اسم على مسمى “الارض الخصبة” خصبة بتربتها ومناخها واهلها وقداستها. 

هي بلدة بقاعكفرا الشمالية، التي شغلت علماء التراث بأثارها، وعلماء الجغرافيا بموقعها، وعلماء التاريخ بقدمها، وعلماء الفن بجمال طبيعتها، وعلماء اللاهوت بظاهرة قداسة ابنها البار شربل مخلوف.

بقاعكفرا كلمة سريانية تعني الارض الخصبة. ميزتها انها تملك اكثر من ميزة. شغلت الاعلام بكل وسائله. يؤمها الزوار والسياح من كل حدب وصوب وعلى مدار السنة.

تاريخ هذه البلدة يعود الى القرن العاشر ميلادياً. وقد استند الى هذا التاريخ على عدد سكانها الذي تخطى ال٣٠,٠٠٠ بقاعكفراوي ينتمون الى جد واحد. ولا يعقل ان إنسانا واحدا ليصير ٣٠,٠٠٠ لا يلزم له اقل من ١٠٠٠ سنة، كما قال المفكر اللبناني فؤاد افرام البستاني  (على ما جاء في كتاب، دليل بقاعكفرا بلدة القديس شربل، بقلم الخوري يوسف مخلوف).

اذا  ابناء هذه البلدة ينتمون الى جد واحد هو حبيب الملقّب  بمخلوف . مخلوف أنجب ٣ اولاد هم مخلوف ونكد ويوسف. هؤلاء الاجداد الثلاثة أنجبوا عائلات بقاعكفرا.

تقع على علو ١٧٠٠مترا عن سطح البحر وهي القرية او “الضيعة” الأعلى في لبنان وبلدان الشرق الاوسط المأهولة بالسكان بالرغم من قساوة الطبيعة شتاءً.

جيرانها هم شركاؤها في الوطنية والعبقرية والقداسة: أرز الرب، جبران خليل جبران، ووادي قنوبين.

اَهلها البقعكفراويّون، هم المقيمون جبلا وساحلا، المنتشرون شمالا وجنوبا، شرقا وغربا في القارات الخمس، المتمسكون بإرثهم، المصلّون في عيالهم وكنائسهم أينما وجدوا، المستقبلون زوارهم بكل فرح “اهلًا وسهلا في بلدتكم” يرددونها كلما التقوا زائراً.

مناخها يشبه طبيعتها وفصولها الأربعة، ارضها معطاء وخيّرة، يرتوي اَهلها ويروون ارضهم من ينابيع لا تنضب صيفا ولا شتاءً.

لا يوجد فيها اي متر ارض بعل إلاّ مشاع الجبل الذي هو جزء من جبل المكمل (قمة كعكقرا) التي تفصل بقاعكفرا عن سهل البقاع. وللاستفادة اكثر من هذه الينابيع التي لا تنضب؛ احدث شباب بقاعكفرا المهاجرين الى اوستراليا في الثمانينات ومن مالهم الخاص، بركة اصطناعية للري يبلغ طولها ٢٠٠ متر وعرضها ١٠٠ متر وعمقها ٩ أمتار، تعبأ من الينابيع والأمطار شتاءً ويستفاد منها في فترة الصيف لري المزروعات.

بالقرب من البركة او البحيرة الاصطناعية توجد مغارة طبيعية كبيرة تمتد في عمق الجبل عدة كيلومترات. تربتها رخوة، تتساقط عندما تكثر فيها مادتي stalagmite وstalactite. ولو حظيت على اهتمام الجيولوجيين لكانت شكلت مركزا سياحيا طبيعيا.

تربتها خصبة، وجودة محاصيلها يتقاسمها اهل البلدة مع الزوار الذين يعتبرونها بركة من الارض التي ولد فيها القديس شربل.

