الخوري اسكندر الهاشم

هل طبيعة الإنسان فاسدة، أم أنها تقع تحت وطأة الفساد وسلطانه فتصبح طيّعة له ومقتنعة بشروطه وأفعاله. لسنا هنا في معرض تحليل طبائع البشر وخفايا الإنسانية وأسباب تراجعها الأخلاقي والإنساني، فهذا أمر يقتضي وقفة تستعرض تاريخ الإنسان وتطوره وأثاره. نحن هنا في معرض التكلم عن الفساد وكيف يجتاح الناس، حتى إنه لم يعد يخرج عن طاعته إلا القلة القليلة.

1 – منابع الفساد ومصادره

لا تسرق، لا تزن لا تقتل إلخ… وصايا خدمت البشرية طويلا وقدمت لها دليلا حسيا على أن القتل والسرقة والزنى هي أمور مفسدة وسيئة ومخلة بالنظام الإنساني العام، ولا يمكن لمجتمع أو إنسان يمارس هذه الآفات أن يتفلت من عقاب هذه الخطايا، لأنها تلاحقه وتضعه خارج السياق العام الذي يهدف إلى إحلال الحق والسلام في قلب المجتمع الإنساني. إذا من يخالف هذه الشريعة الإنسانية، يضع نفسه في خانة السارق والخاطىء والمطلوب والمطارد من العدالة.

لقد أدركت البشرية بحدسها وواقعيتها واختباراتها أن هناك أسسا يجب السير بموجبها وتطبيقها كي تسود الألفة والعدالة، وتستقر شؤون الرعية والأفراد. هل توقفت السرقات وتوقف القتل والزنى؟ لم يتوقف كل ذلك بل ازدادت الوتيرة، وأصبح من يعتنق هذه الرذائل مدافعا شرسا بتبريره الدائم لأفعاله وتقديم الحجج والبراهين والأعذار على أنه ليس بخاطىء ولا بمجرم ولا بفاسد.

لقد أدت الشريعة قسطها للعلى وجاء زمن الضمير الذي أرساه المسيح من خلال تعاليمه التي ذهبت بعيدا في عمقها، وقد شدّد فيها على روح التمييز وأقام الضمير الإلهي في قلب الإنسان وعقله، جاعلا منه المرجعية الأساس للحكم على الأشياء والتصرفات. بلّغ المسيح الإنسان أنه قادر أن يرتقي بمفرده إلى سلم القيم الإلهية، إذا ما وضع ضميره تحت مجهر الله وجعل منه المرجعية الأولى، لتسود هذه المرجعية على توجهاته الفكرية والأخلاقية والإنسانية. وضع المسيح الإنسان تحت أضواء الله وأنواره ليكتشف ما هو الصواب وما هو الرديء، مشدّدا على أمرين تستقيم من خلالهما حياة البشرية جمعاء: الأول محبة الله من كل القلب والقوة، والثاني محبة القريب، وبذلك أرسى المسيح قاعدة ذهبية لا يمكن تجاهلها وإنكارها. فحين تحب الرب محبة صادقة، لا تستطيع إلا أن تنسجم مع تعاليمه ووصاياه وتوجيهاته لأنه يريد الخير للجميع، وحين تحب الناس كنفسك، فإنك لا تعود تسمح بأن يصاب هذا الإنسان بأذى، بل تعمل على السهر عليه تماما كما تسهر على نفسك. إنها قاعدة ذهبية لا مجال لتجاوزها، والا سقطت البشرية في الفساد الأخلاقي والإنساني وضرب الضمير وارتفعت من الأعماق شياطين الطمع والبطر والفجور والفساد على أنواعه، وهي كلها شياطين تزيّن لك الفساد وتجعلك أعمى، فلا تعود ترى إلا نفسك ومصلحتك وكل ما يجلب لك من الملذات.

حين تغيّب الله عن نظرك وتضرب عرض الحائط بحقوق الأخرين، فأنك تقول لنفسك لا إله ولا قريب وكل شيء مسموح.

