إنه من الصعب تشخيص العلاج لحالنا الحاضرة ولواقعنا المسيحي قبل الإضاءة على بعض التوجهات والإشكالات، لكن من المفيد أن نذكر بأن الوحدة ممكنة وأن الحوار هو الحل الأنجع للسير في طريق هذه الوحدة المفقودة.

أين نحن اليوم؟

سؤال صعب لا يمكن الإجابة عليه بسهولة وذلك لسببين:

الأول: سرعة تحرك الأحداث الداخلية والإقليمية والدولية،
الثاني: بسبب عدم بقائنا متفرجين أمام هذا الكم من الأحداث وبالتالي حشر المسيحية المشرقية في موقف يجب الخروج منه أجلاً أم عاجلاً، وأن يبقى هذا الموقف منسجماً مع قناعاتنا الأخلاقية والإيمانية والإنسانية.

حين نطرح مستقبل المسيحية في المشرق وفي لبنان بصورة خاصة يستطيع المؤمن العودة إلى مسار طويل واختبارات وجودية ليقول إن الله سيبقى يده فوقنا ويحجب عنا الموت والزوال، مستشهداً بتاريخ طويل من المذابح والإضطهادات، وبالتالي علينا ألا نخاف، فلقد عبر الأجداد من قبلنا مآزق أشد قسوة وإنتهى المطاف بهم إلى إيجاد مخارج استطاعوا معها متابعة مسيرتهم وحياتهم. هذه الأفق الإيمانية المتفائلة تسعى الى التأكيد بأن الكنيسة لن تزول من الشرق وإن صخرة الإيمان ثابتة وعصيّة على أعداء الإيمان. في المقابل يحمل النازغ إلينا أنين كنائس أتلفتها الحروب ودمرتها الغزوات والإضطهادات ونالت منها البربرية ولم يعد لها أثر يذكر، لا بل دمرت أثار أبنائها وجرفت حضارتها وأزيلت من خريطة أفريقيا الشمالية وبعض بقاع آسيا الصغرى، وبالتالي فليس مستبعداً أن تلحق بها كنائس آخرى وتلقى المصير ذاته، ونحن نرى بأم العين مصير إخوة لنا في شمال سوريا وفي قلب العراق.

مسؤوليتنا كبيرة

للقائلين بأن الله يرعى كنيسته ولا يستطيع أحد إطفاء شعلتها، نقول: بأن مسؤولية المسيحيين كبيرة وعليهم العمل الجاد جنباً إلى جنب مع مسيحهم ليكون لهم مستقبل، وإذا ما تخاذلوا عن القيام بهذا الدور فإن الروح القدس سيتخاذل هو أيضاً عن إنعاش الكنيسة ودفعها قدماً إلى المستقبلات.

إنطباع غير متفائل

إن تأملاً جدياً يقظاً في واقعنا المأزوم يضعنا عند أعتاب التشاؤم، فنحن نشهد بأم العين إنقسامات حادة في صفوف أبنائنا، وتراجعاً مخجلاً في واجباتنا الراعوية والإيمانية والأخلاقية، وتخلياً طوعياً عن التمسك بالأرض وإنخفاض حاد في الديمغرافيا، وهجرة حادة. هذه الصورة الضبابية لا يقابلها جهد ملموس وحركات تدعو إلى اليقظة ولمّ الشمل وشدّ أواصر الإلفة وتحريك الطاقات وإستعادة المبادرات الخلاقة التي توقظ القوى النائمة وهي كثيرة ومتنوعة.

يجب الإنتقال الفوري إلى منطق جديد يتوجه فوراً إلى تجديد الروح الجماعية وتدعيم وترسيخ قواعد سلوك وتحديد نهج يعطي الأولوية لبقاء الشعب وطاقاته ومساندة مطالبه. هذا المنطق الجديد يجب أن يركز على تجديد مؤسساتنا الدينية والإجتماعية والتعليمية والإنتاجية، ويجب إعادة النظر بأسباب الضياع والإنهزامية والتخاذل والفوضى إنطلاقاً من كل المستويات وكل المؤسسات العاملة للتوجه وجهة الإلتزام الفعلي بالقضايا الحياتية والسياسية، والذهاب إلى مزيد من الدفاع عن القيم الأخلاقية وتصويب المسار للبنية العائلية والتربوية والإقتصادية، وتحديد أهدافها ومنطقها وفقاً لمعايير وجودية تسهم في إعادة ترسيخ المواجهة من أجل الإستمرار والبقاء.

