على الرغم من تعلقهم بأهلهم وأرضهم و لغتهم و وطنهم، وسعيهم الدائم الى عيش حياة الحرية والإلفة، حملوا، عندما «حزّت المحزوزية « ما تيسر وتوجهوا نحو البحر حيث ترسو السفن، و من ثمّ الى المطارات حيث تحط الطائرات، وانتقلوا الى ما وراء البحار. و الله يعلم «شوفي خلف البحر».

لقد ولدوا على هذه الارض، وفيها تجذروا… ومع ذلك انسلخوا عن الوطن متوجهين الى بلاد «الله الواسعة»، تاركين الاسرة والاولاد والاهل والبيت … حاملين معهم الذكريات والعادات والتقاليد.

لقد هجروا لبنان الارض و لكنهم بنوا أينما حلّوا، لبنان الانفتاح والحضارة والعلم والثقافة والابداع. هذا ما تركه اللبناني في أيّ بلد حلّ فيه من بلدان العالم .
في هذا العدد تتناول مجلة أورا موضوع الانتشار اللبناني في الولايات التحدة الاميركية، لتلقي الضوء على دور بعض «ابنائه» المهاجرين و الذين يعملون على ربط لبنان المنتشر مع لبنان المقيم.

ولاية اريزونا كانت المحطة الاولى، حيث كان لقاء مع سيادة راعي أبرشية لوس انجلس المارونية المطران عبدالله زيدان، عندما كان في زيارة لرعية مار يوسف للاحتفال بعيد شفيعها.

أما اللقاء الثاني فتم مع سعادة القنصل العام في ولاية كاليفورنيا جوني ابراهيم الذي وكعادته كل سنة يلبي دعوة الرعية في هذه المناسبة .
ويبقى اللقاء الثالث مع الاميركي اللبناني الأصل روبير مايكل من بلدة بسابا، الذي تحدث عن هجرة عائلته في العام ١۹١٢ و كان عمر أبيه سبع سنوات .

ماغي مخلوف
أريزونا – الولايات المتّحدة

المطران عبدالله زيدان :
«خليك لبناني… ما تْأجِّل سجِّل»
يرى المطران زيدان أن المهم بالنسبة للانسان ان يؤدي رسالته اينما كان والرسالة الاهم هي التبشير بالرب وعيش رسالته في الحياة الخاصة ومع الناس الذين وضعوا على درب كل شخص.ويؤكد ان دور الكنيسة الذي لا يحدّه مكان او زمان او لغة، هو ان تفتح أبوابها للجميع، واهلاً وسهلاً بكل انسان يرغب، ومن ضمن التراث و التقليد الكنسي ان يعبر عن محبته للرب و الايمان به .

لقد انتقل المطران زيدان الى الولايات المتحدة الاميركية في العام ١۹۸۸ حيث خدم في عدّة رعايا الى ان عين في العام ٢٠١٣ راعيا لابرشية سيدة لبنان في ولاية كاليفورنيا- لوس انجلس. يقول : «عندما اصبحت اسقفا تزوجت الابرشية، ولذلك علي الاهتمام بعائلاتها ولذلك ومن ضمن هذا الارتباط احاول ان اتواجد كل اسبوع في رعية من رعايا الابرشية».

في مكتب رعية مار يوسف حيث كان يشارك أبناء الرعية بعيد شفيعها يشجع المطران زيدان اللبنانيين المتواجدين في بلاد الانتشار على التزامهم بكنيستهم، و يوضح «ان مساحة لبنان محدودة جداً مقارنة مع مساحة الولايات المتحدة، فمساحة كل رعية توازي تقريبا مساحة لبنان و مع ذلك على الكنيسة ان تحافظ على شعبها و تؤمن له الارضية الصالحة للايمان».

ليس للانتشار عمر
و يرى «انه ليس للانتشار اللبناني عمراً سواء كان سنة او مئة سنة المهم أن يبقى التواصل موجودا بين الوطن الام و بلاد الانتشار لكي يجتمع الموارنة مع كنيستهم».
ويعتبر «ان الكنيسة المارونية ليست محصورة فقط في لبنان والمشرق، بل هناك موارنة أميركيون بكل معنى الكلمة و هؤلاء لا يرتبطون بلبنان لان لبنان بالنسبة لهم هو الوطن الروحي، الوطن الام …وسيدنا البطريرك الذي نوليه ولاءنا وخضوعنا مركزه في لبنان، ونحن ابناؤه اينما كنا، لدينا هذا الارتباط العضوي الاساسي وعلينا ان نعيش هذا الارتباط بالتواصل الدائم منه».

