ملف ادخال الأساتذة المتعاقدين بالساعة الى التفرغ أشعل حرباً، لم تُحسم نتائجها بعد. وسيتمّ ترحيله الى مطلع العام المقبل نظراً للمشادات بين تطبيق المعايير الأكاديمية واقتسام الحصص طائفياً، والجامعة تنمو على قاعدة أزمة.  وكانت تفاقمت الأزمة لو تمّ التصويت عليه تمهيداً لرفعه الى وزارة التربية للبت فيه ورفعه الى مجلس الوزراء، لو لم تسجل “جمعية أصدقاء الجامعة اللبنانية”(أوليب) وممثلي الأحزاب المسيحية معارضتها الشديدة الموحدّة على “مكونات” الملف التي تُسهم في اخلال التوازن الوطني وغياب المعايير العلمية التي لا تخدم التطلعات المستقبلية لجامعة لبنانية رسمية هي الوحيدة التي تؤمن التعليم العالي لأكثر من سبعين ألف طالب على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم. فتمثلت المعارضة بعدم التصويت عليه. هذا وقام رئيس الجامعة الدكتور فؤاد أيوب يرافقه أعضاء مجلس الجامعة بجولة على المرجعيات المسيحية مؤكداً أن تبقى الجامعة اللبنانية صورة عن لبنان المتنوع.

وفي التفاصيل أن جدلاً دام أربع ساعات في اجتماع مجلس الجامعة ، وقف 14 عضواً محسوبون على التيار الوطني الحر وتيار المستقبل وحزبي القوات اللبنانية  والكتائب ضد الملف، فيما دافع 10 أعضاء محسوبون على حزب الله وحركة أمل عنه، وامتنع 3 عن التصويت.

لائحة الأساتذة التي يضمها الملف وصلت الى ما يقارب الـ  700 أستاذ، وكانت النية بانقسامه الى ملفين: الملف الأول يضم 583 بعد إضافة 13 اسماً جديداً سقطوا سهوا أثناء دراسة الملفات  منذ العام 2014 وهم من أصحاب الحقوق المستوفي الشروط للتفرغ، وطرح أنصار هذا الملف أن يجري تمرير “الملف النظيف”، كما سموه لكون هؤلاء مستحقين ولا يجوز تأخير تفرغهم، على أن يُعد ملف ثانٍ في مرحلة لاحقة يراعي “التوازن الوطني”، وهذا تبين أنه اختُلق تحت عنوان ” حاجة الكليات الى اختصاصات جديدة”، لترضية  السياسيين بتمرير أسماء محسوبة عليهم، إلاّ أن هذا الاقتراح سقط في الجلسة.

وكان مجلس الجامعة يريد رفع هذه اللائحة بعد إقرارها الى وزارة التربية ومن ثم الى مجلس الوزراء،انما ارتفاع العدد وتقسيم الملف الى ملفين الى جانب الخلل الطائفي ، خلق بلبلة في الأوساط الأكاديمية وجعل اقراره مستحيلاً  . لكن الخلل لا يقتصر على هذا الجانب، فهناك ثغرات أكاديمية وتدخلات سياسية باضافة أسماء واستبعاد أخرى، فيما دخلت أيضاً أسماء جرى التعاقد معها أخيراً وقد لا تستوفي الشروط القانونية.

مخالفات في المضمون والشكل

هذا الملف يخّلُ بالتوازن الطائفي الذي تتسمّ به الجامعة اللبنانية كمؤسسة رسمية على غرار مؤسسات الدولة القائمة على هذا التوازن منذ انشائها، وكانت ستؤدي نتائجه إلى أن يكون هناك 52 في المئة من المتفرغين من طائفة معينة و48 في المئة من كل الطوائف اللبنانية الأخرى، هذا ما يتناقض مع دور الجامعة اللبنانية المفترض أن تكون لكل اللبنانيين بكل فروعها وأساتذتها وطلابها. ويَخِل أيضاً بالأسس والمعايير التي تُعتمد في إدخال أساتذة متفرغين جدد إلى ملاك الجامعة اللبنانية.

هذا عكس الخلل في التوزع الطائفي، إذ تضمن الملف ما نسبته 25 في المئة من المسيحيين بطوائفهم، و23 في المئة من السنة والدروز والعلويين، و52 في المئة من الشيعة.