من اهم الفواكه: التفاح، الإجاص، الدرّاق، المشمش، الخوخ، الكرز، التوت والعنب. ومن اهم الخضار: اللوبياء، البندورة، الخيار، البطاطا، الثوم  والبصل.

صنفت رابع بلدة نموذجية في العالم من قبل السوق الأوروبية المشتركة سنة ١٩٩٤. من خلال دراسة قامت بها اللجنة المذكورة تبين ان تاريخ هذه البلدة يعود الى ٢٠٠٠ سنة ميلادية. واذكر جيدا ما قاله كاهن الرعية الأسبق الخوري يوسف مخلوف ( رحمه الله)  “بقاعكفرا ليست فقط نموذجية بحجرها بل ببشرها وابنها البار هو خير مثال في النموذجية والقداسة”.

الخوري ميلاد مخلوف،  استلم خدمة الرعية من خلفه عمه الخوري يوسف مخلوف، وهو الكاهن السادس عشر في سلسلة الكهنة التي توالت على خدمة الكنيسة.

رسالته وخدمته الكهنوتية في بلدته لهما دوران أساسيان كما يقول: الخدمة ذات البعد الراعوي والثانية البعد الرسولي.

البرامج والنشاطات الروحية في هذه البلدة لا تتوقف على مدار السنة حتى في فترة الشتاء والثلوج والعواصف. مسيرة  “ابو دقوشتو”  الشهرية  تتحدى عوامل الطبيعة وتنطلق من جهتي الوادي المقدس، من بلدتي اهدن وحدث الجبة لتلتقي على مدخل البلدة و تكمل مسيرتها صعودآ نحو الرعية حيث يحتفل بالذبيحة الإلهية.

“رعية بقاعكفرا تعيش حالة العيد الدائم. وهذا ما يلمسه الزائر لدى وجوده في البلدة. الكنائس والأديار مفتوحة لاستقبالهم سواء للصلاة، للتبرك، لسماع القداس”، ما يؤكده الخوري مخلوف.

 

كنائس وأديار ومزارات للعبادة والصلاة

 

الكنيسة الرعائية القديمة التي يعود عمرها من عمر البلدة، يستدل على ذلك من الصليب المثلث الأطراف الموجود على عتبة بابها الرئيسي، والذي قال عنه الاب بطرس ضو عندما كتب عن تاريخ الموارنة الديني والحضاري والعسكري  “إن شكل هذا الصليب كان من القرن السابع الى القرن الثالث عشر”. لم يتوقف اهل هذه البلدة يوما عن الصلاة والتعبد حتى خلال فصل الشتاء وأبان الحروب والاضطهادات، اذ بنوا دهليز تحت الارض يوصل البيوت بالكنيسة. اكتشفته ذاكرة البيوت خلال وجودها في البلدة ولكن معظمه قد سقط. في هذه الكنيسة قبل القديس شربل سرَّي العماد والتثبيت ومارس فيها الشعائر الدينية ثلاثة وعشرين سنة. ومن ويقصد هذه الكنيسة يتبرك من جرن العماد تعمد فيه القديس.

كنيسة سيدة الانتقال الرعائية التي بنيت على سطح الكنيسة القديمة. تم ّ بناؤها سنة ١٩٢٥. تجمع بين القديم والحديث مسقوفة بالقرميد، هي سوق واحدة (لا يوجد عواميد في وسطها) ٢٨ مترا طول البناء، ١٤ متر عرضها و ١٥ متر علوها. من اجمل الكنائس التي بنيت في ذلك الحين. تبنتها مديرية الاثار لما تحتوي من رسومات وصور وزخارف قيمة. من المطبوعات الموجودة داخل الكنيسة: الزمن الطقسي السرياني بمجمله.

من الحوادث التي يذكرها أهالي البلدة، اثناء تشيد الكنيسة، سقطت سقالة خشبية من ارتفاع ١٥ مترا على الأهالي العاملين فيها، فنجوا كلهم ولم يَصْب اي منهم بأذى بالرغم من ثقل الأخشاب وضخامة المسامير المغروسة فيها.

