لبنانه “قطعة سما”، وسماؤه مصدر النعم، وبالصلاة تدوم نعم هذا الوطن عليه…

دبلوماسي في السياسة وفي التعاطي مع الاخر، صاحب ابتسامة بعيدة عن التزييف، وعينان تحملان صفاء وسلاما، ووجه مشرق وكأن روح الطفولة ما زالت تضج فيه.

 بلغته الشمالية المعهودة تحدث إلينا، هو الذي لم ولن ينسى بلده لبنان حتى بعد انتقاله الى المقلب الثاني من هذا العالم.

انه السيناتور الاميركي اللبناني الأصل سام الزاخم. 

في بلدة ددّه الكورة ولد في ٢٥ تشرين الثاني ١٩٣٥، وفي مدينة طرابلس ترعرع، والى الولايات المتحدة الاميركية سافر لإكمال علومه، فأكمل حياته هناك وتجنّس وتزوج وعمل وحقق نجاحات، ووصل الى مناصب عليا في الدولة الاميركية. 

 

الهجرة المبكرة

 

“سافرت سنة ١٩٧٧ وقلبي لم يترك لبنان . لم أكن اول من اختار الغربة، ولكن اختي الكبرى هاجرت وانا في عمر السبع سنوات، كذلك اخي البكر اختار ان يتخصص في الخارج”.

 

أسرة مجلة “اورا” التقته خلال التغطية الاعلامية لإطلاق مؤتمر التسامح والسلام في جمهورية مالطا، بدعوة من المجلس الأعلى للتسامح والسلام . السفير زاخم من مؤسسي المجلس ومن داعمي العمل على نشر هذه الثقافة في العالم كله.

 

بكل تواضع ورحابة صبر، تحدث معنا شاكرا اهتمامنا بمواضيع أساسية لبناء المجتمع، وتناولنا  موضوع الانتشار الذي هو امتداد للبنان الغالي على قلبه.

 

“انا من جيل حاجي تعاتبني يئست من العتاب”، ” يا مرسال المراسيل “، ” راجعة وحياة عينن راجعة ” و”عاللوما اللوما اللوما” . انا من جيل الراحل الكبير وديع الصافي ” يَا مهاجرين رجعوا غالي الوطن غالي…”

 

تحصيله العلمي وتبوّؤه مراكز عالية

 

سافر الى الولايات المتحدة  للدراسة، حصل على دكتوراه بالعلوم  السياسية من جامعة كولورادو ودراسات عليا في الاقتصاد وإدارة الاعمال. بعد تخرجه علّم في جامعات عدّة وشغل مناصب في الدولة الاميركية ، كمستشار دبلوماسي وسيناتور، قبل ان يطلب منه الرئيس الأميركي رونالد ريغن ان يعينه سفيرا للبنان:

“لدى انتخابه  رئيسا سنة  ١٩٨١ طلب مني الرئيس ريغن ان أكون سفيرا للبنان، أجبته، من كل قلبي احب ان أخدم بلدي ولكنني لا اعلم كم سأكون مخلصا للولايات المتحدة لانني أحب لبنان كثيراً جداً . عندها عيّنني  مستشارا للبيت الأبيض وبقيت في هذا المنصب الى ان عينت سفيرا في البحرين سنة ١٩٨٦”

 

يعتبر نفسه محظوظا بتعيينه سفيرا في البحرين في تلك الآونة، لأن العلاقات معها كانت من الافضل بين سنة 1990 و 1998 . فبسبب الحرب الإيرانية العراقية وبعدها حرب البواخر ناقلات البترول – كانت ايران تضرب خزانات النفط قبل الوصول الى بندر  عباس – صوّت الكونغرس لوضع العلم الاميركي على البواخر الكويتية والسعودية والدول العربية في الخليج التي تنقل البترول للعالم:” ٢٤ باخرة حربية كانت تحت سلطتي التي استمديتها مباشرة من رئاسة الجمهورية”.

 

ويعتبر نفسه محظوظا أيضا لانه اول سفير أميركي مولود في بلد عربي، ولأنه ينتمي الى وطن الارز والرسالة والتعايش والحريّة: “نحن الأحفاد الذين أعطوا العالم الحضارة، جدودنا الفينيقيون اكتشفوا العالم. لسوء الحظ هذه الْعِزَّة والكرامة لا تعرفها الأجيال الجديدة ‘حرام ‘ يجب ان تُعلَّم في المدارس والكنائس والجوامع لان لبنان رسالة الى العالم،  لبنان beautiful is “.

 

لبنان بلد الارز  والتعايش

عن ميزة التعايش التي يتميّز بها لبنان، يخبرنا عن حادثة اثرت فيه: “نصف ابناء بلدتي ددّه مسيحيون والنصف الاخر مسلمون. تعرض يوما المسلمون الى هجوم، فوقف والدي على مدخل البلدة وطلب من المعتدين ان يقتلوه قبل ان  يصلوا الى بيوت المسلمين… تربّيت  على ان لا دين يفرّق بين اخوة في الوطن الواحد، ولبنان له جناحان المسيحي والمسلم.” وفي هذا الإطار يضيف: “انا لا انتمي الى اي جهة سياسية انا لبناني وللبنان فقط.”.

