بلغت أزمة القروض السكنية أعلى مستوياتها مع تعثر مساعي الحلول بأكثر من عقدة وفي أكثر من مكان. وها هي تصبح مشكلة مضافة إلى مشاكل البلد المتعثر أصلا بعقد مزمنة على أكثر من صعيد، لترفع من مستوى خطورة الوضع الإقتصادي والإجتماعي، وبخاصة في ما يتعلق بالشباب الذي يواجه خطر خسارة آخر خشبة خلاص يعلّق عليها أمل الصمود في خضمّ أزمات وأمواج متلاطمة، تهدّد بإغراق الوطن الذي سمّاه رئيس البنك الدولي منذ سنوات عديدة ب”السفينة المثقوبة”.

وعلى وقع المادة 49  من الموازنة التي تعطي الإقامة للأجنبي الذي يشتري شقة بقيمة 300 ألف دولار تقريبا، وعلى أصوات الإنتقادات والمخاوف من مؤتمر “سيدر” أو باريس -4 وال11 مليار المنبثقة عنه والتي لا يعرف اللبناني ما إذا كانت نقطة ماء لإنعاش الإقتصاد أم “ثقبا” جديدا في “السفينة المثقوبة”، تواصلت مساعي البحث عن حلول لأزمة قروض الإسكان مستمرة علّها تنقذ آخر بحصة تسند قطاع البناء والعقارات، القطاع الحيوي الذي يشكّل نقطة الارتكاز في محرّك العجلة الإقتصادية في لبنان. وآخر المساعي كشف عن حلّ مستدام كما سمّاه واضعوه.

 

حلّ نهائي؟

وفيما راوحت الأزمة مكانها على مدى أشهر، ما زال اللبنانيون بانتظار تطبيق حلّ انبثق عن اجتماع في 18 نيسان 2018 بين رئيس الحكومة سعد الحريري ووزيري المالية والشؤون الإجتماعية ومدير عام المؤسسة العامة للإسكان، وكشف عنه وزير المال علي حسن الخليل بعد الإجتماع، إذ وعد بأن تمنح وزارته اعتمادا إلى المؤسسة العامة للإسكان. ومن جهته قال وزير الشؤون الإجتماعية بيار بو عاصي: “نحن بصدد وضع تصور لكيفية إعطاء قروض مدعومة بجزء أعلى قليلا لناحية مدخول طالب القرض، ولكن بمساعدات وتقديمات اقل مما هي عليه بالنسبة إلى المؤسسة العامة للإسكان.” وأضاف: “أعتبر اننا وضعنا اليوم الأسس لسياسة إسكانية سليمة في لبنان، والأهم أنها مستدامة لا تتعرض في المرحلة اللاحقة لأي خضة، وترتكز على العدالة الإجتماعية.”

بين المؤسسة العامة ومصرف الإسكان

وكان رئيس مجلس ادرة ومدير عام المؤسسة العامة للإسكان المهندس روني لحود قد قرع ناقوس الخطر، منبّها إلى خطورة الوضع، ولكنه أكّد في المقابل أنّ “المؤسسة العامة للإسكان مستمرة في عملها، و المشكلة ليست عندها.” وأضاف “أنّ أصل المشكلة يعود إلى توقّف دعم المصرف المركزي لهذه القروض والذي كان مستمرا منذ العام 1999 ، والسبب يعود إلى اعتبار مصرف لبنان أنّ الأولوية بالنسبة إليه هي السياسة النقدية وليس السياسة الإسكانية. ومن جهتها تعتبر المصارف الخاصة أنّ تقديمها القروض بفوائد غير مدعومة من المصرف لبنان يعني تقديمها تلك القروض بفوائد اقل من الكلفة، وهو طبعا أمر لا تقبله سياستها المالية.”

وأكّد لحود “أنّ الأزمة خطيرة لأنها لا تتعلق فقط بقطاع العقارات بل تؤثر سلبا على مجمل الإقتصاد اللبناني، إذ تطال أكثر من 38 قطاعا منه.”، مشيرا إلى ضرورة تدخّل الوزارات المعنية مثل وزارتي الشؤون والمالية للعمل على تقديم الدعم اللازم.”

ومن جهته، قال رئيس مجلس إدارة مصرف الإسكان جوزف ساسين الجهة المانحة للقروض السكنية إلى الشريحة الأكثر يسرا من اللبنانيين في تصاريح سابقة إلى الإعلام “إنّ مصرف الإسكان مستمر في منح القروض وإن بوتيرة أخفّ، فللمصرف أمواله الخاصة.” مشيرا إلى أنّه “منذ مطلع العام 2018 وحتى منتصف نيسان من العام، تقدّر قيمة طلبات القروض المقدمة للمصرف ب 200 مليار ليرة، وهي قيد البتّ من دون تغيير في الشروط.”

بداية الأزمة بالأرقام

اندلعت أزمة القروض السكنية بعدما استنفدت المصارف الكوتا المخصصة لها من مصرف لبنان، والبالغة نصف مليار دولار، استعمل معظمها خلال شهر، وهو ما استدعى تدخلاً من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي طلب من حاكم مصرف لبنان رياض سلامه تأمين صرف القروض السكنية التي التزمت المصارف دفعها إلى أصحاب الطلبات على أن يتواصل بعد ذلك مع الجهات المعنية بالقروض السكنية لوضع حلول تضمن استمراريتها وفقاً للقواعد والأصول المعتمدة. وقد طلب سلامه من المصارف تنفيذ التزاماتها على أن تحسم المصارف ما تدفعه من الكوتا التي سيخصصها لها مصرف لبنان في رزمة دعم العام 2018.

