مبدئيا، التصوير الفوتوغرافي هو عملية تسمح بظهور صور من خلال الضوء الطبيعي أو الاصطناعي عبر آلة تسمى “كاميرا”.

هذه العملية تتم من خلال تسجيل الضوء – بوساطة مواد كيميائية او مادة حسّاسة للضوء- لأجسام معينة مختلفة تقع أمام عدسة الكاميرا. وبعد أن تعالج هذه المادة في مختبر متخصص لها ينتج عنها صورة تمثل الواقع او المنظر الماثل أمام الكاميرا.

إنّ كلمة “فوتوغرافي” مشتقّة من اليونانية، وتعني الرسم بالضوء. ويعتبر التصوير الفوتوغرافي فنا قائما بذاته كأي فنّ آخر، مثل الرسم والنحت والتصوير السينمائي، لكنه يعد الأقرب الى الرسم. وقد صنّف في عالمنا بـ “الفنّ الثامن” بعد السينما. هذا الفنّ المتأخر زمنيا تطور بشكل بطيء خلال القرن التاسع عشر حين احتلت الصورة الفوتوغرافية مراتب عالية وهامة ً في مجالات عديدة كتصوير الصحافة والطبيعة والاشخاص والحياة في المدن وفي البريّة وفي الحياة الصامتة وتصوير الرياضة والاعراس والحروب وغيرها.

ولقد فتح التصوير الفوتوغرافي آفاقاً كثيرة للمصور، حيث اتاح له الفرصة ليبرز فنّه من خلال صورته ومن خلال نقله للحقيقة. ولكنّ هذا الفن ما لبث ان أصبح عرضة للتشويه.

ومع بدء نهاية القرن التاسع عشر نشأت صلة بين التصوير الفوتوغرافي وبين الرسم، ما ساعد الرسّامين لاعتباره مرجعا ايكونوغرافيا وانعكاسا للحقيقة. واعتبروه أيضا وسيلة لدراسة بدائية لوجه الانسان وللطبيعة. واعتمدوه كآداة للرسم، وذلك لتفادي عدم خروج لوحتهم من مرسمها واعادة انتاج المشهد. فالنماذج التي طرحت للرسامين لمدة طويلة أصبحت نموذجاً للمصورين لوقت أقل.

في ذلك العصر كان عدد المصورين والنحاتين ضئيلا. فكان أن استعمل الرسّامون التصوير الفوتوغرافي لحلحلة بعض الصعوبات التي كانوا يواجهونها خصوصا في رسم المسطحات وفي المنظور. إنّ الرسام بعكس المصور، يعتمد على نظره ليرسم لوحته، بينما المصور يعتمد على يده ليلتقط صورته.

لكن هذه العلاقة بين الصورة الفوتوغرافية والرسم لم تدم كثيراً. ففي عام 1839 وعند ظهور صور الألواح الفضية (Daguerréotype) أعلن الرسام بول ديلا روش (Paul De La Roche): “ابتداءً من اليوم، اللوحة هي ميتة”. إنّ الصور الفوتوغرافية وخصوصا البورتريه  (Portrait)كانت تحظى بالتقدير من قبل البرجوازية، وكان تعبيرها أكثر واقعية وأسرع وأرخص من الرسم.

 

تاريخ التصوير الفوتوغرافي:

 

ظهر اكتشاف التصوير الفوتوغرافي نتيجة لاكتشافات فنية مختلفة قديمة الجذور، تعود الى اكتشاف مبادئ الكاميرا المظلمة. والكاميرا المظلمة هي كناية عن غرفة أو علبة مغلقة كبيرة تحتوي على ثقب واحد في جنب واحد يسمح للضوء بالعبور من خارج الغرفة أو العلبة الى داخلها ليصطدم داخل الغرفة او العلبة بورقة بيضاء حيث تظهر ملامح صورة غير واضحة ودقيقة للمنظر الخارجي لكنها مقلوبة على السطح.

 

ففي وقت مبكر من عام 1819 قام جون هرشيل ) (John Herschel باكتشاف ونشر تجاربه مع الفضّة والأملاح. حيث كانت الفضّة تميل الى اللون الاسود لدى تعرضها لضوء الشمس المباشر. كذلك ايضاً قام البريطاني توماس ويد جدوود (Thomas_Wedgwood) في عام 1800 بمحاولات عديدة لالتقاط صور عن طريق استعمال نيترات الفضة الحساسة لضوء الشمس، حيث قام بدهن هذه المادة على ورقة بيضاء وعرضها لضوء الشمس وتمكن من التقاط ظلال الاشياء الموجودة امام الورقة، لكنها لم تكن واضحة المعالم والشكل.

 

ومع مرور السنين قام العالم الفيزيائي الفرنسي نيسيفور نيبس (Nicéphore Niépce) بتجارب عديدة وطويلة لإصلاح الصور، أي “تثبيتها”. وتمكّن في أيار 1816من اجراء تعديل في حجم الكاميرا المظلمة التي كانت بحجم غرفة الى حجم علبة خشب محمولة حيث وضع بداخلها ورقة مغلفة مع كلوريد الفضّة. استطاع من خلال هذه التجربة الحصول على واحد سلبي (Négatif) وقد التقط من نافذة منزله لكّن للاسف لم يستطيع تثبيته اي اصلاحه حيث بات أسود تماماً لدى تعرضه للضوء.