2 – الفاسد يدفن ضميره

الفاسد يضع نفسه في مواجهة الله والإنسان ويدفن ضميره ويسدّ أذنيه كي لا يعود يسمع صوت الضمير الإلهي الساكن في كل إنسان. الفاسد يظهر نفسه ويقدمها للناس على أنه رجل صالح وهو في الواقع مقتنع بالصلاح والإستقامة، ولكنه غير قادر على صدّ إغراءات الفساد وهي كثيرة ومتشعبة، وهذه الإغراءات تنزله يوما بعد يوم في الوحل فلا يستطيع الخروج منها لأنها أصبحت ملازمة لطبعه وصديقة له، لأنها تقدم له المال الحرام والسلطة الجائرة، وتحرك فيه بإستمرار طبائع الوحش الذي يعيده إلى بداياته حيث الغلبة فيها للقوي وصاحب الحيل الشيطانية.

الفاسد يناقض إنسانيته ويتغلب عليها بفعل اللذة التي يقدمها له هذا الفساد فيضعه في مواجهة ضميره الإلهي وفي مواجهة إخوته البشر الذي ينغّص عليهم عيشهم ويسرق من أمامهم فرصة الحياة الكريمة. الفاسد يتحوّل يوما بعد يوم تحت وقع السلطة والمال الى شخص وقح سمج، يحب الظهور في الساحات والأماكن العامة متلبسا بعباءة الشخص النقي التقي العالم، حاجبا صورته الحقيقية عن الناس، جاعلا من مقتنياته وممتلكاته الحرام غطاء سميكا لنفسه القذرة وشخصه الحقير.

إن طبائع الفساد شبيهة بطبائع الإستبداد، وهي كلها محاولات لستر عورات أصحابها وجعلهم يشعرون بالأمان، غير مدركين أنها طبائع حيوانية تقتل فيهم الحس البشري وتجعلهم ذئابا خاطفة تفتش دائما عن ضحية وبريء، ويتحول الفاسدون هؤلاء إلى مجموعات وجماعات تحصن مصالحها ويساند بعضها البعض الأخر، فيصبح لهم أنديتهم وحلقاتهم المغلقة وتسود بينهم المفاسد والقباحات، لأنهم أفرغوا ذواتهم من القيم والفضائل ولبسوا لبوس الرذائل والفحش والفجور.

3 – شعار الفاسد “بعد حماري لا ينبت حشيش”

يهرب الفاسد باستمرار الى الأمام، يحاول خلق منطق لنفسه منسجم مع فساده وتتبدل قناعاته بالكامل، فيصبح مثله الأعلى “الشاطر لا يموت” أو “بعد حماري لا ينبت حشيش” أو يقنع ذاته بأن الجميع هم على شاكلته، وتعزيزا لفساده، يحاول إقامة تحالفات قوية تساعده على إخفاء طبائعه من خلال شراء ضمائر المسؤولين عن القانون والعدالة والأمن، فيصبح البناء كاملا بهذه الحلقات الخفية الضامنة لإنتشار الفساد وتغييب العدالة والحق، وكلها تعمل جاهدة على إسكات أصوات المطالبين بالعدالة والحرية والمحاسبة. نحن في لبنان أمام نموذج من الفساد تجاوز بوقاحته كل الحدود، لم يعد هناك من ضوابط او رادع ، لقد سقطت المحرّمات واستباح قطاع الطرق لأنفسهم الخيانة والسرقة والرذائل، وأضحت تجارتهم علنية واضحة، يسوّقون بضاعتهم نزولا وصعودا فيلحق بهم العديد من شذاذ الأفاق، وبهذا يكون الفساد قد دخل إلى اللب والنخاع وأصبح أمرا مقبولا، يتباهى به أصحابه، ويقفون في وضح النهار قائلين: قطارنا يسير والكلاب تنبح.