المسيحية كنيسة ماذا تعني إذاً؟

الكنيسة تجهد في إعادة الإعتبار لكل جسدها الحي وقواها الفاعلة، الكنيسة يساند فيها القوي الضعيف، الغني الفقير، العالم الجاهل، المسيحية جماعة تسند ضعف بعضها البعض وتتألم لألم أعضائها فتحزن لحزنهم وتفرح لفرحهم. الطبقية اللعينة التي نراها هي خارجة عن منطق المسيح وهي مدانة أخلاقياً وروحياً. طبقات الإكليروس وطبقات العلمانيين هي موضع شك وعثرة، تخمة قاتلة وجوع قاتل، فلا يشعر المتخم بواجبه ولن يقبل الجائع الحسنة، وعلى القيميين على الكنيسة وعلى السياسة أن يكونوا قديسين يتخلون طوعاً عن البورجوازية وينزلون إلى الصفوف والحارات والقرى ويوحدون الصفوف ويتقدمون مواكب المطالبين بالحق والحياة الكريمة جاعلين من كنيسة المسيح صرحاً متيناً متماسكاً غيوراً يسع الجميع ويحترم الناس أجمعين.

المنظومة التربوية

إن النظر بالمنظومة التربوية واجب الوجوب وقضية مركزية، فالتربية فلسفة وجودية تنطلق من تربة الأرض وإرث الناس مستعينةً بكل جديد نافع وعظيم وعليها ترسيخ مفاهيم الحياة من فضيلة العمل والتآخي والنبل والكرم وروح الطاعة والصبر والرجاء وتعليم القناعة وترسيخ واجب الإستقامة، وقلب المظاهر البائخة النتنة المريضة، والتخفيف من الألقاب التي هي مرض العصر وعلته. التربية الحقة لا تجنح إلى العلم المجرد وتتخلى عن الإنسانيات، هي تعطي الفلسفة مكانها وكذلك الفن وما فيه من رسم ونحت وشعر ومسرح وخطابة وفكاهة ليمتلك الإنسان ناحية ذاته ويتواصل مع إخوة له ومع تربة تراثه. التربية تفتح الأبواب المغلقة ليطل الإنسان على عالم أوسع فتخرج طلابها من الشرنقة والفردانية وتشعل فيهم حب الله والإنسان دون التخلي عن الشخصية والدفاع عنها.

لا يمكننا الإستمرار بالوتيرة عينها ولا يحق لنا تجاهل حالنا وواقعنا البائس. علينا البحث جدياً في إعادة ترميم بنيتنا الثقافية والأخلاقية المهترئة، وعلى المجتمع باسره وخصوصاً قواه الفاعلة ألا تتراجع عن مبادرات الإصلاح وعمليات إعادة الترميم، وعلى الجميع البحث دائماً عن الكوى التي تفتح الذاكرة وتعيد تأهيل القدرات وهي كثيرة وقديرة.

الأسلوب هو الشخص، مثل فرنسي

كي تدوم المنفعة وتستمر الحياة ويبقى النبض قوياً، على المسيحيين وفي طليعتهم إحبارهم وقادتهم أن يتحولوا دائماً إلى رجال ثقة ورجال موقف، فحين يتكلم الإنجيل عن حبة الحنطة يشير بوضوح الى ضرورة موت الأنانية وإخصاب الروح فينا لتتم النقلة الحقيقية من مستوى إلى مستوى ومن مسار إلى مسار.

المسيحية في جوهرها هي إيمان وحب وصليب، وهي تجربة تعاش في الثقافات والأزمنة على غرار ما علّمها معلمها الإلهي الذي جاء بكل جديد وعظيم وجميل، وقد أخرج البشرية من مخاوفها العتيقة ومن عاداتها وقادها إلى الأعالي عبر روح دائم العمل والنشاط في قلب الكنيسة وأتباعها.

إن تحديات العصر وتحديات الواقع السياسي والإقتصادي والأمني ليست شيئاً أمام إرادة البقاء والإستمرار. المواجهة الحقيقية هي تلك التي تستند إلى القوى الداخلية الفعّالة، قوى ترفد الوجود بالمزيد من العناد المقدس وروح الصبر، قوى تطلع من الأعماق لتؤكد بإستمرار أن الإنسان ليس وحيداً أو حقيراً، إنه يمتلك عدة مواجهة يتحدى بها، وهي تجعله قادراً على الصمود والبقاء. هلّ إكتشفنا هذه القدرات فينا؟ وهل بإمكاننا الإضاءة عليها؟ سؤال على ضمير الأولياء والأتقياء.

الخوري اسكندر الهاشم