والجدير ذكره، انه في 18 كانون الثاني الماضي افتتح مصرف لبنان صفحته الرسمية على “تويتر” بتغريدته الأولى المتضمّنة تأكيد استمراره بتحفيز القروض السكنية والإنتاجية بعد إستنفاد آخر رزمة من القروض السكنية وقيمتها 750 مليار ليرة خلال شهرين ونصف الشهر. وأضاف: نتج عن هذا الطلب غير الإعتيادي وبفترة قصيرة تأخير مقبول بمتابعة الملفات وإصدار الموافقات، مؤكدا أنه يُعِدّ رزمة جديدة.

لكن الرزم المعدّة باتت لا تكفي للفترات المحددة لها، ما يضطر المصرف المركزي إلى استدراك المسألة وإعادة ترتيب الوضع من جديد والعودة إلى التوضيح مرّة بعد مرّة.

ولتبديد المخاوف اصدر تعميماً وسيطاً رقمه 485 يضع آلية جديدة لدعم القروض بمبلغ 1495 مليار ليرة أو ما يعادل 992 مليون دولار. وقد تقرر توزيع هذا المبلغ على المصارف وفق “كوتا” حدّدها الحاكم سلامة، كما أن 46 في المئة من المبلغ المرصود ستكون بالدولار الأميركي، و50 في المئة مخصصة للقروض السكنية.

وبالتوازي، أصدر سلامه تعميما موجها للمصارف والمؤسسات المالية، لحظ بعض التعديلات على التسهيلات التي يمنحها مصرف لبنان للمصارف والمؤسسات المالية، التي تقوم بدورها بمنح القروض المدعومة للأفراد وخصوصا القروض السكنية المدعومة. وإستنادا الى هذا التعميم، فقد وضعت المصارف رزمة من الأموال لتأمين هذه القروض وتحديدا القروض السكنية.

الآلية الأخيرة، جاءت بعد سلسلة قرارات صدرت عن مصرف لبنان بدأت بوقف دعم القروض بالعملة المحليّة وتخصيص الدعم للقروض بالدولار، مع بعض الاستثناءات للسكن والتعليم والقروض الصغيرة، قبل أن تصدر تعاميم تتشدّد في تطبيق شروط منح القروض. ثم صدر التعميم الأخير الذي يعيد توزيع الدعم تبعاً لعملة القرض والمصرف والقطاعات.

أزمة القروض السكنية أثارت حفيظة معظم الكتل النيابية لاسيما خلال مناقشة الموازنة العامة للعام 2018 ، فاشار رئيس الحكومة سعد الحريري الى أن “هناك مفاوضات ولقد وضعت 100 مليار دولار من الموازنة لمساعدة الاسكان”.

وأكد الحريري “أننا نعمل مع مؤسسة الاسكان والمصرف المركزي لمعالجة موضوع الاسكان والقروض”، لافتا الى أنه “عندما اقرت السلسلة، حصل هجوم على القروض السكنية”.

الأسباب وفق بعض التحليلات

وعلى أمل أن تكون أزمة القروض الإسكانية قد حلّت فعلا وجذريّا، لا بدّ من قراءة تحليلية لأسبابها. ومن هذه الأسباب وفق بعض التحليلات:

– 1الضغوطات التي يعاني منها مصرف لبنان بفعل ارتفاع حجم تمويل السلسلة من 1200 مليار ليرة سنوياً كما قدرت عند إقرارها الى زهاء 1860 مليار ليرة، والحبل على الجرار، خصوصاً ان هناك مؤسسات عامة تبيّن انها مشمولة بحق السلسلة ولكن تم إغفال حصتها في الحسابات.

2- التعميم 485 الصادر عن مصرف لبنان والذي حدّد آلية جديدة لمنح القروض الإسكانية والتجارية. إذ حصر دعم مصرف لبنان للفائدة فقط، وأسقط الدعم عن طريق الإعفاء الجزئي من الاحتياطي الإلزامي الذي كان يمنحه للمصارف.علماً أنه كان يُسمح للمصارف، حين تمنح مبالغ بغرض الإقراض السكني، استعمال الاحتياطي. وهكذا كانت المصارف تستهلك نحو 500 مليون دولار سنوياً من هذا الاحتياطي، بالإضافة إلى الكوتا التي كان يمنحها إياها “المركزي” بفائدة 1 في المئة. إلا أن التعميم المشار إليه منع المصارف من المسّ بالاحتياطي الإلزامي.

3- لجوء بعض المصارف الى استعمال القسم الكبير من القروض السكنية المدعومة لخدمة افراد ورجال اعمال ليسوا بحاجة الى الفوائد المدعومة، علماً ان القطاع المصرفي لا يستطيع رفض طلبات مستوفية الشروط.

فهل يكون الحلّ لهذه الأزمة قد وجد فعلا، وسيتمّ تطبيقه ليؤسّس لسياسة إسكانية مستدامة، أم أنّه مجرّد وعد أو”ترقيع” يستر ولا يغطّي جزءا من بدن “السفينة المثقوبة”…؟

ل. س.م
العدد الثامن والتاسع