 

استطاع نيسيفور نيبس عام 1827 وبعد عدة تجارب، الحصول على أول صورة فوتوغرافية مأخوذة من غرفة منزله الكائن على السطح في سانت لوب دي فارين (Saint-Loup-de-Varennes) في فرنسا وذلك على لوحة من الصفيح المطلي مع القار يهودا. ما زالت هذه الصورة مع أخرى محفوظة في متحف نيبس في (Chalon-sur-Saône).

أهمية هذا الاختراع أننا ندين له كأول غرفة مظلمة للتصوير وأول غرفة إنزلاق وأول غشاء القزحية (Diaphragme) الذي أعيد اختراعه وتحسينه بعد خمسين سنة، كما ندين له أيضاً بأختراع أول غرفة مع بكرة للفّ الورق الحساس.

 

من بعد هذا الاختراع الأسود والابيض، تطوّر التصوير الفوتوغرافي بشكل سريع حيث إنتقل الى التصوير الفوتوغرافي الملّون ما بين عام 1869 و1907، الى أن وصل عام 1950 الى ذروته في بداية صناعة الأفلام حجم 135 ملم.

 

في عام 1975 أطلقت مختبرات شركة كوداك العالمية أول كاميرا تصوير فوتوغرافي رقمية فكان أن أدّى هذا الاختراع الى تطور سريع للتصوير الرقمي لدى الشركات المنافسة مثل Nikon  وCanon وغيرهما.

 

أسس فن التصوير:

إن الصورة الفوتوغرافية تساوي ألف كلمة، وهي تعتبر الاهم في المجال الاعلامي كونها تأتي بحقيقة الواقع، فتعتبر من ثم الأقوى والأوسع انتشاراً خصوصاً مع تطوّر التكنولوجيا، حيث باتت تصل الى كل البشر في كل مكان على الأرض دونما حاجة تفسير أو تعليم أكاديمي لفهمها.

 

وإن التصوير الصحفي يعتبر الأهم في مجالات التصوير. فهو يعتمد على سرعة المصور وعلى إقتناص الفرص بالدرجة الاولى وعلى إمكانيته السريعة باستعمال الكاميرا ومعرفة أخذ اللقطات المهمة والمميزة للحدث.  كما من المهم أن تكون هذه الصور واقعية واضحة ، ومفهومة للمشاهد .

 

كما إنّ الصورة تتمتع بمواصفات فنيّة وتعبيرية وجمالية، وذلك بايصال الفكرة أو الدلالة التي تشير اليها الصورة بالمضمون الظاهر والمستتر. وهذه وظيفة المصوّر الذي يحمل فيها رسالة للمشاهد. وللصورة الفوتوغرافية عناصرعدّة كي تعتبر صورة ناجحة ومبدعة. فلكي تكون الصورة فنيّة يجب أن تتميّز بالفكرة أو الرسالة المرسلة من خلالها الى المشاهد، حيث يجب أن تكون الفكرة واضحة المعالم وتتضمن حجما لا بأس به في كادر الصورة. وهذه الفكرة تنجح وتبرز أكثر من ناحية زاوية إلتقاطها. يضاف اليها أيضاً الاضاءة التي هي من أهم العناصر للصورة لاحيائها، فحيث ” لا يوجد ضوء لا توجد صورة” والأهم في الصورة هو تقسيم كادرها الى قاعدة الأثلاث،  أي تقسيمها الى ثلاثة سطور متساوية آفقيا وعاموديا بحيث يتموضع الموضوع الرئيسي على هذه الخطوط، وتشكل توازناً وراحة للمشاهد.

صحيحة أم مزيّفة؟

لكن السؤال اللذي يطرح دائماً لدى رؤية الصور الفوتوغرافية المنشورة: هل هي صحيحة؟ هل هي حاملة اثبات للواقع ام هي مزيّفة؟

هل ما زالت تشكل دليلاً او شهادة على حدث معين وبخاصة في ظل التطور التكنولوجي اللذي طرأ على التصوير؟

اسئلة هائلة ومصيرية تستطيع الأجوبة عليها الاطاحة بالحقيقة وتعديل مفهومها، ومن المؤسف القول أن التلاعب بالصور بدأ مع عصر النيكاتيف قبل عصر الرقمي.

فقد شهد عصر ستالين في أوائل القرن التاسع عشر تغيرات كبيرة وتاريخية في التصوير الفوتوغرافي الابيض والأسود. حيث كان هذا الحاكم الحديدي تماما كما يوحي اسمه، ستالين، المشتق من الحديد بالروسية، يعاقب أي شخص يعارض نظامه بالموت، كما كان أيضاً يمحوه من الصور الفوتوغرفية كي لا يدخل إسمه وشكله في كتب التاريخ. وفي ذلك الوقت وحتى آخر 1980 كانت المواد المستعملة هي المونتاج والغواش والحبر الصيني وغيرها لتحرير وإزالة الشوائب والأشخاص غير المرحّب بهم في الصورة .