هجرة اللبنانيين
وردا على سؤال حول الاوضاع المعيشية في لبنان التي تدفع المواطن الى الهجرة وهل ان الكنيسة تشجع على ذلك؟ –يجيب سيادته : «الكنيسة لا تدعو الى الهجرة بل تشدد على التمسك بالارض لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تمنع أحدا من الهجرة فهي تحترم الحرية الشخصية لانها مفهوم أساسي في حياة الانسان». ويضيف: «نحن نتمنى على شعبنا ان يبقى في وطنه الأم لأننا لا نريد أرضا من دون بشر ونحن مدعوون الى حمل هذه الرسالة».
ويشير الى «التعاطف والمساعدة اللذين يلقاهما اللبناني المهاجر حديثا من لبنان، سواء في المطرانية التابع جغرافيا لها او من الكاهن وابناء الرعية التي ينتمي اليها. هذا واجب على الكنيسة والتذكير به أمر ضروري: ما تنسو تساعدوا، زوروا بلدكم، لا تقطعوا الاتصال نهائيا مع أهلكم…».

ما تْأَجّل سجّل
يوضح المطران زيدان «أنه كان أحد المسؤولين عن المبادرة التي أطلقتها المؤسسة المارونية للانتشار تحت عنوان «خليك لبناني ما تأجّل سجّل» والتي دعتّ اللبنانيين المنتشرين الى تسجيل زواجهم وأولادهم في القنصليات والسفارات التابعين لها، متمنيا العمل أكثر على هذا الموضوع» مشيرا الى «التنسيق بين البعثات القنصلية في بلاد الانتشار».

وبالنسبة لعدد الموارنة المتواجدين في الابرشيتين المارونيتين: أبرشية سيدة لبنان في لوس أنجلس، وأبرشية مار مارون في بروكلين – نيويورك، يوضح «أن عدد المسجلين من الموارنة بلغ حوالي المئة ألف…» ويؤكد «أن هناك ربما مليون أو بليون في الابرشيتين… الأن نؤسس كنائس جديدة ولكن لم نستطع ان نصل الى الجميع».
يختم سيادته مشيراً الى «ان رسالته لا تتوقف عند حدود أبرشيته فهو يشارك في مجلس الكنائس الكاثوليكية في أميركا، والاتصال دائم مع الحركات المسكونية الشرقية الارثوذكسية والكاثولكية».

القنصل جوني ابراهيم:
الإغتراب يحيي الإحتفالات اللبنانية
بالمناسبة نفسها وفي المكان عينه، التقت «أورا» سعادة القنصل العام في كاليفورنيا جوني ابراهيم الذي أتى الى أميركا وهدفه إعادة التواصل بين لبنان المغترب ولبنان المقيم.
يوضح ابراهيم انه «ليس بعيداً عن الفكر والثقافة الاميركيين والسبب تحصيله العلمي الذي تكون في جامعات لبنانية وأميركية». ويرى أن عبارة «لبنانيون في بلاد الاغتراب أو الإنتشار لم تعد متداولة الى حدّ ما، لان بعض اللبنانيين عندما يحصلون على الجنسية الاميركية، تصبح أميركا بلادهم الام وينسون واجباتهم تجاه بلدهم الاصل من خلال عدم تجديد جواز السفر، إخراج القيد، تسجيل الزواج، تسجيل الأبناء…»

يضيف: «يتذكرون لبنان فقط عندما يعلمون أن هناك قطعة أرض ورثوها عن الأهل، عندها يتوجهون الى القنصلية للإستفسار وإجراء اللازم، و في كثير من الاحيان تكون الاجراءات معقدة جداً، والسبب أن الجد والجدة لم يسجلا زواجهما في لبنان و لذلك يجب تسجيل الزواج ثم الوفاة ومن ثم تسجيل الاراضي و …
ويتمنى ابراهيم و لتفادي مثل هذه الحالات «أن يعمد كل لبناني مهاجر الى تسليم اوراقه الى القنصليات لتسهيل أموره فيما بعد … وهكذا تتمكن القنصلية من التواصل معه».