بيت القديس شربل حيث ولد وترعرع مع اخوته الأربعة وتحول الى كنيسة بعد ان اشترته الرهبانية اللبنانية من الأهالي حوالي سنة ١٩٥١وبنت ديراً بجانبه على اسم القديس شربل. وهو اهم المزارات في البلدة.

كنيسة القديس سابا رممها حنا زعرور شقيق القديس شربل عندما كان يخدم الكنيسة كوكيل وقف سنة ١٨٦٠ بعد ان كانت مزارا ًعلى اسم القديس سابا. وقد عقد النية للترميم بعد ان اعترضه القديس سابا بينما كان يسقي بستانه الملاصق للمزار وقال له كما روي لنا “الا يكفي انك لا تبني لي الدير وانت وكيل وقف، بل انك تدوس برجليك حجارته!”  ويقال انه انتزع منه المجرفة وطرحها بعيداً. في اليوم التالي وجد حنا زعرور المجرفة في البستان المجاور وعقد النية على تشييد الدير المذكور.

مغارة القديس حيث كان يصلي القديس شربل.  اهل البلدة تأهبوا لتجهيز المكان لاستقبال الزوار بعد ان ذاع خبر عجائب الراهب شربل مخلوف. والدي يوسف مخلوف اخبرني انه كان مع رفاقه عندما ساهموا في العمل في المغارة. كانوا يعملون يوميا وبمجانية لساعات. كانوا يقصدون عينا للشرب ولم تكن قريبة من المغارة. بالمونة التي يكنوها لابن بلدتهم قالوا له “اذا ما بتعطينا مي رح نوقّف الشغل والزوار كمان عم يعطشوا” وما هي الّا لحظات حتى خرجت المياه من الارض وما زالت حتى اليوم نبع عجائبي لا ينضب.

دير مار حوشب الأثري، ذكره العلاَّمة البطريرك الدويهي في كتابه تاريخ الازمنة “سنة ١٤٩٦ رممت دير مار حوشب في بقاعكفرا بعد خراب حنينه زوجة المقدم جمال الدين يوسف، مقدم بشري . كنيسة الدير لا يقل عمرها عن الـ١٠٠٠ سنة  وكما ذكرنا انه الحنية رممت منذ ٥ قرون، فيكون عمر الدير ما لا يقل عن الـ١٠ قرون . لاحقا بنى الخوري مبارك مخلوف بناء ملاصق للكنيسة جعله مدرسة وصومعة، حيث تلقّى في هذه المدرسة القديس شربل دروسه الابتدائية.  اما الصومعة فسكنها كهنة متبتلين فقط. اكمل هذا الخط النسكي من ٢٦ شاب كرّس حياته للصلاة والتعبّد والعمل في الارض نظير ابن بلدته مار شربل.

وهكذا،  يمضي الزائر نهاره متنقلا بين هذه الاماكن المقدسة،  ويعيش حالة الصلاة والهدوء التي عاشها ابن هذه البلدة .

 

مشاريع البلدية الترميمية والإنمائية رد جميل للقديس شربل

 

المجلس البلدي وعلى رأسه الرئيس ايلي مخلوف اخذ على عاتقه خدمة بلدته وابقاءها قدر المستطاع على ما كانت عليه في الحقبة الزمنية التي عاش فيها مار شربل قبل دخوله الدير(١٨٢٨-١٨٥١).

“حلمي  مع المجلس البلدي هو المحافظة  على البيوت التي تحمل الطابع القديم  ومنها دير مار حوشب الأثري  الذي يعود عمره الى١٤٠٠ سنة”.

