ذلك.
  • وأحد أهم أسباب قرب زوال الصحافة الورقية، مواقع التواصل الاجتماعي، التي تنقل الأخبار لحظة وقوعها، وهذا ما يضعف قدرة الصحافة الورقية في المنافسة.

العدد العاشر