وتقول مصادر أكاديمية مطلعة أن المشكلة  لم تقف عند مضمون الملف فحسب انما أيضاً في الشكل ، إذ تكتمت رئاسة الجامعة عن الأسماء ولم تسمح لأعضاء مجلس الجامعة بالاطلاع عليها قبل الجلسة. وعندما طلب بعض العمداء الإطلاع على الأسماء والمعايير التي تم على أساسها اختيارهم، رفض رئيس الجامعة بحجة احتمال تسريبه ودعا كل عضو في المجلس إلى أن يراجعه شخصياً في مكتبه لشرح تفاصيله، ما ترك علامات استفهام حول بنية التفرغ كله.

وعلمت مجلة “أورا” أن الذين صوتوا ضد إقرار ملف التفرّغ في مجلس الجامعة هم: تيريز الهاشم ، يحيى الربيع ، خليل الجمال،  ندى غانم ، بلال حشيمي ،ايلي الحاج موسى، بيار يارد، فواز العمر، طوني عطاالله،  جورج صدقة، سمير مدور، محمود عباس، محمد الحجار، احمد رباح، كميل حبيب ، رجا السمراني وادمون شبلي.
هذا الملف أيقظ مشاكل عديدة  تعاني منها الجامعة والمتراكمة منذ سنوات مثل مشكلة المدربين في الجامعة والتعاقد والتشعيب الوهمي… وغيرها . وهناك تمييز لصالح أساتذة الجامعة اللبنانية المحسوبين على جهة سياسية معينة والذين يمنحون دائماً ساعات إضافية، في حين ان طلبات الأساتذة المسيحيين المماثلة ترفض دائماً.وما هو حاصل على مستوى توزيع الأساتذة على الفروع، فالأستاذ المسيحي يفرض دائماً أن يكون في الفروع الثانية حتى ولو كان مقرّ سكنه في عكار، وكأن الفروع باتت طائفية وهذا ما يشكّل أكبر تدمير للجامعة اللبنانية. كما صدر في العام 2014 قرار حدّد الملاكات انطلاقًا من حاجات الجامعة للأساتذة وفقًا للبرامج الجديدة، انما لماذا يتمَ رفض العودة الى هذه الملاكات، مع العلم أن الدراسة التي أجريت حولها كلّفت مبلغاً طائلاً.

الحاج موسى : نُصّر على التفرغ بمعايير أكاديمية

أكد رئيس مصلحة الأساتذة الجامعيين في حزب القوات اللبنانية وهو ممثل أساتذة كلية العلوم في مجلس الجامعة اللبنانية الدكتور ايلي الحاج موسى “أن المعايير التي وضعت للتفرغ تناسب فئة معينة وهي التي أوصلت الجامعة الى ما هي عليه. كما أن الآلية لا تتوافق مع حاجة وتطلعات الجامعة الوطنية، وهذه الآلية يجب أن تنطلق بالتسلسل من مجلس الوحدة وصولاً الى مجلس الجامعة “. ويرفض كغيره من زملائه “تنفيذ المعايير الجديدة لأنه يُراد تطبيقها من دون أي مسوغ قانوني”. ويرى الدكتور موسى “أن المطلوب هو تحديد ملاكات الجامعة وبناءً على الحاجة والتطلعات المستقبلية يتمّ تكوين ملف تفرغ أساتذة واعتماداً على معايير علمية ومحددة لتقييم الأساتذة كالتي كانت سائدة تاريخياً وذلك للاستفادة من الأشخاص الذين تكون الجامعة بحاجة اليهم، لا سيما الأشخاص الذين تعلموا على نفقة الجامعة بمنح التفوق، ونالوا شهاداتهم من الخارج وعادوا للتعليم فيها انما بموجب هذه المعايير يضطرون الى التعليم في الجامعات الخاصة لتأمين مصدر رزقهم، ما تخسرهم الجامعة وتخسر طاقاتهم. هؤلاء مستعدون اليوم ترك هذه الجامعات والتعليم في الجامعة اللبنانية، انما بالمعايير الجديدة تُستبعد هذه النوعية”.

