….أزمة إعلاميين وليست أزمة إعلام

منذ سنوات، والعاملون في حقل الصحافة في لبنان، ومن كافة الفئات والانواع، يعانون من ازمات متلاحقة، والسبب تدني المداخيل المالية لدى الوسائل الاعلامية، الشرعي منها وغير الشرعي. هذا كما يبدو للعامة من الناس. ولكن حقيقة الازمة تكمن عند الاعلاميين أنفسهم، الذين تفشت فيهم الشخصانية الى حد لم تعد فيه روح الجماعة او مصلحتها هي الاساس في تأمين مصالح الجميع. (هذه هي حالة معظم اللبنانيين وفي معظم القطاعات).

لكن الغريب في الامر، ان الذين يتحدثون عن هذه الازمات، يربطونها بالصحافة – الاعلام وليس      بالصحافيين – الاعلاميين، وكأن الصحيفة او الاذاعة او التلفزيون، هذه “الموجودات” المادية، هي المسؤولة عن جميع المشاكل التي يعاني منها الاعلاميون ويتجاهلون، عن معرفة اوعن جهل، ان السبب الاول والاخير هو الانسان – الاعلامي، وليس الوسيلة – الاعلام.

واذا كان البعض يرد سبب هذه الازمات الى تطور وسائل الاتصال ومواقع                                               التواصل الاجتماعي – Social Media  وانتشارها، فالامر يرتبط، وبشكل أوثق وأفعل، بالانسان الذي يشغّل هذه الوسائل والمواقع، حتى بات كل انسان، امّي او متعلّم، حامل شهادة او من دونها، يتقن هذا التواصل مع الاقرب والابعد، لا بل يبدع في استخدام هذه الوسائل، حتى باتت الثانية من الزمن مثقلة بملايين الاخبار والصور والتعليقات….. المتنقلة بين جهات الكرة الارضية الاربع. هذا الانسان الذي هو اعلامي – صحافي بـ”القوة” بسبب فكره ونطقه، هو، ومع الهاتف الجوال، اعلامي – صحافي بـ”الفعل”.

وبالعودة الى الازمات التي يعاني منها اهل الصحافة والاعلام في لبنان، فهي تجلّت بصورة اوضح واعمق واشمل مع توقف صحيفة “السفير” عن الصدور، وهي صحيفة رائدة بين مثيلاتها، وصرف عدد من الصحافيين من اكثر من صحيفة، ومن اهمها صحيفة “النهار” العريقة، التي شكلت مع “منافستها” السفير مدرسة في الصحافة المكتوبة.

اما اهم الاسباب التي ادت الى هذه الازمات، ومنها التوقف …. فهي التالية، مع العلم أنها ليست بالضرورة او الالزام معمّمة على جميع الصحافيين – الاعلاميين.

  • ارتباط وسائل الاعلام على انواعها، وحتى المواقع الالكترونية، باشخاص لجهة التملك او القرار او الادارة، حتى ان هؤلاء الاشخاص يتصرفون بهذه الوسائل كما يشاؤون. والادلة على ذلك كثيرة، منها انتقال ملكية مجلة الحوادث الواسعة الانتشار في سبعينيات القرن الماضي بعد اغتيال صاحبها سليم اللوزي، وغياب “امبراطورية” ملحم كرم ودار ألف ليلة وليلة بعد رحيله… وما ينطبق على الصحف والمجلات ينطبق ايضًا على المحطات الاذاعية والتلفزيونية.
  • البَون الفكري والمهني الشاسع بين مؤسس الوسيلة الاعلامية، او “الباني للمجد” بمفهوم ابن خلدون، والورثة الذين بمعظمهم لا يهتمون بالكلمة – الفكر، بل بالكلمة – المردود المادي.
  • العاملون في وسائل الاعلام، “الكبار” منهم “والصغار” الذين لا هم لهم الا الوصول الى الشهرة والنفوذ والجاه، ولو كانت كلفة ذلك تسخير اقلامهم وصوتهم وهيبتهم من اجل الاخرين و”عطاءاتهم”. وهؤلاء لا يتحلون لا بالموضوعية ولا بالشفافية ولا بالصدقية ولا بالتجرد….
  • عدم اهتمام الاعلاميين، وبالتالي الوسائل الاعلامية، بقضايا الشأن العام: اجتماعية، تربوية، اقتصادية، ثقافية، انمائية….. بل اهتمامهم بـ: استقبل، ودع، اولم، زار، صرح، ادلى، ….واذا اهتم هذا الاعلام بمواضيع الفساد او الفقر او الصحة….. فهذا الاهتمام يرتبط بقضايا لها علاقة بمنافع شخصية. حتى مواضيع الفساد المتفشي لا تعالج الا اذا كان للاعلامي او الوسيلة الاعلامية او الشخص المحرّض مصلحة في ذلك… ومحتوى برامج الفساد يدل على ذلك. باختصار الاعلاميون في لبنان لا يعرفون معنى “مصلحة الوطن” او “الشأن العام” او “الرأي العام”… وهكذا بات لكل وسيلة اعلامية زبائنها الذين يستفيدون منها وهي تقوم بخدمتهم.
  • ضحالة فكر الاعلاميين الذين يدّعون معرفة “كل شي”…. والاخطر انهم يتحدثون على الهواء مباشرة دون حسيب او رقيب او يكتبون ما يشاؤون من دون العودة الى اي مسؤول او رئاسة التحرير. ..

 

ويبقى ان البعض يطرح ان يكون الحل لازمات الاعلاميين في لبنان من خلال مساهمة الحكومة اللبنانية بدفع قسم من اكلاف الانتاج الاعلامي او ديون وسائل الاعلام…. هذا الحل يكون سليمًا وصحيحًا اذا كان همّ الاعلاميين مصلحة الوطن وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية… والا سيكون هذا الحل كما جميع الحلول التي يطرحها زعماء “المافيات” مع كل شاردة او واردة لها علاقة بحياة المكلّف اللبناني.

وبناءً عليه، الازمة ازمة اعلاميين، وليست ازمة اعلام.

رئيس التحرير

سمعان سمعان