الاندية اللبنانية
وعن الحملة التي أطلقتها المؤسسة المارونية للانتشار «خليك لبناني، ما تأجّل سجّل»، يوضح ابراهيم انه «كان من أوائل الداعمين لها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي حثت القنصلية اللبنانيين على التقدم الى مراكز القنصلية و تسجيل أولادهم … و لكن للاسف لم يصلني إلا ثلاثة ملفات».

و يؤكد بأن «الحكومة اللبنانية ممثلة بسفرائها وقناصلها لم تتأخر يوماً عن تقديم الخدمات للبنانيين في الخارج و بأنها تقوم بمبادرات لكي تبقى العلاقة جيدة بين لبنان المقيم ولبنان المغترب وتذكر دوماً بأهمية لبنان وبالعودة إليه. وذلك من خلال الإحتفالات والنشاطات الوطنية التي تحيي العادات والتقاليد».

ويشير الى أن «هذه الاحتفالات تتم بالتعاون والتنسيق بين الكنائس والمؤسسات الدينية الاخرى التي تكمل عمل القنصلية والتي تساعد على لم شمل اللبنانيين أكثر من المراكز الرسمية لأن هذه المؤسسات الدينية تجمع المنتشرين كل أسبوع أو أسبوعين، علماً ان هناك أندية لبنانية في الاغتراب ليس لها ارتباط بلبنان ولكنها تحيي احتفالات ومهرجانات تحمل الطابع التراثي الفولكلوري اللبناني».

زيارة لبنان
عن زيارة لبنان يوضح ابراهيم بانه «يزوره اربع او خمس مرات في السنة ولكن الاولاد لا يزورنه الاّ مرة واحدة، وذلك بسبب المدارس علما انّا اللغة المتداولة في المنزل هي العربية»، ويلاحظ أن الشباب أصبحوا أكثر بعداً عن التعلق بالارض والهوية باستثناء البعض الذي يرغب في زيارة لبنان والتعرف على طرق الحياة فيه». يقول: «عندما عينت قنصلاً في كاليفورنيا بدأت أفتش عن الشباب اللبناني من خلال أندية الجامعات، وقدمت لهم المساعدة بصفتي ممثلا للبنان يوضح أن «الاقتصاد الاميركي لا يسمح بتأمين الوظائف لكل قادم الى هذه الولاية، بل بالعكس هناك منافسة شديدة في اليد العاملة ونسبة البطالة عالية وفي الوقت نفسه هناك غلاء معيشي خصوصاً بعد الازمة الاقتصادية التي مرّت بها الولايات المتحدة».

ويختم ابراهيم حديثه معدداً «الولايات التي تطالها مهمته وهي اريزونا، يوتا، كولورادو، هاواي، الاسكا، مونتانا، ايداهو، نيو ميكسيكو، نيفادا، واشنطن، يومينغ»، ويعتبر ان «كل ولاية بحاجة الى سفارة و ثلاثة قناصل و لكن عدد أعضاء السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية اللبنانية قليل ونسبة الشغور عالية».

المغترب بوب مايكل:
مشروعي زيارة لبنان مع العائلة
المغترب اللبناني بوب مايكل ولد في الولايات المتحدة و لم يزر لبنان إلاّ مرة واحدة، عمره ست وسبعون سنة، ويلتقي للمرة الاولى وسيلة إعلامية لبنانية.
في منزله الكائن في إحدى ضواحي فينيكس في ولاية أريزونا، تدل محتويات مكتبه على الوطن الذي يرجع اليه: العلم اللبناني، كتب التاريخ لكن باللغة الانكليزية، بعض التحف التي احضرها معه من لبنان، القبعة اللبنانية الطراز التي يعتمرها عندما يشارك في النشاطات و اللقاءات اللبنانية والصور التي التقطها خلال زيارته الوحيدة الى لبنان والتي حولها إلى روزنامة العام ١۹۸۹-١۹۹٠ وقدمها هدية لزبائنه. الملفت انه لا يزال يحتفظ بصورة عن السفينة «ايرفينا» التي أقلّت عائلته الى الولايات المتحدة مع لائحة الركاب و شهادة السجل باسم والده.