وقال الدكتور موسى”نحن مع ملف تفرغ أساتذة جدد ونصر على ذلك لان الجامعة تحتاج الى نفس جديد انما ليس بالطريقة التي تُعتمد”.

هذا الملف توالت حوله ردود الفعل الشاجبة ومنها:

مصلحة القوات اللبنانية: مراعاة المعايير العلمية

وأصدرت مصلحة الأساتذة الجامعيين في حزب القوات اللبنانية بياناً أوضحت فيه ما يلي:

– إنّ التفرّغ هو حاجة للجامعة ولأساتذتها المتعاقدين. فتفرغ الاستاذ الجامعي هو مصدر أمنه المعيشي والإجتماعي كما أن التفرغ يؤمن إستقرارًا ماليًا لموازنة الجامعة وكل ذلك يصب في مصلحة التعليم العالي ومصلحة الجامعة الوطنية. إلا أن قناعتنا التامة بضرورة تفرّغ الأستاذ لكليته لم تكن كافية للمضي بملف التفرغ المطروح بصيغته وشكله الحاليين.

– إن تبرير الخلل الكبير في التوازن الوطني لملف التفرغ بما يشاع له من “خلل ديمغرافي” ليس إلا ذرًا للرماد في العيون. كما أن الكلام الرديء والمسيء والتحريضي الذي يحاول إظهار الكفاءة محصورة بفئة طائفية معينة هو كلام تضليلي خاطئ ومرفوض. كما إنّ السبب الحقيقي في فقدان ملف التفرغ لمعايير التنوع والشراكة والتوازن يعود لصعوبة أو إستحالة تعاقد الأساتذة من فئات معينة في غالبية فروع الجامعة اللبنانية في الجنوب والبقاع والشمال.

– إن المعيار الأساسي المعتمد من قبل مجلس الجامعة (السابق)، المبني على عدد الساعات المنفذة في السنوات السابقة، لا يصلح ان يكون المعيار الوحيد لإختيار المرشحين للتفرغ، خاصة وأن تفرغ الأستاذ في الجامعة مشروط بإحتياجاتها المستقبلية والتطلعات الوطنية للجامعة. مع الإشارة هنا الى أنه لم نشهد في تاريخ الجامعة على ملف للتفرّغ مقسّم الى عدّة أجزاء بمعايير مختلفة.

– إن المضي بملف تفرغ واحد يراعي المعايير الوطنية والأكاديمية ويعرض بكافة تفاصيله على كامل أعضاء مجلس الجامعة لمناقشته والموافقة عليه هو السبيل الأنجع لإنجاز عملية التفرغ في مجلس الجامعة ولاحقاً في مجلس الوزراء.

– مواصلة عملنا بلا كلل مع جميع الشركاء والمعنيين لإنجاز ملف تفرغ ينصف الجامعة والأساتذة الذين طال إنتظارهم وطالت معاناتهم.

الجمّيل: لمعايير تحترم حاجة الجامعة

ويتوافق ممثل جبهة الحرية المحامي بيار الجميل مع ممثلي الأحزاب والمرجعيات التربوية على “وضع معايير تحترم حاجة الجامعة العلمية وبالتالي مراعاة التوازن الطائفي الذي يحافظ بدوره على التوازن الوطني، وهذه ميزة لبنان منذالعصور الغابرة” .

تيار المستقبل: ملابسات ملف التفرغ

وأصدر قطاع التربية والتعليم في تيار المستقبل بياناً  أوضح فيه الملابسات التي ترافق طرح ملف التفرغ فأكد على حق الأستاذ الجامعي في التفرغ وعلى ضرورة رفد الجامعة بطاقات وكوادر علمية جديدة. لكنه رأى أن الملف المطروح أمام مجلس الجامعة يتضمن عدة شوائب أهمها : عدم مراعاة ملاكات الجامعة عند إعداد الملف ودراسته، عدم الإلتزام بتطبيق المرسوم 9084 الذي يحدد أصول وشروط التعاقد، أدى إلى خلل لم تشهده الجامعة ،عدم مراعاة التوازن الوطني، عدم عرض الملف بتفاصيله على أعضاء مجلس الجامعة لدراسته ومناقشته وفقا لقوانين الجامعة وأنظمتها وخاصة القانون 67/75.