 

حمل معه من بلد الارز توصيات الأهل، ورضا الله ورضا الوالدين . كما لم ينس العادات والتقاليد وحب الوطن الذي تشربه من والده ومن صديق والده الشيخ بيار الجميل المؤسس. وما زال يتذكر الى يومه هذا أغنية وطنية حفظها من والده وتقول:

هيّا بني احفادنا الأسود

ابناء لبنان الى الصعود

فالارز فينا ناشر البنود…

حبه لاهله يضاهي حبه لوطنه. عندما صافح الرئيس الاميركي رونالد ريغن للمرة الاولى دمعت عيناه وقال له: “انك تكرّم ابي في السماء”، ووفي تلك اللحظة، شعر بان والده بجانبه في البيت الأبيض ويقول له: “يا ابني انا فخور بك.”

يشكر الرب  والعذراء مريم على كل النعم التي حصل عليها: “والدتي أعطتني أيقونة صغيرة للعذراء وهي معي ليل نهار لا تتركني أبدا.”

وكما الوحدة في الوطن المتعدد المذاهب، يرى ان هناك وحدة في الطائفة الواحدة. “عندما سئلت عن طائفتي قلت انا أورثوذكسي ولكن عندما تعرّفت على مار مارون الذي حارب ضدالأتراك والعثمانيين قلت لهم انا مارونيّ. فالموارنة هم فقط من يقدّرون الارزة ويضعوها مع الصليب والكلّ يعلم ان فخر لبنان وعزّته ومجده من أرزه والذي ذكر ١٠٠ مرة في الكتاب المقدس.”.

هو الدبلوماسيّ الوحيد  الذي يضع على صدره زر علم الولايات المتحدة الاميركية وعلم لبنان تتوسطه الارزة.

خدمة بلده الأمّ

ردا على سؤالنا حول ما قدمه الى وطنه الأمّ من موقعه الدبلوماسي اجاب: “ما عملته لبلدي خلال فترة الحرب هو وجودي قرب رؤساء الجمهورية اللبنانية خلال زياراتهم الرئاسة الاميركية، كالرئيسين  سليمان فرنجية والياس الهراوي. وفي أي حاجة للبنان، كنت اتحدث مع الكونغرس والمعنيين.

عندما هاجموني في مجلس الشيوخ خلال الحرب اللبنانية قائلين لو استطاع السيناتور زاخم ان يضحّي بالمارينز ويرسله الى لبنان لإيقاف الحرب لفعلها، قلت لهم إنهم على حق، لانني اريد ان أرسل الجيوش الى لبنان، فلبنان هو أمي والولايات المتحدة  هي زوجتي، ولائي للولايات المتحدة، وحبي لوطني”.

 

وعن بعض ما قام به لوطنه من خلال موقعه الدبلوماسي، انه طلب يوما من الرئيس الراحل حافظ الأسد الذي كانت تربطه صداقة معه،  بان يساعد المسيحيين في لبنان الذين يفتقدون الى دعم خارجي  ويعطي السيناتور زاخم، مثلا:  فالسنة لديهم دعم السعودية والشيعة تمويلهم ودعمهم من ايران”، فأجابه  الاسد الى ان أربعة من مستشاريه الستة هم  مسيحيون.

يقول السيناتور زاخم: “اذا خسر لبنان المسيحيين أين سيذهب الاسلام ؟ يجب ان يبقى المسيحيون في لبنان كي تبقى الحرية والديمقراطية في الشرق الاوسط، فكل الديانات تتمتع بالحرية في لبنان، ولذلك دعي لبنان الرسالة”.

لغته اللبنانية سليمة مئة في المئة والسبب يعود الى انه يصلي باللغة العربية ويشارك بالقداس باللغة العربية،  ويقرأ الرسالة ويغني أغاني  فيروز، بالاضافة الى ترؤسه مجموعة طلاب العرب في كل جامعة دخل اليها.

 

سجّل ما تأجل

 

زوجته  من اصل بريطاني ولدت في ولاية كولورادو تعرف عليها في جامعة كولورادو، تزوجا ورزقا بثلاثة اولاد: شابان وفتاة . زوجته واولاده مسجلين في  لبنان ويمارسون حقهم بالتصويت ويرى  أنّ من واجب كل لبناني ان يقوم بهذه المبادرة للمحافظة على كرامة الوطن وعزّته: “علّمت أولادي أداء النشيد الوطني كلنا للوطن للعلا للعلم… كما علّمتهم حب الوطن حتى لو انهم يحملون الجنسية الاميركية”.

تحدثنا معه وكأن الوقت يتوقف بوجود أمثاله من الرجال الذين سطروا في هذه الحياة مبادئ الوطنية التي قل او ندر وجودها.

كونه أميركي من أصول لبنانية، لا بد من تحيّة احترام وتقدير لهذه الاصالة التي بنت رجلا يحتذى به، ليس فقط  في وطنه بل في العالم اجمع.

 

نختم هذه المقالة بنشر توصيات والدة السيناتور زاخم لإبنها قبل ان يهاجر الى  بلد الuncle Sam:

  • ضلّ زور الكنيسة.
  • صلّي للعدرا. 
  • حب يسوع وكل الناس.

هذا هو سام زاخم…

ماغي مخلوف

العدد الثامن والتاسع