هجرة العائلة
يوضح مايكل أن «جده هاجر من لبنان في العام ١۹١٢ و قبل إندلاع الحرب العالمية الاولى، مصطحبا معه عمه وزوجته وأبي الذي كان عمره سبع سنوات وعمتي وكان عمرها سنتان». «لقد أخبرتني عمتي قبل وفاتها عن رحلتهم على متن السفينة و كيف تصادق أبي مع الطاهي الذي أمن لهم المزيد من الطعام، خصوصاً لعمتي التي كانت مريضة و بحاجة الى التغذية لتشفى».

ويتابع: «عندما وصل جدي في ٢٤ تشرين الثاني ١۹١٢ كان بإنتظاره كفيل يملك محلا وساعده مع بعض اللبنانيين في إيجاد مسكن وعمل لهم».

يضيف: «بعد ذلك انتقل جدي مع العائلة الى ولاية «Connecticut» حيث عمل وجاهد لفترة طويلة. هناك تعرف أبي على والدتي ليندا خوري اللذين اكتشفا أنهما من لبنان ومن بلدة واحدة هي صغبين. وكانت ثمرة الزواج ثلاثة صبيان وأنا صغيرهم».

يقول والدمع في عينيه :«في الثانية عشرة من عمري توفي والدي عن عمر سبعة وأربعين عاماً من دون أن يزور لبنان وهذا ما يؤلمني كثيراً وحبي لوالدي دفعني لزيارة لبنان والتعرف عليه وخاصة بلدة بسابا التي ولد وعاش فيها والدي أسعد ميخائيل قبل أن يهاجر مع أهله» .

ولد روبير مايكل أو «روبير ميخائيل» في مدينة Danbury في ولاية Connecticut العام ١۹٣۹ نشأ وترعرع في كنف عائلة مترابطة. أحبّ العلم وحصل على شهادة الحقوق. مارس المهنة وترشّح لعضويّة مجلس الشيوخ العام ١۹۷٠. لم ينجح ولكنّه حظي بشهرة إعلامية واسعة.

يقول: « زوجتي برتغالية الأصل، وعلى الرغم من تباعد البلدين لناحية اللغة والثقافة والتاريخ، إلا أن قاسماً مشتركاً كان يجمعنا وهو أهمية العائلة والإحترام والتربية على الأخلاق . رزقنا بإبنتين Melissa وMegan ، ربيناهما على عادات وتقاليد بلدينا. والدتي كانت تحضر لنا الأطباق اللبنانية: الكبة، التبولة، الفتوش، المجدرة، ورق العنب، وحتى اليوم ما زلنا نقصد المطاعم اللبنانية لتناول المأكولات المفضلة لدينا. لقد وعدت العائلة بزيارة لبنان، لكن الظروف العملية والأمنية لم تسمح بعد بذلك».

الزيارة الوحيدة
انتقل مع العائلة إلى ولاية أريزونا العام ١۹۸۹، ترك مهنة المحاماة، وزاول مهنة ببيع العقارات.
يقول: «زرت لبنان، مرّة واحدة فقط وكان ذلك في العام ١۹۸۹ ولكني قضيت حياتي أخبر عنه. كانت الزيارة، برفقة بعض الأقارب، رأينا هناك «الحلوة والبشعة» وسمعنا الأخبار المفرحة والمحزنة. زرت بلدتي بسابا وتعرفت على أحد أقربائي وتأُثرت كثيراً. كما زرت جميع المحافظات اللبنانية، بإستثناء الجنوب بسبب الظروف الأمنية، وزرت جونيه وبيبلوس وأحببت زحله والبردوني وسحرتني جبال لبنان وخاصة الأرز-بشري، كما زرت بلدة والدي صغبين».

يتابع: «بعد العودة، نظمّت أبياتاً شعرية تحكي قصة حياة والدي الذي انسلخ عن وطنه وعاش في بلد لا يشبهه، والذي لم يكمل دراسته بسبب الهجرة. كما تضمنت القصيدة قصة زيارته إلى لبنان وشعوره عندما وطأت قدماه أرضه وكأن روح والده عادت إليه».

ويختم: «مشروعي الآن هو زيارة لبنان مع زوجتي وإبنتي لرؤية أقربائي مرّة ثانية، ولكن ومع أنني أحبّ لبنان وأقيم علاقات جيدة مع الجالية اللبنانية في ولاية أريزونا، فأنا أشكر الله لأن جدي هاجر إلى هذه البلاد».