 

كيف أمر ستالين باختفاء تروتسكي؟               

هذه الصورة التقطت في ساحة سفيردلوف في موسكو، مقابل مسرح البولشوي، من قبل مصور مجهول. الصورة تبين وحدات  من الجيش الأحمر تجمعوا في 5 مايو 1920. وفي وسط الساحة عن منصة خشبية يقف عليها فلاديمير إيليتش لينين، تحت حراسة تروتسكي وكامينيف.

الثانية متطابقة تقريبا مع الصورة الأولى، التي تم اتخاذها من قبل مصور محترف، GP غولدشتاين،حيث سيتم استبدال تروتسكي وكامينيف بخمس خطوات خشبية، وهذه هي الحيلة في تركيب الصور.

أيضاًعندما كان لينين يلقي خطاباً في الساحة عام 1919 ولم يكن هناك عدد كافٍ من الناس الذين يستمعون اليه، فأمر بزيادة الجمهور في الصورة عبر المونتاج قبل نشرها.

اعتقل نيكولاي يجوف عام 1939 وحكم عليه بالإعدام في عام 1940. بعد إدانته، كان عليه أن يختفي من الوثائق الرسمية.

 

فقد نشرت صحيفة لومومند (Le monde) بتاريخ 20/7/2009 خبرا تؤكد فيه عدم صعود الانسان على سطح القمر وأن الصور التي نشرتها ناسا (Nasa) وكالة الفضاء الاميركية هي غير صحيحة ومفبركة في الاستديو، والهدف الاول لنشر هذه الصور هي لربح سباق الرحلة الى سطح القمر قبل الاتحاد السوفياتي. أيضا كتبت لوفيجارو (Le Figaro) بتاريخ 2 ايار 2011 أنه تم بث صورة صادرة عن التلفزيون الباكستاني تظهرمن خلالها جثة أسامة بن لادن من جراء عملية عسكرية أميركية في باكستان. ما لبث بعد نشرها، أن أعلن  رئيس تحرير خدمة الصورة في ال أف ب (AFP) السيد مالدن أونتونوف (Mladen Antonov) أنه يوجد تلاعب في الصورة من ناحية اللحية التي تبدو غير واضحة.

 

كانت أغلبية الصور المنشورة تعتبر أهم من الخبر، حيث كانت تروي المشاهد بأدق التفاصيل، لكن تبدلت الاهمية بين الامس واليوم. ومع تطور التصوير الفوتوغرافي الرقمي وبوجود الفوتوشوب (Photoshop) أصبح من الممكن اذا أردنا تغيير معالم الصورة بطريقة محترفة، فنية وجمالية. أيضا بات الآن أصعب من قبل معرفة واكتشاف التلاعب في الصور. وهذا ما يحصل في لبنان والبلاد المجاورة حيث بات المصور يستعين بالفوتوشوب لتجميل صور البورتريه والاعراس وفي بعض الاحيان نرى الزبون يطلب من المصور تنظيف وتحسين الالوان ومحو تجاعيد الوجه في الصورة، وصار من النادر أن يرضى أحد بشكله الطبيعي ان لم نقل أنه يرفض الصورة التي وهبها له الخالق.

أما على صعيد لبنان فقد شهدنا عدة صور مفبركة خلال السنوات العشر الماضية نذكر أهم حالتين منها: – الحالة الاولى:

نشرت لو موند (Le monde) بتاريخ 7 آب 2008 صورة موصوفة مركبة والتي ورطت وسائل الاعلام بمقالات توضح فيها وجهة نظر خاطئة عن الواقع على الأرض والتي تعود الى الزميل عدنان الحاج وهو صحفي مستقل يعمل مع وكالة رويترز. فقد قام الزميل عدنان بتغيير مظهر من الدخان الناتج خلال حرب لبنان الثانية عام 2006 حيث أظهرت الصورة المتلاعب بها أضرارا أكبر على مدينة بيروت، مما دفع وكالة رويترز الى سحب الصورة المركبة المنشورة من موقعها الالكتروني.

 

أيضا وفي سابقة أسوأ من الاولى ربّما، فقد نشر موقع “إيلاف” الإلكتروني مقالا بتاريخ 17 شباط 2014 تحت عنوان: “حكومة “الفوتوشوب” تحذف من الاعلام” حيث أُضيف رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى الصورة التذكارية للحكومة اللبنانية الجديدة التي تم تشكيلها (السبت في 15 شباط 2014) بعدما غادر قبل اكتمال النصاب.

“حكومة “الفوتوشوب”

وفي المحصلة، وُزعت الصورة المركبة على وسائل الإعلام، وتركت لها حرية نشرها من عدمه. حسمت وكالة “أسوشياتيد برس” خيارها بحذف الصورة من أرشيفها. وقالت مديرة قسم التصوير سانتياغو ليون إن “إضافة عناصر إلى صورة هو أمر غير مقبول، ويعد ذلك انتهاكاً لمعايير الوكالة”.

رونلد ناصيف