“رابطة المتفرغين”: التفرغ حق انما وفق القانون

كما أصدرت رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية بياناً أشارت فيه الى أن التفرغ هو حق للأساتذة، حيث يؤمن لهم الاستقرار المادي والمعنوي والاجتماعي، كما أنه حاجة للجامعة إذ يؤمن الأساتذة الضروريين لملء الشواغر الحاصلة، في مختلف فروع الجامعة ووحداتها. وأضاف البيان :” لكن إقرار هذا الملف يجب أن يتم وفقاً للمعايير والشروط الأكاديمية والقانونية المنصوص عنها في الأنظمة والقوانين المرعية الإجراء في مختلف كليات الجامعة وفروعها، وتعتبر الرابطة أن التأخير في إقرار هذا الملف يجب أن لا يلغي حقوق الأساتذة المعنيين به وتحديداً الأساتذة الذين تمَّ استثناؤهم من ملف التفرغ الصادر في العام 2014″.

“أصدقاء الجامعة” تضع الاصبع على الجرح

كما وضعت جمعية “أصدقاء الجامعة اللبنانية” اصبعها على الجرح عبرالحقائق الآتية:

– ان غياب التوازن في الملف انما سببه العقود الاعتباطية في بعض كليات الجامعة، هذا ما يعرفه اهل الجامعة جيدا. ان مثل هذه العقود الاعتباطية هي التي اوجدت انعدام التوازن في الملف ولا يمكن تغطيته بطريقة تقييم الملفات كما ورد في بيان الرئاسة.

– خلال جلسة مجلس الجامعة الاخيرة طرح بعض الاعضاء ان يتم درس ملف التفرغ انطلاقا من حاجات الجامعة الحقيقية لأساتذة وهي تتحدد فقط من خلال الملاكات التي تم  وضعها  عام 2015، وليس من خلال عقود اعتباطية في بعض الكليات خلال السنتين الماضيتين. لكن رئيس الجامعة رفض مبدأ العودة الى هذه الملاكات. وهذا يؤكد الابتعاد عن المعالجة الاكاديمية للملف كما يزعم بيان رئاسة الجامعة.

– ان ادعاء رئاسة الجامعة الارتقاء عن الممارسة الطائفية والمذهبية انما هو من باب تغطية مخالفات مذهبية. فهل انحصرت الكفاءات العلمية في طائفة واحدة  واحتجبت عن سائر الطوائف اللبنانية الأخرى لتشكّل وحدها 52% من ملف التفرّغ؟ فالحقيقة ان “الابداع” انما يتم في ادعاء حاجات وهمية ترفع بعض عقود الاساتذة على اساسها. وهذه هي ايضا حال المتعاقدين من المدربين في الجامعة، وهذا ملف آخر يؤكد مذهبية ادارة الجامعة.

– في إحدى الكليات هناك عقود سابقة لـ37 أستاذ من مذهب واحد في اختصاص كيمياء فيما الحاجة لا تتجاوز عدد أصابع اليد.

– يذكر اهل الجامعة جيدا كيف ان احدى الكليات اعلنت عن فائض لديها بعد تفريغ اساتذة عام 2014، وعادت بعد اسابيع واعلنت عن حاجتها الى اكثر من مئة استاذ. وقد طرح الملف حينها في مجلس الجامعة وتم الاعتراض عليه من دون نتيجة.

– ان رفض قبول التعاقد في فروع المناطق للعديد من الأساتذة المسيحيين لا يسمح بالوصول إلى ملفات تفرغ متوازنة إذ إنّ الخلل هو في الأساس وليس في دراسة الملفات في الإدارة المركزية.

بكلمة، الجامعة تئن تحت وطأة السياسيين والمحاصصة الطائفية وغيرها. وهي جامعة تعتبر الملجأ الوحيد للبنانيين الذين يعتبرون من متوسطي الحال الاقتصادية وما دون، لذلك غيارة على استمرارية هذه الجامعة ورأفة بهذه الفئات التي لا قدرة لديها للتوجه الى الجامعات الخاصة أن تُرفع أيدي السياسيين عنها لأنها تكتنف أدمغة ومفكرين قادرين على تسيير أمورها وتقديم الأفضل لها.

منى طوق