 

السيد ايلي مخلوف، بالاضافة الى رئاسته لبلدية بقاعكفرا لثلاث دورات متتالية، يشغل منصب رئيس اتحاد بلديات قضاء بشري، يرى ان وصوله لرئاسة البلدية هي رسالة، لان بقاعكفرا لم تعد فقط لاهلها بل لمحبي مار شربل. وان ما يقوم به هو وردة يقدمها لمار شربل الذي اعطى اهل بلدته الكثير وعليه بالمقابل أن يرد جزءا ولو بسيط بالحفاظ على مسقط راْسه.

 

الإنجازات التي قامت بها البلدية عديدة نذكر منها: توسيع واستحداث طرقات، إنارة الشوارع، تعبيد الشارع الرئيسي، وتوسيع الطريق التي توصل البلدة بالجرد العالي والى صخرة القديس حيث كان يصلي بينما ترعى ماشيته. ومؤخرا انجزت البلدية وبالتعاون مع لجنة الوقف مدرجا لإقامة النشاطات والحفلات.

 

“وقّعنا وثيقة شراكة بين منظمة كوراي الفرنسية وبلدية بقاعكفرا” يشرح الرئيس مخلوف اهمية هذا الاتفاق، “بهدف ترميم بيوت وطرقات البلدة،  والمحافظة على طابعها التاريخي الأثري . تتضمن الوثيقة خطّة سياحية كاملة متكاملة لبقاعكفرا، وخطة اقتصادية وتنموية، وذلك من خلال برنامج توعية اهالي البلدة عن كيفية التعاطي مع الزائر والسائح بإقامة بيوت الضيافة المعروفة في العديد من الدول السياحية. والهدف من هذا البرنامج، استقبال الزائر والقيام بالواجب. بدروه المستضيف يستفيد ويؤمّن مدخولاً يسمح له العيش بكرامة”.

 

وقد اطلعنا الرئيس مخلوف على بعض تفاصيل المشروع فيما يتعلق بالدراسة والتنفيذ والكلفة ٣٠٠,٠٠٠ دولار  كلفة المشروع ، تحملت المنظمة الكلفة، واتحاد بلديات جبة بشري تحمل ١٠٪‏ منها، وهذا ما هو متعارف بحكم الشراكة.

٣ ملايين دولار كلفة الترميم، تحاول البلدية تأمين هذا المبلغ للبدء بتنفيذ المشروع.

قدم اتحاد بلديات قضاء بشري طلب انضمام بقاعكفرا الى دول الفرنكوفونية. اذا تمت الموافقة، تدفع هذه الدول نصف المبلغ. اما المبلغ المتبقي فعلى البلدية تأمينه من المحسنين محبي القديس سواء من البلدة او خارجها

دراسة المشروع ستنتهي في أوائل شهر تموز من دون الخرائط التنفيذية.

ما تقوم به بلدية بقاعكفرا هو تسهيل زيارة المؤمن وتأمين اجواء الصلاة وعيش اجواء الضيعة اللبنانية.

كاهن الرعية الخوري ميلاد مخلوف، ساهر على بلدته وزائريها. برامج الاحتفالات الدينية والروحية لفصل الصيف تبدأ في الثامن من ايار عيد مولد القديس شربل، الى عيد  مار شربل في الأحد الثالث من تموز، وعيد سيدة الانتقال في ١٥ آب، وعيد الصليب في ١٤ ايلول. يتخلل هذه الأعياد الثابتة نشاطات، واستقبالات رعايا من كل المناطق اللبنانية وجماعات مصلية واخويات ومرنمين وموسيقيين  …..

زيارة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي اصبح تقليدا سنويا الى بلدة بقاعكفرا، حيث يلتقي بأبناء الرعية يعيِّد معهم ويحتفل بالذبيحة الإلهية ليلة عيد القديس شربل.

ما كتبناه هو نموذج عن هذه البلدة التي تعمل على ما أعطاها الرب من وزنات لتعيدها أضعاف كما فعل الاجداد بتقديمهم قديس أغنى العالم بعجائبه.

م.م